موت الأبناء .. تجربة عميقة ومؤلمة
نحن أمام أمر عظيم، وحدث جلل، ومصاب يختبر الله فيه قوة الإيمان وصدقه: موت الأبناء، تجربة عميقة ومؤلمة، وامتحان صعب يعد من أدق الأوقات التي يمرّ بها الإنسان في حياته، وقد يكون من النوازل التي تزلزل كيان أي كائن بشري أصبح يعاني من الفقد في غمضة عين أو بعد حين.
موت الأبناء، حدث يصعب رصد تأثيره على نفس المكلوم أو تشبيه لحظاته بدقة عالية، ففي هذه الحالة الإنسانية تتجلّى قوة إيمان العبد الصابر المحتسب الأجر والثواب من عند الله، والعارف بأن كل الأشياء التي بحوزته هي من عنده سبحانه، وما بين أيدي البشر ما هي إلا أمانات استودعها المولى لديهم، وقد يسترجعها في أي لحظة زمنية. وهنا يأتي قولنا لطمأنة نفوسنا المتعبة: «لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكلُّ شيءٍ عندهُ بأجلٍ مُسمّى، ولا نقولُ إلا ما يُرضي الله.. وإنا لله وإنا إليه راجعون»، ونقول مثلما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنّا لفراقك لمحزونون»، وفي قوله تعالى: «أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي».
موت الأبناء ليس حدثًا عاديًا أو فترة زمنية سهلة تنقضي سريعًا، بل هو شعور يتجدد كل يوم ليعلن كيف هو الصبر على البلاء كـ«مجاهدة النفس على الثبات»، وهنا يتجلّى المولى عز وجل بقوله: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ». صدق الله العلي العظيم.
الفقد أمره صعب للغاية، فكيف إذا فقد الإنسان منا فلذات كبده، إنه والله لامتحان ما بعده امتحان. «صبرٌ جميل والله المستعان»، هكذا هو لسان حال المؤمن العارف بقضاء الله وقدره.
وكما يقال: «هناك وجعٌ لا يجعلك تبكي، ولكن يجعلك شخص لا يعرفه أحد»، وورد في الحديث الشريف عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد».
عندما نفقد بعض الفرص في الحياة نشعر بالحزن والأسى، فكيف إذا فقدنا جزءًا من أرواحنا التي لن تعود ثانية للحياة! لكم هو مؤلم هذا الشعور، وليس بمقدور كل الناس تحمّله. فهناك من يتأثر كثيرًا ولا يستطيع أن يقاوم حجم الألم الذي يزلزل قلبه، وبعض الناس حياتهم تتغير جذريًا، وخاصة الأب والأم اللذان يعتصر قلبهما الألم بهذا الفقد. والبعض نتصوره أو يُخيّل لنا بأنه قد نسي الحادثة المؤلمة التي ألمّت به، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا؛ فنار الفقد لم تطفأ ولو للحظة واحدة من قلبه، بل كل حرارتها خامدة تنتظر أقل ذكرى لتعبث بهذا الرماد، ويتطاير الشرر من جديد.
لا نلوم كل من انشطر قلبه بفقدان ابن واحد أو مجموعة من الأبناء، فكل التفاصيل الماضية تحضر أمام عينه: يرى أشياء من بقايا ألعابهم أو قطعة من ملابسهم أو أي شيء خاص بهم، رغم أنه حاول التخلص منها لكنه عجز عن إخفاء الأشياء العالقة في ذهنه. وفي لحظات أخرى يجرّ الحديث بعضه بعضًا فيذكره بهم، فتفيض عيناه بالدمع على فقدانهم.
ليس أمام هؤلاء الناس سوى «الصبر واحتساب الأجر من الله»، فكل الآجال مكتوبة بعناية فائقة، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ».
لكن هناك مسؤولية عظيمة يجب علينا كأفراد في مجتمع واحد أن نقوم بها، ومنها مساندة كل الذين يعانون من كسر في القلب وشعور بالألم. وهذا التضامن المجتمعي لا يكون محصورًا على فئة دون أخرى، فالواجب يتصل من الأقرباء أو الأصدقاء أو الجيران. وهذا الدعم لا يكون «معنويًا فقط أو ماديًا، وإنما يجب أن يكونا معًا»، وذلك من أجل تخفيف ما تعانيه القلوب من فقد وتعب.
وآخر الأشياء التي نطرحها هو أن «الحياة والموت» بيد الله تعالى، فنحن لا نعلم من يسبق منا الآخر، وبأن الأشياء التي معنا قد تزول في الوقت المحدد لها. فكم من فقدٍ في هذا العالم يحدث، وكم من أشياء مبهجة تظهر إلى العلن. فالله تعالى يأخذ ويعطي لمن يشاء، والإنسان العارف بربه يدرك بأن الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
