No Image
بريد القراء

تسقط الأقنعة عندما تنتهي المصالح!

02 يناير 2026
02 يناير 2026

دائمًا كنا نقول بأن وجوه البشر تتغير كأحوال الطقس، فالوجه الذي نراه يأتي طارقًا أبوابنا وطالبًا للمساعدة، لا نصدق بأنه نفس الوجه الذي أصبح «شبحًا» ينفر منا عندما تنتهي مصلحته أو يأتي الدور عليه لتقديم العون لنا. فهناك حالة ضبابية تنقسم إلى جزء من حالة «النفور أو الهروب أو الاختفاء» تُمارَس ضدنا من بعض الناس، والمبرر أنه «لا مصلحة من وقوفه إلى جانبنا الآن»!

أتذكر بأن عبارة جميلة قالها جبران خليل جبران ذات يوم واصفًا حال البشر: «الصديق المزيف كالظل، ورائي عندما أكون في الشمس، ويختفي عندما أكون في الظلام».

كم فقدنا من الأصحاب والأصدقاء والزملاء، وربما سنفقد المزيد منهم بسبب «غياب المصالح ما بيننا وبينهم»، وبعضنا من هول الصدمة يدخل في حالة نفسية غير مستقرة، فهو حتى وقت قريب كان يعتقد بأن «الصديق وقت الضيق»، بينما الواقع بأن ملايين البشر ممن نعتقد بأنهم أصدقاؤنا واجهونا بخيبات الرجاء والخذلان، حتى وإن كانوا يومًا أقرب الناس إلينا!

الشيء الملفت للنظر، وربما نعتبره شيئًا من الغرابة، بأن «الجميل» الذي صُنع في الماضي انتهت صلاحيته و«تبخر في لحظة»، لم يعد حاضرًا أو قابلًا للوجود، وكأن الأرض انشقت وبلعته من الذاكرة في غمضة عين!

أصحاب المصالح ينتشرون في كل المجتمعات، لا تستطيع أن تفرقهم عن الآخرين طالما لم يكن هناك تعامل أو اختبار حقيقي، وربما البعض لديه من القدرة على إخفاء حقيقته عن الآخرين ما يُجنّب الغير اكتشاف أمره، ولذا فإن هناك حكمة عربية قديمة تقول: «تسقط الأقنعة عندما تنتهي المصالح، ولكن الدنيا تدور، والوجوه تتقابل من جديد في ظروف مختلفة، وعندها لن يكون هناك وقت لارتداء أقنعة جديدة».

من الحقائق المهمة في علاقات الناس ببعضهم البعض تقوم على الآتي: «لك عندي مصلحة فأنت صديقي المقرب، لك عندي حاجة فأنت أخي، لك عندي غرض فأنت المخلص الوفي، لكن عندما تنتهي المصلحة.. يظهر السؤال القاتل: من أنت؟ لا أعرف.. بل لا أتذكرك!».

أثبتت التجارب الحياتية بأن «صديق المصلحة هو الذي يعطيك ظهره وأنت في أمسّ الحاجة إلى قبضة يده»، وما أكثر الخيانات التي تأتي في هذا الزمن من أشخاص نعدّهم من الأصدقاء المقربين. قيل منذ زمن: «احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة»، هذا هو حرفيًا المشهد الذي نحاول أن نجمله بكلمات تخفف عنا وجع القلب والإحباط من الشعور بالخذلان وقلة الأصل.

أصحاب المصلحة أصبحوا من أشد الناس بغضًا للناس، خاصة عندما ينتهون من الحصول على مصالحهم. من التشبيهات التي أضحكتني وأنا أقرأها ذات مرة: «صاحب المصلحة كالمظلّة التي تنقلب عندما يكون الجو سيئًا»، رغم أنه تشبيه مجازي إلا أنه واقع حياة لسلوك بعض الناس الذين ينقلبون عليك عندما تتلبد السماء بالغيوم، أو تصبح مجرد ورقة تتطاير في فضاءات الحياة لا قوة لها أو ثقل يحميها من بقائها في المكان.

بعض الناس أصبح من البشاعة والخبث والدهاء إلى درجة لا يمكن تخيل أنها تصدر منهم، فهناك من يجازيك بالإحسان إساءة، وبالوصل هجرانًا وندامة، وهناك من يكيد لك المكائد ويقلب القلوب عليك.

يقول نجيب محفوظ ـ رحمه الله عليه ـ: «لا أخشى على ظهري من عدو شريف بقدر ما أخشى على صدري من صديق مخادع»، ويقول كاتب آخر: «لا يهمني أن أكون شخصًا كاملًا، يكفيني أن أكون شخصًا لا ينافق، ولا يخون، ولا يجامل، ولا يعرف الناس وقت الحاجة».