الذكاء الرقمي المصطنع وتطوراته المخيفة
عند النظر إلى طريقة وأسلوب ونمط حياتنا المعاصرة، التي تزامنت معها ظهور هذه الأدوات الرقمية بوتيرة متسارعة جدًا، آلت بنا هذه الطفرة نحو استخدامها والاستعانة بها لتحقيق بعض المنافع، وهذه حقيقة لا يمكننا نفيها وإنكارها، ولكن ما ينبغي علينا فعله تجاهها هو عدم ترقيتها لمرتبة الضروريات، وحصر استخداماتنا لهذه الأدوات في مجالات محددة مثل المطالعة والقراءة وكسب المعرفة والبحث عن المصادر والتراجم، وعن معاني المفردات والمصطلحات، وتوليد بعض الوسائط.
إلا أن هذه الإيجابيات لا تقارن بمخاطر هذه الأدوات الذكية، أهمها انتهاك الخصوصية، وإحالة عقولنا إلى التقاعد والاكتفاء بالاعتماد على هذه الأدوات الذكية واستخدامها بالنيابة عن ما نملكه من طاقاتنا الذهنية ومهاراتنا العقلية، والتي مهما وصل بها التطور إلى الآفاق، فلا يمكن مقارنتها بالعقل البشري الذي يتميز بقدراته الفائقة من حيث توليد الأفكار والابتكار والإبداع والذوق والحس الفني والتخطيط وتأثير الروح ولغة الخيال وحجم العواطف المتقلبة وآثارها، والتي تغذيه ويستمد منها قوته خلال الأحداث والتجارب التي صارعها والتي تصالح معها في مسار حياته.
ومن يظن بأن أدوات الذكاء الاصطناعي تراعي خصوصية المستخدمين فهو مخطئ تمامًا، بل العكس، فجميع البيانات والمعلومات المدخلة من قبل ملايين المستخدمين حول العالم، مهما بلغت درجة خصوصيتها، جميعها تنتقل عبر قواعد ومراكز البيانات الضخمة لتغذيتها بكل ما هو جديد من معلومات وأخبار وأفكار وأحداث وعمليات وعلوم، والتي تتم وفق منظومة مبرمجة مسبقًا تمكنها من استخدام برمجياتها والتي تمكنها من التعلم ذاتيًا بشكل تلقائي دون تدخل البشر، وتمكينها من تحليل جميع تلك البيانات.
لذلك، فالذكاء الاصطناعي لا يراعي الخصوصية على الإطلاق. فمن المرجح جدًا أن يكون المحتوى الذي قمت بنسخه من الذكاء الاصطناعي يعود لملكية وحقوق شخص آخر دون أن تعلم، وهذا يعتبر إما سرقة أدبية أو علمية أو مخالفة لقوانين وحقوق النشر.
من أكثر مخاطر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، هي الاستعانة بها واستخدامها لأداء مهام وبرامج البحث والدراسات والأنشطة الخاصة بنا بالنيابة عنا، سواء في المناهج التعليمية المختلفة، وفي الدراسات الأكاديمية، أو لأداء مهامنا واختصاصاتنا الوظيفية في العمل.
وأخطرها على الإطلاق هو الاستعانة بها من قبل الجيل الجديد من طلبة المدارس لحل أنشطتهم المدرسية، سواء من قبل الطلبة أنفسهم، أو بمساعدة أولياء أمورهم، فليست الغاية من وضع تلك الأنشطة والواجبات المدرسية حلها بشكل صحيح فقط، بل أن يقوم الطالب بالاستعانة بنفسه وتمرين عقله وتنشيط ذاكرته وتحسين أساليب وطرق التعلم، وتنمية مهاراته وقدراته العقلية. فليس هناك ما يدعو للقلق من عدم تمكن الطالب من حل الأنشطة والمسائل المدرسية المختلفة، والتي يمكن مراجعتها وإعادة تصحيحها وشرحها للطالب مرة أخرى من قبل المعلم أو أولياء أموره، ليتمكن من حل النشاط بالاعتماد على نفسه، حتى ولو تكرر الخطأ مرات عديدة، ففي كل محاولة يكتسب مهارات ومعلومات وطرق وأساليب مبتكرة يكتشفها عقل الطالب.
ولا يتوقف خطر هذه الأدوات الذكية عند هذا الحد، بل يتخطاه عدم ملاحظة المعلم لطريقة وآلية تعامل الطالب مع الأنشطة المدرسية أثناء مراجعتها، والاكتفاء فقط باعتماد الأجوبة الصحيحة دون التأكد من اكتشاف حقيقة حل الطالب للنشاط من تلقاء نفسه، وهو ما يؤدي إلى استمرار وتفاقم خطر انخفاض مستوى التعليم والمهارات لهذا الجيل الناشئ مستقبلًا.
ويجب كذلك على أولياء الأمور متابعة أنشطة أبنائهم المدرسية، ومعرفة مدى فهمهم وتلقيهم وتحصيلهم العلمي، والتنسيق مع المعلم، ومنعهم من استخدام الهواتف الذكية أو مراقبتهم عند استخدامها.
