بريد القراء

ظلال المعتقدات القديمة والخرافات

19 يونيو 2026
عبدالرحمن بن موسى الزعابي
19 يونيو 2026

في مرحلة الظلام الدامس، كنا نصدق أي شيء يقال لنا، كنا نعيش في القرى النائية البعيدة، كان الماضي عبارة عن إطار محدد ما بين قرية تحت سفح جبل، وأخرى تعانق ظلال الشجر، في الوسط كان البسطاء يعيشون حياتهم وسط صمت المزارع وحفيف الشجر وقمم الجبال الشامخة على منحدرات سحيقة.

كان كل شيء يندرج في بوتقة التصديق دون وعي بأن ليس كل ما يقال صحيحًا أو يمكن تصديقه، في الماضي كانت الروايات القديمة حاضرة بقوة في أفواه الناس، أما الأساطير الخرافية فهي قلعة تعشش في أسقفها الخفافيش كما تسكن المباني الطينية المهجورة، أما الشخصيات فكانت مثالًا حيًا على البساطة، هناك الفقير ورجل الدين والمتوسط والغني، اختلاف طبقي منذ الأزل هي تركيبة سكانية تختلط مع بعضها لتشكل عالمًا يعيش صمتًا وربما جهلًا ومشبعًا بالمعتقدات.

لم تكن الحياة ترى النور في شوارعها أو شواهدها - كما هو الحال اليوم - هناك فارق زماني ومكاني لا يقارن بالحاضر.

في ظل ندرة المستشفيات، كان الناس يلجؤون إلى التداوي بالصبر أحيانًا وبالموجود في منازلهم أحيانًا أخرى، لا يهم أن يكون الدواء شافيًا بقدر ما يهم أن يقنع المريض نفسه بأن لديه العلاج، نظرة تحتاج إلى الشفقة.

في تلك الفترة ظهرت شخصية تدعي بأنها تعين الناس على التشافي من المرض، كانت هذه الشخصية غير متفق على اسمها، ففي أماكن كان الناس يسميها بـ«المعلم» أو «الباصر» أو «المطوع»، مهمته الأولى والأخيرة هو طرد الجن، وكف الأذى النفسي عن المرضى، وتخليص الناس من المس الشيطاني وغير ذلك من الخرافات.

كانت هذه الشخصية -رغم الجدل الذي يحيط بها- تحظى بثقة البسطاء الذي يتهافتون لطرق أبوابها من أقل عارض صحي، فكان الشك يحوم حول إصابة الناس بـ«الحسد والمس والضر».

كانت الطلبات التي يطلبها طارد الشر غريبة ومضحكة وغير منطقية - هذا ما نراه الآن - ومع ذلك كانت من المحرمات لدى الناس التشكيك في صدق ما يقول أو التقليل من أهميته في إنهاء المهمة التي يقوم بها عبر طلاسم كتابية ورسومات عجيبة وغريبة.

أغلب من امتهن هذه الوظيفة طاعنون في العمر، بعضهم تجاوز عتبة الستين عامًا، يتقاضون مبالغ زهيدة نظير العمل الذي يقوم به، والعجيب أن الناس كانت تصدق كل ما يقوله أو يطلبه!

بعيدًا عن الشخصيات التي شكلت جزءًا من ذاكرة الأحياء في الوقت الراهن، نتذكر شيئًا آخر وهو الحكايات والقصص والبطولات والأمجاد التي كانت تحكى خاصة عند المساء، كنا نسمع عن شخصيات شريرة تأتي لكل من لا يلتزم بما يقال له أو يخالف التعليمات والتوجيهات التي تسدى إليه من والديه.

صعوبة الحياة في تلك المرحلة والجهل الذي لازم الناس جعلهم يصدقون كل ما يصل إليهم، ليس لديهم الوقت الكافي لطرد الأوهام أو البحث عن الحقائق أو الاعتراض على الواقع، في تلك المرحلة الزمنية البعيدة الناس لم يكن لديهم شيء بديل يعوضهم عن حكايات الوهم أو اللجوء إلى التشافي بالطرق الحديثة، كان الناس يتساقطون في غبة المرض ولا يعرفون مما يعانون منه، بعضهم يتحمل والبعض الآخر لا يستمر طويلًا مع معاناته مع المرض.

الظلام الذي كان يملأ ساحات الحياة هو الذي أثر كثيرًا على عقلية الناس وجعلهم يبحثون عن قوت يومهم وإشباع بطونهم الجائعة ويسدون أفواه أبنائهم المفتوحة دون البحث عن الحقائق أو تكذيب الروايات والحكايات المغلوطة.