No Image
بريد القراء

حياة بدون ضجيج.. ماذا تعني !

15 مايو 2026
15 مايو 2026

الوحدة فرصة عظيمة لاكتشاف معنى أعمق للحياة.. قد تتحول مع الوقت إلى إدمان، وقد تكون فرصة مُلهمة، وقد تصبح ذكرى مؤلمة للغاية". بهذه النظرة الإنسانية أبدأ الحديث عن قضية تشغل أذهان كثير من الناس، فهناك من يعشق العيش وسط الضجيج، وآخرون يميلون إلى العزلة، فأيهما أفضل للإنسان في نظرك؟.

الانطوائية ليست جريمة يرتكبها الإنسان بحق نفسه، فقد يكون هذا الانعزال أو الابتعاد محدودًا ومؤقتًا لدى البعض، أو دائمًا ومطلقًا لدى آخرين. ولعل وراء ذلك أسبابًا كثيرة تعود إلى سنوات الطفولة، يتحول بعضها مع مرور الوقت إلى "سمة شخصية"، بينما تنشأ أسباب أخرى نتيجة اضطرابات نفسية أو صدمات قاسية تهز كيان الإنسان وتدفعه إلى نفق من العزلة، قد لا ينجح البعض في الخروج منه حتى نهاية العمر!.

منذ سنوات طويلة يتحدث الناس عن فئة "الانطوائيين"، ويرى البعض أن الانطواء استسلام كامل للواقع، بينما ينظر إليه أصحابه باعتباره وسيلة لاستعادة التوازن الداخلي والطاقة المفقودة، وإيجاد نوع من السلام النفسي، خاصة عندما يقضون وقتًا طويلًا بمفردهم. فالتواجد في المواقف الاجتماعية قد يكون مرهقًا بالنسبة لهم، لذلك يفضلون العزلة باعتبارها مساحة للتأمل والهدوء بعيدًا عن المتطفلين وضغوط الحياة المختلفة.

وكما يقال دائمًا: "أحيانًا تكون وحيدًا لأنك تعرف الطريق جيدًا، لا لأنك ضائع كما يظن البعض".

ومن خلال هذا الحديث نستشف أن هناك أسبابًا عديدة تدفع بعض الأفراد إلى تفضيل العزلة، وقد تختلف هذه الأسباب بصورة كبيرة من شخص إلى آخر، وهو ما يبدو واضحًا من خلال طبيعة علاقاتنا الاجتماعية بالآخرين. فعندما نفهم هذه الدوافع جيدًا، نستطيع أن نرى الجوانب الإيجابية للاستمتاع بصحبة الذات، والعيش وفق القناعات الشخصية دون تدخلات أو إملاءات من الآخرين.

ومن هنا يجب القول إن الأمر لا يتعلق بالغرابة أو الانطواء بقدر ما يتعلق بطريقة مختلفة لفهم الحياة، فبعض الناس يجدون السلام الحقيقي في "العزلة". وبالنسبة لي، فإن الأمر يشبه إعادة ضبط عقارب الساعة على التوقيت الصحيح، بعيدًا عن التشويش والأخطاء.

ويقول أحد المفكرين: "الأهم بالنسبة لي أنني أجد السكينة والهدوء عندما أهتم بشؤون حياتي الخاصة، فعندها أستطيع التخلص من أغلب المشكلات التي تأتيني من الخارج، من خلال عزل نفسي عن كل الضوضاء المحيطة بي، ولهذا أشعر بأن الوحدة أمر طبيعي".

ومع تعاقب السنوات، أيقنت أنه لا بد من مراجعة أخطاء الماضي، وأدركت أنني لم أعد أجني الكثير من التفاعل مع الآخرين كما كنت في السابق. وكل ما أتمناه اليوم هو أن أجد طريقًا يشعرني بقيمة نفسي، دون الحاجة إلى استجداء ذلك من الآخرين طلبًا للعطف أو رغبة في نيل رضاهم.

والآن، وبعد نصف قرن من الزمن، أصبحت أحب العزلة لأنني لا أحب أن يُطلب مني التخلي عن جزء من شخصيتي التي أعرفها جيدًا، فقط من أجل التوافق مع الآخرين. كما أنني لا أحب أن أُجبر على أداء أدوار لا تشبهني، أو أتقمص شخصيات لا أجد نفسي بارعًا فيها، ولا أريد كذلك أن أكون مجرد أداة في يد أناس لا يكترثون لأمري.

وفي زمن الإبهار والتواصل الاجتماعي، نجد أن قلة قليلة من الناس لا ترغب أبدًا في البقاء وحيدة، لكن هناك في المقابل عددًا لا بأس به ممن يستمتعون بالوحدة في معظم الأوقات. فهم أحرار في إنجاز مهامهم، والاستمتاع بما يحبونه من موسيقى وترفيه، والتمتع بالهدوء والسكينة، والقدرة على التفكير والقراءة والكتابة دون انقطاع، وممارسة الرياضة بمفردهم، وغيرها من الأمور التي تمنحهم راحة داخلية كبيرة.

فعندما تمتلك قدرًا أكبر من السلام النفسي، ومشكلات أقل، وتشتتًا محدودًا، تصبح أكثر قدرة على التركيز وتحقيق أهدافك والاستمتاع بالحياة بصورة أفضل. لكن في المقابل، كلما اتسعت دائرة الأشخاص الذين تتعامل معهم، ازدادت المفاجآت والتنازلات وربما الخيبات أيضًا!.