الأنفاق المظلمة.. رحلة أخرى في طريق الضياع
ليس الموت هو فقط انفصال الروح عن الجسد، أو نهاية إنسان، فالموت قد يكون في صور أخرى غير النمطية التي نعرفها، أشخاص يعيشون بيننا لكننا لا نحسبهم من الأحياء؛ لأنهم لا يمارسون حياتهم العادية كما ينبغي، بل يدخلون أنفسهم في أنفاق مظلمة من الضياع وعدم الإحساس بالأشياء التي تحدث من حولهم، لا يشغلون أذهانهم بأشياء أخرى غير تأمين الأكل والشرب وهم لا يختلفون عن بعض المخلوقات الأخرى التي أذهب الله عقلها.
هم ليسوا مجانين أو ممن يمكن أن نعتبرهم غير آدميين في هيئتهم أو تصرفاتهم، لكنهم مادة أخرى تنفصل عن محتواهم الإنساني، والغريب في الأمر أن البعض منهم يعود إلى حالته الطبيعية عندما يجد من ينقذه من مخاضه العسير، ويفتح له أنوار الشوارع المظلمة التي كان يفترشها وحيدا.
مثل هؤلاء الناس هم من يصنعون حاضرهم المأسوي وينهون مستقبلهم، وينسون ماضيهم، بعضهم وصل إلى هذه المرحلة من انعدام الرغبة في الحياة بعد أن تعرض لحالات عصبية، وظروف معيشية صعبة، لم يستطيعوا مواجهة الواقع أو تحمل شدته، وكما نعلم أن بعض الصدمات يمكن أن تذهب العقل، وتفقد الإنسان شغف العيش والرغبة في تكملة مشوار الحياة، عندما يتملك الأسى القلوب ويذهب العقول، يصبح الإنسان مجرد جسد محطم ينتظر متى يرحل عن الدنيا، لذا كان اليأس من أشد الأمراض قوة ورهبة على الإنسان.
في شوارع المدن، هناك العشرات أو المئات من البشر هم ليسوا أحياء مثلنا، يتنفسون، يأكلون، يشربون، لكنهم ليسوا بشرا مثلنا، بل يقضون يومهم كما يأتي، لا طاقة لهم في البحث عن المستقبل أو الخروج من دائرة الاكتئاب النفسي، يخافون الظلمة رغم أنها ملاذهم القاتم الذي يغوصون فيه ساعات الليل الطويلة، حياة ليس بها بصيص أمل أو رغبة لتغير الواقع إلى ما هو أفضل منه.
بعض الأنفاق يقال إن في آخرها ضوء آخر يعلن عن الحياة، لكن ليست كل الأنفاق يمكن أن نخرج منها سالمين، فالطرقات فيها ضيقة والأفق ليس متسعا كما هي الحياة، بل محدود بمساحة معينة وأجواء مكتومة الأنفاس، لذا يمكن أن يكون هذا النفق هو الشيء الذي ينهي مسيرة إنسان كان يوما شيئا جميلا، لكنه تلاشى وسط تلاطم أمواج المشكلات واختناق الوجع وتوالي النكبات.
من المفارقات العجيبة أن الفقر والبؤس وجهان متلازمان أحيانا لنجاح بعض الناس خاصة الكتاب الكبار، فالإلهام يأتي من المعاناة، والنماذج الإنسانية المحطمة والمنكسرة والمتشردة يمكن أن تصنع نصا أو عملا كتابيا جميلا، رغم أن الكاتب لم يتذوق طعم الانكسار الذي ألم بالذين تحدث بلسانهم وعايش معاناتهم، فكما هو معروف ومتداول " أن الكاتب أو الأديب لا يمكنه أن ينتج عملا أدبيا ذو قيمة عالية المستوى دون أن يكون في عمله قدر من المعاناة الشخصية أو إحساس بمعاناة الآخرين في فقرهم وبؤسهم أو حتى في تحولاتهم الاجتماعية والنفسية ومراحل مرورهم التاريخية بها".
إذن الأنفاق التي نحاصر بها أجسادنا وأرواحنا قد لا نستطيع أن نخرج منها بسهولة، وكم من إشخاص تعرضوا للهزائم النفسية ودخلوا في دوامات الضياع ولم يخرجوا منها إلا إلى مقابرهم وبعضهم لم يجد من يواري سوأته بعد أن تحلل في مكان موته دون أن يعلم به أحد.
إنارة الطرقات والمنازل بالأمل هي السبيل نحو تجاوز كل عقبة يمكن أن تدمينا أو تجعلنا أشخاصا لا ينظرون إلى الحياة على حقيقتها، بل يرون بأن النفق المظلم هو من سيجعل أجسادهم تنبض بالحياة وسط فيضان من الجراح والمواجع التي جلبوها معهم في مستنقعه الضحل.. كن دائما قريبا من الله، واشغل نفسك في الحلول بدلا من جلد الذات أو تحميل الظروف الأسباب.. فالحياة جميلة مهما قست علينا، والإنسان مطالب دوما بالحفاظ على الأرواح من الهلاك.
