من الصورة إلى القصة.. صناعة المحتوى السياحي يعيد تعريف عُمان
03 مارس 2026
03 مارس 2026
حوار- عزماء الحضرمية -
أسهم صُناع المحتوى السياحي في نقل المشهد السياحي من مرحلة الترويج الأحادي إلى مرحلة التفاعل والمشاركة، حيث بات الجمهور يبحث عن التجربة الصادقة والتفاصيل العملية والبعد الأسري والاجتماعي الذي قد يمنح شعورا بالأمان والثقة.
ومن هنا أصبح صانع المحتوى شريكا غير مباشر في تشكيل القرار السياحي، وفي توجيه البوصلة نحو وجهات بعينها من خلال ما يقدمه من سرد واقعي يوازن بين الإيجابيات والتحديات، وبين الإلهام والمعلومة. لم يغيّر هذا التحول طريقة عرض المكان فحسب، بل أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والوجهة السياحية؛ فالمكان أصبح سياقا تُبنى داخله تجربة متكاملة، والجمهور اليوم لا يكتفي بمشهد بانورامي أو لقطة جوية؛ بل يريد أن يعرف كيف يصل ومتى يزور وما الذي ينتظره فعليا، وهل تناسب التجربة عائلته، وكم تحتاج من وقت وجهد وتخطيط. هذه الأسئلة اليومية البسيطة هي التي صنعت الفارق بين محتوى عابر ومحتوى مؤثر.
من هذا المنطلق، تأتي تجربة صانعة المحتوى السياحي مزون بنت سعيد الزدجالي، التي اختارت أن تصور عُمان كتجربة سياحية متكاملة؛ فهي تنظر إلى المكان من زاوية الأسرة، وتتعامل مع الرحلة باعتبارها مساحة لبناء الذكريات. في هذا الحوار نقترب من بداياتها، ومن فلسفتها في نقل التجربة، ومن رؤيتها لمسؤولية صانع المحتوى في بناء الثقة وتحفيز الجمهور على خوض التجربة بوعي، كما نتوقف عند التحديات التي تواجه هذا المجال وآفاقه في صياغة هوية سياحية سردية أكثر نضجا في سلطنة عُمان.
عن بداياتها في مجال صناعة المحتوى السياحي تقول مزون الزدجالي: «بدأت رحلة صناعة المحتوى بشكل عفوي، حيث كنت أشارك رحلاتي وتجاربي الشخصية في عمان بدافع اكتشاف الأماكن ونقل روحها الحقيقية، خصوصا في ظل التنوع الطبيعي الذي تتمتع به سلطنة عمان بين البحار والسواحل والصحاري والجبال».
وتضيف: «رغم هذا الغنى الطبيعي، وما تمتاز به عمان من مقومات سياحية، إلا أنني لاحظت وجود فجوة واضحة في المشهد السياحي تتمثل في غياب القصص الإنسانية المرتبطة بالمكان، إذ تفتقر الكثير من الوجهات السياحية إلى السرد الإنساني الذي يعكس تجربة العائلة العمانية في الواقع، بعيدا عن الصور المثالية والمناظر المجردة».
وحول تجربة المكان ونقل صورته للناس تقول مزون الزدجالي: «عندما أزور موقعا سياحيا فإني أبدأ أفكر بعين الزائرة أولا، فأمنح نفسي مساحة للاستمتاع وعيش التجربة والإحساس بالمكان، كما أحرص على أن يتفاعل طفلي مع طبيعته وتفاصيله، ثم أنتقل بعدها لمرحلة التفكير في المحتوى من القصة والشعور اللذين سأنقلهما وأشاركهما مع الناس».
وتشير إلى أن هذا التدرج يمنح المحتوى صدقه وعمقه الإنساني قبل صياغته بصريا وسرديا.
وتضيف أيضا: «أحاول أن أنقل تجربة المكان للناس من خلال ثلاثة عناصر أساسية هي: الشعور الذي يتركه الموقع في نفسي، والتفاصيل العملية المرتبطة بملاءمته للعوائل واحتياجاته من تجهيزات، ثم الصدق بعرض الإيجابيات والتحديات؛ لأن المسؤولية على صانع المحتوى كبيرة، حيث إننا لا نروج فقط، بل نؤثر على قرارات الناس ووقتهم وأموالهم، فهي ليست مسؤولية اختيارية، بل أمانة نؤديها».
مسؤولية صانع المحتوى السياحي
وعن دور صانع المحتوى في تحفيز الناس على خوض تجارب سياحية مشابهة وزيارة المواقع السياحية، تؤكد مزون الزدجالي أنها تسعى إلى بناء ثقة متبادلة مع جمهورها من خلال تقديم صورة واقعية للمكان دون مبالغة أو تضليل، بالإضافة إلى ذكر التفاصيل المهمة بوضوح وتجنب تضخيم التجربة بحثا عن «الترند»، إلى جانب مشاركة النصائح العملية التي تعين المتابع على اتخاذ قراره.
وفيما يتعلق بتأثير المحتوى في زيادة الإقبال على وجهات سياحية معينة، تشير إلى أن صانع المحتوى أصبح اليوم جزءا من المنظومة السياحية، وإن كانت بصورة غير رسمية؛ بحكم قدرته على توجيه الاهتمام وصناعة الانطباع الأول.
وتضيف: «لاحظت تفاعل الناس مع المحتوى الذي أقدمه، ولمست ردود فعل إيجابية وطلبات متواصلة من المتابعين لمعرفة تفاصيل أكثر حول وجهات معينة، وكذلك مشاركتهم لي بزيارة الأماكن التي قمت بتغطيتها»، معتبرة أن هذا التفاعل يعكس أثر المحتوى في تشكيل القرار السياحي لدى الجمهور.
قيمة الترابط الأسري
وترى مزون الزدجالي أن صورة الترابط الأسري لا بد أن تكون حاضرة في محتواها، حيث تقول: «أحرص من خلال المحتوى الذي أقدمه ضمن التجربة التي أعيشها على ترسيخ قيمة الترابط الأسري في وعي المشاهد، انطلاقا من قناعتي بأن السياحة تتجاوز كونها زيارة لمكان، لتغدو متسعا ومساحة لبناء الذكريات العائلية». وتضيف: «إن حضور الأسرة في المحتوى يحمل رسالة واضحة مفادها أن التجربة تزداد عمقا حين نعيشها مع من نحب، وأن قيمة القرب والمشاركة تمنح التجربة معناها الأوسع».
وتؤكد مزون الزدجالي أن هذه التجارب تعد وسيلة لتعزيز الترابط الأسري قبل أن تكون نشاطا ترفيهيا.
التحديات
وحول التحديات التي تواجه صانع المحتوى السياحي، تذكر مزون الزدجالي أن من أبرز التحديات التي تواجهها تتمثل في تحقيق التوازن بين الاستمتاع الحقيقي والعمل الاحترافي أثناء خوض هذه التجارب، إلى جانب حاجة صانع المحتوى المحلي إلى دعم وثقة وشراكات مبنية على رؤية طويلة المدى تسهم في تعزيز السياحة الداخلية ونقل صورة عمان للعالم.
التطلعات المستقبلية
وتختتم مزون الزدجالي حديثها عن مستقبل صناعة المحتوى السياحي في عمان خلال السنوات القادمة بالقول: «إن عمان لديها تنوع ثقافي وطبيعي واسع، ومع تطور الإعلام الرقمي فإن فرصة صناعة هوية سياحية سردية لسلطنة عمان تزداد مع مرور الوقت، لا سيما مع التوجه الحالي نحو ترسيخ هوية عمان البصرية وتكامل حضورها في مختلف المنصات الرقمية».
مزون الزدجالي:
كنت أشارك رحلاتي
وتجاربي الشخصية في عُمان بدافع اكتشاف الأماكن ونقل روحها الحقيقية
لاحظت وجود فجوة واضحة في المشهد السياحي تتمثل في غياب القصص الإنسانية المرتبطة بالمكان
أسعى إلى بناء ثقة متبادلة مع جمهوري من خلال تقديم صورة واقعية دون مبالغة
صانع المحتوى أصبح اليوم جزءا من المنظومة السياحية
السياحة تتجاوز كونها زيارة لمكان؛ لتغدو مساحة لبناء الذكريات العائلية
