المحافظات

ماذا كشفت لنا الحالة الجوية الأخيرة عن جاهزية المحافظات؟

05 مايو 2026
استطلاع - عزماء الحضرمية - تصوير-عبدالواحد الحمداني
05 مايو 2026

تكشف كل حالة جوية عن فجوة عميقة بين ما هو معروف علميًا وما هو مُطبق ميدانيًا، وبين جاهزية تُعلنها المؤشرات الرسمية واختلالات تكشفها تفاصيل الواقع، فالمياه التي تعود إلى مجاريها الطبيعية، تكشف في الوقت ذاته عن خلل في مسارات التخطيط العمراني وعن بنية تحتية لم تكتمل مرونتها بعد وعن تعامل لا يزال في بعض جوانبه أقرب إلى "رد الفعل" منه إلى "الفعل الاستباقي". وفي مقابل ذلك، يظهر مجتمع يمتلك رصيدًا متراكمًا من الوعي والتجربة، لكنه لا يزال بحاجة إلى تنظيم هذا الوعي ضمن أطر أكثر استدامة وفاعلية.

في هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية: هل تكمن المشكلة في طبيعة الحالات الجوية نفسها، أم في طريقة استعدادنا لها؟ وهل أصبحت البنية التحتية قادرة فعلًا على التكيف مع الحالات الجوية، أم أنها لا تزال تُبنى وفق منطق تقليدي لا يستوعب خصوصية البيئة العمانية؟ ولماذا تتكرر أخطاء مثل البناء في مجاري الأودية أو الاكتفاء بحلول مؤقتة عند إعادة الإعمار؟ وأين تقف حدود المسؤولية بين المؤسسة والمجتمع في إدارة الأزمات؟ ثم كيف يمكن الانتقال من إدارة الخسائر إلى صناعة الفرص، بحيث تتحول هذه الأنواء من تهديد موسمي إلى مدخل لإعادة التفكير في التخطيط والتنمية؟

Image

الحالات الجوية

يُفسّر زاهر بن سالم بن حمود الشقصي، مهتم ومتابع للطقس عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحالات الجوية الأخيرة وتأثيراتها في المنطقة من منظور علمي بقوله: "إن ما شهدناه يُصنَّف ضمن الحالات الجوية وليس المناخية، وهي في الأصل حالات معتادة خلال هذا الوقت من العام. تتمثل هذه الحالات في أخاديد ومنخفضات شتوية قادمة من جهة الغرب، وتحديدًا من البحر الأبيض المتوسط، تتحرك تدريجيًا نحو الشرق. وتختلف شدة وتأثير هذه الحالات تبعًا لنمطها؛ فبعضها يكون منخفضًا جويًا مباشرًا يؤثر على أجواء سلطنة عُمان، وفي أحيان أخرى يكون التأثير عبر أخدود، وهو امتداد من المنخفض الجوي الرئيسي نحو مناطق أخرى. وفي بعض الحالات، قد يكون تأثير الأخدود من حيث غزارة الأمطار أشد من تأثير المنخفض نفسه، وقد يحدث العكس، وذلك يعتمد على عناصر الطقس المصاحبة أثناء تأثر المنطقة بهذه الحالة. وتشير السجلات إلى أن سلطنة عمان تأثرت سابقًا بحالات مشابهة، منها أخدود أو منخفض المطير، وأخدود الهمايل، بالإضافة إلى منخفضات أعوام 2003 و1997 (الشهير)، وكذلك 1982 و1993، وهي جميعها حالات تحمل سمات قريبة مما شهدناه مؤخرًا، أما الاختلاف الأبرز فيكمن في أن هذا النمط من الحالات، رغم كونه معروفًا علميًا إلا أن تكرار تأثر سلطنة عمان به يظل محدودًا نسبيًا، ويعود ذلك إلى ندرة توافر العناصر الجوية المتكاملة التي تؤدي إلى تشكّل مثل هذه السحب الغزيرة والهطولات، وهو ما يُعد العامل الحاسم في شدة وتأثير هذه الحالات".

Image

البنية التحتية المرنة مناخيًا

وفيما يتعلق بمدى جاهزية البنية الحالية في المحافظات للتعامل مع الحالات الجوية، يرى الشقصي أنها مهيأة إلى حدٍّ ما، حيث شهدت بعض المدن مثل صلالة ومسقط وصور تنفيذ مشاريع مثل سدود الحماية، ما أسهم في تقليل حجم الخسائر نسبيًا. ومع ذلك، فإن وجود السدود لا يمنع حدوث الفيضانات بشكل كامل، خاصة في حالات هطول الأمطار الغزيرة، ما يستدعي تطوير البنية التحتية في محافظات مثل شمال الباطنة، الظاهرة، وجنوب الباطنة، وإعادة تقييمها بما يتناسب مع طبيعة التحديات المناخية".

وحول مفهوم البنية التحتية المرنة مناخيًا، يوضح الشقصي أنها البنية القادرة على الصمود أو التكيف مع مختلف التغيرات المناخية، مستشهدًا بتجارب دول تصمم بنيتها بما يتلاءم مع ظروفها البيئية، سواء في التعامل مع الثلوج أو الأمطار الغزيرة عبر أنظمة تصريف فعّالة، مؤكدًا أن تطبيق هذا المفهوم محليًا يتطلب دراسات متخصصة تراعي خصوصية البيئة العمانية.

وفي سياق الاستفادة من بيانات الحالات الجوية، يوضح الشقصي: "إن الاستفادة لا تقتصر على الحالة الأخيرة فقط، بل تشمل معظم الحالات السابقة، من خلال إجراء مقارنات دقيقة لكميات الأمطار ومسارات الأودية وحجم المياه المخزنة في السدود، بما يتيح إعداد دراسات تسهم في تطوير تخطيط بيئي أكثر كفاءة واستدامة، كما يحذر من الأخطاء الشائعة عند إعادة الإعمار، مثل ردم مجاري الأودية أو تغيير مساراتها، مؤكدًا أن هذه المعالجات مؤقتة وقد تؤدي إلى أضرار أكبر مستقبلًا".

وفيما يتعلق بالحلول المستدامة يلفت الشقصي الانتباه إلى أهمية إنشاء سدود حماية وقنوات تصريف رئيسية وفرعية، وربطها ببعضها لتعزيز كفاءة تصريف المياه وتقليل تجمعها، إلى جانب التطور الملحوظ في أنظمة الإنذار المبكر وإدارة الموارد، من خلال أدوار جهات مثل المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة والمركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة. ويؤكد أن تحقيق التوازن بين سرعة إعادة الخدمات بعد الأزمات والحفاظ على معايير الاستدامة يظل مسألة معقدة تتطلب دراسات أعمق.

Image

رصد التفاعل المجتمعي

ومن زاوية اجتماعية يوضح الدكتور رجب بن علي العويسي، خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية بمجلس الدولة، أن تفاعل المجتمع مع الحالة الجوية الأخيرة عكس تراكم خبرة وطنية ممتدة، حيث يقول: “يجب أن ندرك أن العمانيين على مدى الحالات الطارئة والأنواء المناخية المتعاقبة التي مرت على أرض سلطنة عمان بعد إعصار جونو عام 2007، اكتسبوا خبرة عملية في إدارة الحالات الطارئة سواء على مستوى البناء المؤسسي والتشريعي أو على مستوى بناء الفرد والوعي المجتمعي، الأمر الذي انعكس إيجابًا على آلية عمل الحكومة في التعامل مع البنية الأساسية حتى إنه يمكن القول إن تجربة سلطنة عمان في التعامل مع هذه الأزمات تحديدًا، تمثل نموذجًا إقليميًا بلا منازع وقد انعكس ذلك على قدرة المجتمع العماني على التكيف مع هذه الأنواء والتفاعل معها واستحضار البعد المؤسسي والإعلامي والتشريعي ورؤية القيادة في كل الخطوات ما قبل الحالة، وفي أثنائها، وما بعد الحالة".

ويضيف العويسي: "هذا الأمر لم يأتِ مصادفة، بل جاء تعبيرًا عن الأصالة العمانية وأخلاق الأمة العمانية، وأظهر المجتمع العُماني مستوى عاليًا من التعبئة للقيم الوطنية العمانية، والتي برزت في قيم التكاتف والتضامن والتعاون والتعاضد والعمل الجماعي خاصة في القرى والمناطق المتأثرة، حيث بادر الأهالي من مختلف الجنسين ومن الشباب والصغار والكبار إلى مساعدة المتضررين وإيوائهم، خاصة في المناطق التي قد لا يوجد بها أماكن إيواء، وانتفض المجتمع لتوفير الاحتياجات الأساسية من غذاء وطعام وماء وغيرها في احتواء جيرانهم وأهل بلدتهم وهو ما يعكس عمق الثقافة المجتمعية القائمة على الأخوة والانسجام ووحدة النسيج الاجتماعي والتعاون".

ويوضح دكتور رجب العويسي: "مع ذلك نعتقد بأن هذا التفاعل خاصة في المناطق الجبلية ومناطق الأودية، ظل في جانب منه عفويًا أكثر من كونه منظمًا ضمن أطر جاهزية مسبقة، من حيث مدى وجود مراكز إيواء معدة لهذا الغرض، نظرًا لكون الوصول إلى هذه الأماكن مثل المدارس وغيرها أمرًا صعبًا وغير متيسر نظرًا لغزارة الأودية التي تقطع البلدات في الوصول إلى هذه الأماكن، فإن الأمر يستدعي البحث عن مسارات أخرى في هذه المناطق بما يضمن مستوى عالٍ من الجاهزية، وهو ما يفتح المجال للانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي القائم على التخطيط الاستباقي القادر على إيجاد الفرص وصناعة البدائل لضمان المحافظة على الأرواح وعدم تعريض السكان لمخاطر هذه الأنواء".

التحديات

ويضيف العويسي حول التحديات التي يواجهها المجتمع خلال الحالات الجوية: "تحمل الحالات الجوية بلا شك الكثير من الفرص، لكنها أيضًا تحمل في ذاتها الكثير من التحديات، ولذلك نعتقد بأن هذه التحديات هي الطريق لصناعة التحول القادم وبناء هذه الروح الإيجابية النوعية التي عكستها الشخصية العمانية في التعامل مع هذه الأنواء والحالات الطارئة، بما أكسبته إياها من روح المسؤولية والوعي والحس الوطني والروح النضالية التي عززت في الإنسان العماني الهوية والسمت والفزعة والعمل من أجل هذا الوطن الغالي، ونظرًا لأن الكثير من الخدمات الأساسية تمر عبر هذه الأودية، فإن التوقعات بحدوث ضرر في البنية الأساسية أمر وارد، والتي تظهر في انقطاع بعض الخدمات الأساسية مثل الطرق والكهرباء والاتصالات، وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية والتعليمية، إضافة إلى تأثر سبل العيش لبعض الفئات مثل المزارع ودخول الأودية في البيوت والمحلات التجارية وأماكن الترفيه والاستجمام أو النزل الخضراء والتراثية، خاصة في المناطق القريبة من الأودية، إذ إن الأودية الأخيرة الناتجة عن منخفض المسرات، وبخاصة في ولايات إبراء وعبري والرستاق، أظهرت وجود الكثير من الأضرار في المناطق القريبة من الأودية أو المناطق المنخفضة، وهو ما يدعو اليوم إلى إعادة النظر في مسارات التخطيط العمراني ومسارب الأودية وغيرها للحد من هذه الأضرار أو التقليل منها بما لا يؤثر على حياة المواطن والمقيم".

ويشير العويسي إلى أن من بين الأمور التي يعتقد بأهمية استدراكها، وتعتبر أحد التحديات الماثلة في هذا الشأن، والتي أظهرتها إجراءات رصد الأضرار ولجان العمل في هذا الجانب التي تم تشكيلها، هو الحاجة إلى وجود قواعد بيانات ومعلومات واضحة ومتداولة يمكن من خلالها الاستئناس في تقدير حجم الأضرار الناتجة من هذه الأنواء، وبالتالي تبقى مسألة إدارة المعلومات بهدف الوصول إلى المعلومة الدقيقة المتاحة للجميع بالسرعة المطلوبة، أمرًا مهمًا في التعامل مع مثل هذه الحالات.

الوعي البيئي المجتمعي

وفي سياق الوعي البيئي، يوضح العويسي: "أن الحديث عن الوعي يعتبر ركيزة أساسية في التعامل مع الحالات الطارئة والأنواء المناخية، وهو القوة الناعمة التي تصنع الفارق وتعيد رسم ملامح التحول في السلوك المجتمعي، حيث يمثل وعي المواطن والمقيم أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الجهود الوطنية الساعية إلى تعزيز إدارة الحالات الطارئة، وترسيخ أصالة المنهجية العمانية المشهود لها في إدارة الحالات الطارئة، والتعامل مع ما مر على سلطنة عمان في فترات متعاقبة من أعاصير وأنواء مناخية ومنخفضات جوية مطيرة، انطلاقًا من أن الوعي هو طريق القوة في التعبئة للقيم الوطنية المعززة للتماسك الاجتماعي في التعامل مع الظروف المناخية الصعبة، وفي هذا الإطار تبرز الحالات الجوية والمناخية الممطرة، بما تحمله من أخطار محتملة، كواحدة من أبرز التحديات التي تتطلب حضورًا واعيًا، والتزامًا عميقًا، وفكرًا سديدًا، وسلوكًا قويمًا من المواطن والمقيم على حد سواء، قادرًا على التفاعل الإيجابي والمسؤول مع معطياتها، لذلك بادرت الحكومة وعبر اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، إلى تفعيل عمل المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة، والقطاعات واللجان الفرعية في المحافظات المتأثرة، بما يعكس جاهزية مؤسسية عالية للتعامل مع الحالة الجوية، وعليه يمكن القول إن الوعي البيئي المجتمعي، والفهم الحقيقي لمجريات هذه الأحداث المرتبطة بالحالة والظروف والمتغيرات التي ترتبط بها، والحصانة التي اكتسبها المواطن العماني في فترات سابقة نظرًا لتعاقب هذه الأنواء على أرض سلطنة عمان العصماء، وما أظهرته التجارب الواقعية والمؤشرات العملية لجهات الاختصاص، تؤكد أن هذا الوعي البيئي موجود، لكنه يفتقد للاستدامة والاستمرارية وما زالت بعض الممارسات غير المنضبطة حاضرة في سلوك البعض، إلا أن في الغالب الأعم هناك وعي بيئي وأمني واجتماعي، وفقه التعامل مع الحالات الطارئة، وانضباط مجتمعي في انتظار المعلومة الصحيحة من جهات الاختصاص، وهو ما يؤسس مع تعاظم دور المركز الوطني واللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، لمرحلة متقدمة من ترسيخ هذا الوعي الجمعي وإعادة إنتاجه في سلوك المواطن والمقيم على حد سواء، وتعظيم أثره في الممارسة القبلية والبعدية وفي أثناء الحالة الجوية، من خلال ما تقدمه من برامج توعوية وإرشادات مستمرة، إضافة إلى جهودها في الرصد والمتابعة والتدخل عند الحاجة، ليجسد هذا التكامل في طبيعة الدور ما سعت إليه سلطنة عُمان من إنشاء منظومة متكاملة لإدارة الحالات الطارئة، بما يضمن كفاءة الأداء وجاهزية الأدوات وسرعة الاستجابة لحماية الأرواح والممتلكات".

الخدمات البلدية

ومن جانب خدمي، يوضح المهندس فدا بن أحمد بن عبد العزيز البلوشي، عضو المجلس البلدي بمحافظة مسقط ممثل ولاية السيب، أن أداء الخدمات البلدية تأثر بشكل مباشر بالحالة الجوية، حيث يشير: "تأثرت العديد من البيوت السكنية والمباني التجارية بشدة نتيجة الحالة الجوية الأخيرة، حيث تسببت تجمعات المياه في عرقلة حركة بعض الناس في المناطق المتأثرة، واستجابت بلدية مسقط لذلك بفعالية حيث تم معالجة العديد من مشاكل تصريف المياه من خلال شفطها بواسطة الصهاريج التابعة لها، بالإضافة إلى استئجار صهاريج إضافية نظرًا لعدم كفاية الموارد. أما بالنسبة للطرق، فاستجابت البلدية لبعض البلاغات وأصلحت الأضرار في الشوارع الداخلية والأكثر أهمية. ومع ذلك، لا تزال هناك طرق لم تعالج بعد، ونأمل أن تسارع البلدية في معالجة هذه الطرق نظرًا لأهميتها في تخفيف الأضرار على المواطنين والمركبات. أما عن النظافة فقد تزايدت الشكاوى بشأن تكدس النفايات في الحاويات، ولكن التجاوب لم يكن بالمستوى المطلوب. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك تحسنًا طفيفًا في النظافة مع انتهاء تأثير المنخفض".

وفيما يتعلق بنقاط القصور يشير البلوشي إلى قلة المعدات والمركبات الخاصة بالبلدية، مما يستدعي العمل على رفع الموارد المالية، إضافة إلى مشاكل في تصريف المياه في الأحياء السكنية، ومشاكل في التخطيط العمراني مثل بناء مباني سكنية على الأودية والشعاب، كما يوضح أن هناك مساعي لإجراء دراسة شاملة لمعالجة مشاكل تصريف المياه وتطوير الشبكات، وأن الأولويات تُحدد بناءً على نوع وحجم الضرر بالإضافة إلى الكثافة السكانية، مع استمرار التنسيق بين المجلس البلدي والجهات التنفيذية، والتواصل مع المجتمع المحلي عبر قنوات متعددة.

ويختتم المهندس فدا البلوشي بالإشارة إلى إمكانية تنفيذ مشاريع لتقوية الطرق وبناء جسور في بعض المواقع، وتجنب إصدار تصاريح البناء في الأودية، إلى جانب أهمية زيادة ميزانية بلدية مسقط ومواردها من المعدات والكفاءات الفنية والإدارية.