No Image
المحافظات

معلم سياحي يستقطب 600 زائر أسبوعيا

03 مارس 2026
03 مارس 2026

حوار- فاطمة الحديدي 

في القرن التاسع عشر بولاية الرستاق، وبالتحديد في حارة قصرى، نشأ بيت علم ووقار، حيث استقبل هذا البيت علماء عصره حينها إلى ما قبل النهضة المباركة. ومع رحيل أهله، تم هجره وتهالك البيت العتيق، تاركًا خلفه ذكريات عظيمة وإرثًا خالداً تم نسيانه مع الزمن.

تروي لنا زكية اللمكي، مؤسسة متحف البيت الغربي، قصتها قائلة: «عندما قمت بزيارة البيت الغربي برفقة أسرتي، ورأيته متهالكًا ومع الوقت حتمًا سيندثر ويتساوى بالأرض، بقيت أتأمل وأخطط وأرسم في مخيلتي كيف سيكون شكل البيت إذا رممته وأصلحته؟ هل سيعود إلى عهده السابق؟»

وأكملت حديثها قائلة: «عندما عدت للمنزل، رأيت في منامي والدي رحمه الله يقف أمام بوابة قصرى، وحوله من رجال الحارة يسألونه: أيها الشيخ، كيف أتيت إلى هنا وأنت قد غبت عن البلد منذ مدة طويلة؟ فرد عليهم: جئت لأساعد ابنتي في البيت لأنها وحيدة، وعندما استيقظت من النوم، شعرت أن هذا الحلم فيه وصية من والدي لفتح البيت مرة أخرى».

وأضافت: «بعد اكتمال ترميم البيت وتنظيفه كان شعورًا لا يوصف، أحسست كأن من سكنوا فيه يرونني ولا زالوا موجودين؛ لأن رائحتهم تتعتق في أنفاسي في أركان البيت، وأحسست كأنها ولادة جديدة، ورجعت لي حياة الماضي، بعيدة عن التكنولوجيا، وبعيدة عن صوت المركبات وضوضاء المدينة، وأيضًا حارتي التي تحتوي كل الذكريات الجميلة».

يتكون متحف البيت الغربي من منزل تراثي مكون من دورين ونصف، ويحتوي على 14 غرفة تم ترميم 9 غرف منها، بالإضافة إلى مرافق عديدة كالصالات والدهاريز والعرشة والليوان.

وذكرت زكية اللمكي مدى تمسك أجدادها ووالدها رحمه الله بالعلم وتدريسه، وفتح البيت الغربي باعتباره منارة علم خلال ثلاثة عقود، وقد خصص الطابق العلوي من البيت مجلسا للعلم. ومن ضمن الأئمة الذين كانوا يترددون على هذا البيت الإمام نور الدين السالمي، وكان التدارس يتم بكتابة الدروس على الألواح الحجرية، حيث كان يتم تدارس علوم القرآن الكريم فيها.

وتتوزع الغرف بحسب استخداماتها التاريخية كما ذكرتها صاحبة المتحف؛ فمنها غرفة الصباح عند المدخل الرئيسي، وغرفة إعداد واستخراج التمر، وغرفة النفاس، وغرفة الجدة التي كانت مجلسًا للنساء سابقًا، وغرفة مبيت طلبة العلم، وغرف مخصصة لأفراد الأسرة، إلى جانب غرفة الكتب، ومجلس العلم، والصرح العلمي، ومجلس القضاء مع غرفة للقضايا السرية، وغرفة الحمراء المعروفة بأسرار العلم.

كما يضم المتحف مرافق خدمية متعددة، منها مطبخ داخلي للأسرة وآخر للضيوف كان يقع في الفناء وقد اندثر حاليًا، ودورات مياه منفصلة للرجال والنساء، ومسبح قديم، وبئر عذبة يعود عمرها إلى مئات السنين ولم تجف مياهها، إضافة إلى غرفة مخصصة للمعونة للفقراء والمساكين، ومخازن سرية تعود لاستخدامات مختلفة عبر الحقب التاريخية.

وخارج المبنى توجد قبة يمر من أسفلها الفلج، كانت تُستخدم للاستحمام وغسل الملابس والأواني لأهل البيت والجيران.

التحديات والعقبات

واجهت زكية عند ترميمها وتأسيسها لمتحف البيت الغربي تحديات كبيرة، لكنها استطاعت بصبرها وإصرارها وعزيمتها التغلب عليها. كان من أبرز هذه التحديات تلقيها الرسائل السلبية من بعض الناس، كونها امرأة، والتقليل من قدراتها وعزيمتها، معتبرين أن مجال ترميم البيوت التراثية مغامرة صعبة لا تناسبها. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شمل مغامراتها الميدانية في دخول البيوت المهجورة بحثًا عن المقتنيات التراثية والأثرية القديمة، والاستئذان من أصحاب البيوت الطينية قبل كل رحلة بحث، إضافة إلى وعورة بعض الأماكن وصعوبة الوصول إليها، ومواجهة الحشرات والزواحف كالعقارب والسحالي والأفاعي أثناء العمل في البيوت المهجورة.

وأضافت زكية أن العقبات لم تقتصر على الجانب الميداني فقط، بل شملت أيضًا صعوبات التمويل، حيث كان عدم توفر المال الكافي للترميم أحد أبرز التحديات، إلى جانب صعوبة إيجاد مواد الترميم المطابقة لنمط البيت القديم، وغياب الأيدي العاملة المتخصصة في مجال ترميم البيوت الأثرية، ما اضطرها إلى البحث المطول عن خبرات مهنية تساعدها في إعادة إحياء هذا الصرح التاريخي.

انطباع الزوار

أكدت زكية اللمكية أن متحف البيت الغربي لا يقدم مجرد معروضات تراثية، بل تجربة شعورية متكاملة يعيشها الزائر منذ لحظة دخوله، حيث ترتسم الفرحة على الوجوه ويعبر الكثيرون عن امتنانهم بالدعاء المتواصل. وأشارت إلى أن كبار السن يستحضرون ذكرياتهم في كل زاوية من زوايا المتحف، بينما يلمس الزائر عمومًا حالة من الطمأنينة والسكينة تنعكس بوضوح في أعينهم.

وأضافت أن كلمات الإشادة بجهودها في إحياء الماضي لا تتوقف، خصوصًا مع إتاحة هذه التجربة للزوار دون مقابل، وهو ما يمثل الهدف الأسمى من إنشاء المتحف. كما لاحظت أن بعض الزوار يكررون زيارتهم مرات عديدة، وكأن المكان يمتلك جاذبية خاصة تدفعهم للعودة إليه باستمرار.

وبيّنت أن عددًا من الزوار الأجانب أطلقوا على المتحف وصف «المتحف المغناطيسي»، لما يتميز به من جاذبية فريدة وهندسة معمارية أصيلة، إضافة إلى الإحساس العميق الذي يعيشه الزائر داخل أروقته، في تجربة تستحضر الماضي بروح نابضة بالحياة.

ويعد متحف البيت الغربي أحد المعالم الثقافية البارزة بولاية الرستاق في محافظة جنوب الباطنة، وقد فاز بجائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي في دورتها السادسة عن فئة مشاريع الأفراد، إلى جانب حصوله على المركز الثاني ضمن جائزة «المبادرون» على مستوى سلطنة عُمان، فضلًا عن رصيده الحافل بالعديد من الشهادات ومجموعة من الجوائز الدولية.

ويعود هذا الإنجاز إلى كفاح زكية بنت ناصر اللمكي، التي كرّست جهودها المخلصة للنهوض بهذا المتحف الغالي والنفيس، ليصبح اليوم محطة ثقافية رائدة في جنوب الباطنة، تستقبل أفواجًا كبيرة من الطلبة، حيث يتراوح عدد الزائرين في أيام المدارس بين 500 و600 طالب وطالبة، إلى جانب الإقبال الواسع من عامة الناس، واستقطابه لشخصيات دبلوماسية من داخل سلطنة عُمان وخارجها، ما جعله مركزًا نابضًا بالحياة يجمع بين التراث والتعليم والتواصل الثقافي.