بعد مائة عام لن يتذكرك أحد !
بعض المقولات المتداولة تحمل في مضمونها دلالات عميقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحتمية "الموت وشغف الحياة". والحقيقة أن ما نعيشه في هذه الدنيا ليس سوى رحلة مؤقتة سرعان ما تنتهي بالفناء، ثم تتعاقب الأيام، ويرحل جيل كامل بما له وما عليه، وبعد فترة يطويه النسيان إلا ما ندر من الشخصيات التي تركت أثرًا استثنائيًا. أما البشر العاديون، فإن النسيان يصبح أمرًا طبيعيًا لا يثير الدهشة، ولهذا لم نعد نتذكر أسماء جميع أجدادنا، ولا تفاصيل حياتهم، ولا حتى كيف رحلوا عن الدنيا.
أما العبارة المتداولة: "بعد مائة عام لن يتذكرك أحد"، والتي نسمعها كثيرًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، فليست دعوة إلى الخوف أو المبالغة في القلق من المستقبل، بقدر ما هي تذكير بحقيقة الوجود الإنساني على الأرض. وربما يراها البعض دعوة ضمنية للاهتمام بما سيبقى لنا بعد الموت من أعمال نافعة، كـ"علم يُنتفع به، أو صدقة جارية، أو ذرية صالحة"، وهو ما أشارت إليه السنة النبوية الشريفة.
وفي سياق الحديث عن الزمن وتعاقب الأجيال، ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صلى بنا النبي ﷺ العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" رواه صحيح البخاري.
وفي مدرسة الحياة الواسعة، يتردد بين العقلاء معنى عميق مفاده: "إن أقسى ما في الفقد ليس الرحيل عن الدنيا، بل أن يظل قلب صغير متمسكًا بيد بدأت تتلاشى نحو الغياب".
ومعنى ذلك أن حقيقة الموت واضحة لا جدال فيها، فسيأتي يوم يرحل فيه الجيل الذي نعيش معه اليوم، ونصبح جميعًا تحت التراب، ثم نتحول مع مرور السنوات إلى مجرد ذكرى عابرة في ذاكرة البعض، قبل أن يطوينا النسيان تدريجيًا، فلا تبقى أسماؤنا ولا ملامحنا حاضرة كما كانت.
وهذا المعنى يتقاطع بصورة كبيرة مع ما ذهب إليه الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي حين قال: "لن يذكرك الناس كثيرًا بعد الموت، فما هي إلا أيام قليلة ثم تصبح في عداد المنسيين، وكأنك لم تولد ولم توجد. قد يأتي ذكرك أحيانًا على سبيل المصادفة، لكنك ستتلاشى مع مجيء أجيال جديدة إلى الحياة. حينها لن يتذكر الناس من أنت، ولا المبادئ التي كنت تتمسك بها، ولن يعنيهم إن كنت نبيلًا أم سيئًا، ففي النهاية لن تستفيد شيئًا من أحكامهم".
ومن هنا تبدو النصيحة أكثر وضوحًا: عش حياتك بالطريقة التي تراها مناسبة لك، وبالأسلوب الذي يمنحك السلام والسعادة، فالعمر عمرك أنت، والأيام التي تمضي لن تعود مرة أخرى. عش حياتك بما ينسجم مع قناعاتك، لا بما يفرضه عليك الآخرون.
وفي الوقت الراهن، أصبحت فكرة النسيان بعد الموت تشغل أذهان بعض الناس، فهناك من يرفض فكرة سقوطه من الذاكرة، وآخر لا يستطيع تخيل أن ينساه القريب والبعيد، متسائلًا: كيف يُنسى وهو الذي منح الآخرين الكثير من وقته وطاقته ومشاعره؟.
لكن مثل هذا الشخص ربما لم يسأل نفسه يومًا: كم من الأشخاص الذين حضرنا جنازاتهم وشاركنا في وداعهم إلى مثواهم الأخير، أين أصبحوا اليوم في أحاديث الناس وذاكرة الأبناء والأحفاد؟.
إنّ الحياة لا تتوقف على أحدٍ مهما بلغت مكانته أو عظم ما قدمه للآخرين، فحتمية النسيان جزء من طبيعة الوجود الإنساني، وهي التي تُسقط مع الزمن كثيرًا من الأقوال والأفعال. لذلك لا تغضب إذا نسيك الناس أو تجاهلك التاريخ، فبالموت تُغلق صفحة إنسان كان حاضرًا يومًا ما، ثم مضى نحو الفناء، وانتهت حكايته بهدوء.
