تُعد محافظة الداخلية واحدة من أبرز المحافظات العُمانية التي تمتلك مقومات اقتصادية وسياحية متكاملة، تجعلها في صدارة الوجهات الواعدة للاستثمار السياحي. فبفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتنوعها الطبيعي والثقافي، والبنية الأساسية المتطورة التي تحظى بها، أصبحت محافظة الداخلية نقطة جذب مهمة للسياح والمستثمرين على حد سواء، في ظل توجهات سلطنة عُمان لتعزيز القطاع السياحي كأحد ركائز التنويع الاقتصادي في الخطة الخمسية الحادية عشرة وضمن «رؤية عُمان 2040». تكتسب محافظة الداخلية أهمية خاصة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدد من محافظات سلطنة عمان، كما تمثل مساراً رئيسياً لحركة العبور إلى محافظتي الوسطى وظفار من العاصمة مسقط. ويُعزز هذا الموقع قربها من مطار مسقط الدولي، وهو ما يسهل حركة السياح ويجعل الوصول إليها أكثر سهولة، الأمر الذي يرفع من تنافسيتها كوجهة سياحية واستثمارية. ولا يقتصر تميز المحافظة على موقعها فحسب، بل يمتد إلى كونها مركزاً اقتصادياً وتجارياً وصناعياً مهماً، ما يخلق بيئة متكاملة تدعم نمو مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاع السياحة.
تزخر محافظة الداخلية بتنوع جغرافي لافت يشمل الجبال والسهول والصحاري، إلى جانب إرث تاريخي وثقافي عريق يعكس عمق الحضارة العُمانية. وتُعد ولايات نزوى والحمراء وبهلا والجبل الأخضر من أبرز الوجهات التي تجمع بين الأصالة والتجربة السياحية المتكاملة. ويمثل الجبل الأخضر نموذجا مميزا للمناطق السياحية متكاملة الخدمات؛ حيث يتمتع بمناخ معتدل خلال فصل الصيف، ما يجعله ملاذا مثاليا للسياح الباحثين عن الأجواء اللطيفة. كما يوفر مجموعة متنوعة من الأنشطة السياحية، التي تتراوح بين المغامرات الجبلية والتجارب الزراعية والتراثية.
ووفقا لبيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، تجاوز عدد زوار الجبل الأخضر في عام 2025 أكثر من 222 ألف زائر، مسجلا نموا بنسبة 9.1% مقارنة بعام 2024، وهو مؤشر واضح على تزايد الإقبال السياحي على المحافظة؛ حيث برزت محافظة الداخلية أيضا بوصفها نموذجا رائدا في السياحة المجتمعية؛ حيث يشارك أبناء المجتمع المحلي في تقديم تجارب سياحية ذات طابع أصيل تعكس نمط الحياة العُمانية التقليدية. وقد أسهم هذا التوجه في تعزيز ما يُعرف بسياحة القرى والسياحة البيئية الريفية، خاصة في ولايات نزوى والحمراء وبهلا. ولا تقتصر هذه التجارب على الإقامة فقط، بل تشمل أنشطة متنوعة مثل الحرف التقليدية، والمنتجات المحلية، والجولات الثقافية، مما يمنح الزائر تجربة متكاملة ويعزز في الوقت ذاته دخل المجتمع المحلي.
تمتلك محافظة الداخلية مقومات قوية تجعلها بيئة مثالية للاستثمار السياحي، سواء من قبل المستثمرين المحليين أو الأجانب؛ فالبنية الأساسية المتطورة، بما في ذلك شبكة الطرق الحديثة والخدمات المتكاملة، توفر قاعدة صلبة لإقامة مشاريع سياحية متنوعة، مثل المنتجعات البيئية، والنزل التراثية، والمشاريع الترفيهية. والأهم من ذلك إقبال الشباب في المحافظة على إقامة المشاريع السياحية وتقديم المبادرات ذات الصلة بالسياحة. كما أن كون المحافظة ممرا سياحيا رئيسيا خلال موسم الخريف في محافظة ظفار، يمنحها ميزة إضافية في جذب السياح العابرين، ما يفتح المجال أمام تطوير مشاريع تستهدف هذه الشريحة من الزوار.
ورغم هذه الفرص الواعدة، يبقى التحدي الأهم هو تحقيق الاستدامة في المشاريع السياحية. ويتطلب ذلك التركيز على تحسين جودة الخدمات المقدمة، من خلال تأهيل الكوادر العاملة في القطاع السياحي عبر برامج تدريبية مستمرة، والاطلاع على أفضل الممارسات العالمية. فضلا عن أهمية وجود تنسيق فعال بين الجهات الحكومية ذات العلاقة في تطوير القطاع السياحي بالمحافظة، خصوصا مكتب المحافظ بالتعاون مع مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المحلي، لوضع استراتيجية متكاملة لتطوير القطاع السياحي، تأخذ في الاعتبار احتياجات المستثمرين سواء كان في نواقص البنية التحتية لجذب المشاريع وتوفر البيئة التشريعية والمالية المناسبة.
كما يُعد التسويق السياحي أحد أبرز الأدوات لتعزيز جاذبية المحافظة، خاصة مع التطور الكبير في التطبيقات الرقمية والمنصات الحديثة. ويمكن أن يسهم تنظيم منتديات استثمارية سياحية، تستقطب مستثمرين من داخل وخارج سلطنة عمان، في تسليط الضوء على الفرص المتاحة ودفع عجلة الاستثمار، والتي يمكن أن تستضيف فيه المحافظة عددا من المؤتمرات والمعارض الدولية المتخصصة من خلال الاستفادة من قربها من العاصمة مسقط. بالإضافة إلى إبراز المحافظة في المحافل الدولية خاصة الملتقيات ذات الصلة بالقطاع السياحي كسوق السفر العالمي في لندن و ITB برلين و سوق السفر العربي بإمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة بالتعاون والتنسيق مع وزارة التراث والسياحة، إضافة إلى دعوة كبرى الشركات السياحية العالمية ومشغلي السفر واطلاعهم على الفرص والحوافز المقدمة والمميزات النسبية التي تتمتع بها وربطهم مع نظرائهم بالمحافظة.
كما أن تنويع الفعاليات والأنشطة السياحية على مدار العام من شأنه أن يضمن استمرارية التدفق السياحي، ويعزز من تنافسية كل موقع داخل المحافظة، بما يتناسب مع طبيعته وميزاته الخاصة الجبلية والحضرية والصحراوية.
في ظل هذه المعطيات، تبرز محافظة الداخلية باعتبارها محورا رئيسيا في استراتيجية السياحة العُمانية، ورافدا مهما للاقتصاد الوطني. وإذا ما تم استثمار هذه المقومات بشكل فعّال، فإن المحافظة مرشحة لتكون واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة. كما أن تطوير القطاع السياحي فيها لن يسهم في جذب المزيد من السياح والاستثمارات وحسب، بل سيعود بالنفع المباشر على المجتمع المحلي، من خلال توفير فرص عمل وتعزيز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما يحقق تنمية مستدامة وشاملة.
بدر بن سعيد الذهلي أكاديمي بجامعة السلطان قابوس