المحافظات

كيف تؤثر مركزية التسويق في الصناعات الحرفية؟

31 مارس 2026
31 مارس 2026

كتب - عزماء الحضرمية

في الوقت الذي تُشكّل فيه الصناعات الحرفية أحد أبرز ملامح الهوية الثقافية العُمانية ورافدًا اقتصاديًا واعدًا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، يبرز تساؤل ملحّ حول عدالة الوصول إلى السوق بين الحرفيين في مسقط وبقية المحافظات. فبينما تتكدّس الفعاليات الكبرى والمبادرات التسويقية في مسقط، يجد كثير من الحرفيين في الولايات الأخرى أنفسهم أمام تحديات تتعلق بضعف المنافذ الدائمة وارتفاع تكاليف النقل ومحدودية فرص الاحتكاك المباشر بالمستثمرين والجهات الداعمة. هذا الاستطلاع يرصد ملامح ما يصفه الحرفيون بـ«المركزية» في تسويق المنتجات الحرفية، ويستعرض الفروقات بين واقع الحرفي في العاصمة ونظيره في المحافظات، كما يناقش تأثير تكاليف الشحن والمشاركة في المعارض على استدامة المشاريع، ويطرح مقترحات لتعزيز الوصول العادل للسوق وبناء نموذج تسويقي أكثر توازنًا واستدامة في مختلف محافظات سلطنة عُمان.مظاهر «المركزية»في تسويق الصناعات الحرفيةوحول مظاهر المركزية في تسويق الصناعات الحرفية، تقول فاطمة بنت سعيد الفارسية، صاحبة مرسم جمان للخزفيات: «تظهر المركزية في تركز الفعاليات الكبرى في مسقط حيث أن غالبية المبادرات التسويقية تنظم في العاصمة ونحن أبناء المحافظات الأخرى لكي نستطيع التسويق لمشاريعنا نقوم بالتسجيل في مثل هذه المعارض والفعاليات والمبادرات بصفة فردية وليس عن طريق الجهات المعنية في المحافظة».وتؤكد: «إن الفعاليات المحلية موسمية ومحدودة وتعتمد على جهود محلية وغالبا ما تكون محدودة النطاق، كما أن هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تقدم الدعم اللوجستي والتدريب لأصحاب الحرف، لكن لم تعقد حتى اليوم دورات مكثفة في صناعة الخزف والرسم عليه في المحافظات، فسلطنة عمان متميزة منذ القدم بهذه الصناعة وما أراه أن الدول الأخرى تتقدم في المجال بتقديم منتجات ذات جودة عاليةوتضيف فاطمة الفارسية» إن من مظاهر المركزية أيضا غياب منصات تسويقية دائمة في المحافظات، فالحرفي في مسقط أو من يشارك في معارضها يلتقي مباشرة بالمستثمرين والجهات الداعمة والشركات الناشئة، بينما الحرفي في ولاية أخرى بإحدى المحافظات يعتمد على منافذ بيع تقليدية أو معارض محلية مؤقتة دون وجود منصة تسويقية دائمة تخدمه على مدار العام».وتقول شيخة بنت أحمد المفرجية، صاحبة مشروع السمط للفضيات: « هناك اهتمام كبير ومتابعة مستمرة من هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) لتشجيع الحرفيين، حيث أنشأت الهيئة منافذ بيع باسم البيت الحرفي العماني لجميع الحرفيين العمانيين دون استثناء لتسويق منتجاتهم.الحرفي في العاصمةوالحرفي في ولاية أخرىوتشير الفارسية إلى وجود فرق بين واقع الحرفي في العاصمة والحرفي في ولاية أخرى بإحدى المحافظات حيث تقول: «إن الفرق جوهري ويلمسه الحرفي نفسه من حيث فرص البيع ففي العاصمة فرص البيع أكبر بكثير وهو ما يخلق فرصا لاقتناء المنتجات الحرفية أو التعاقد مع الحرفيين، بينما في الولاية فرص البيع محدودة وتعتمد على الموسم السياحي أو المبادرات الفردية». وتضيف: «في زيارتي لأندونيسيا انبهرت بوجود مجمع خاص للحرفيين يتم بيع منتجاتهم فيه كمنفذ بيع دائم وهو ما يسهل الوصول وعملية الشراء، نأمل الاستفادة من تجارب الدول الأخرى وتخصيص منافذ بيع للحرفيين عوضا عن المعارض المؤقتة».وتوضح الفارسية: «إن حجم الطلب على المنتجات في العاصمة متنوع وأكبر حيث يشمل السياح والوافدين والمؤسسات، وأن المستهلك في مسقط أكثر انفتاحا على المنتجات المطورة والتصاميم العصرية الممزوجة بالتراث، في المقابل إن الطلب في الولاية محدود ويعتمد على المجتمع المحلي أو الزوار الموسميين، كما أن الوصول إلى الزبائن في العاصمة يسهل من خلال قنوات متعددة كالمعارض ومنافذ البيع في المراكز التجارية والتسويق الإلكتروني مع سهولة الشحن والتواصل المباشر مع الجهات، بينما يجد الحرفيون في الولايات الأخرى صعوبة في الوصول للزبائن فالحرفي يعتمد على التسويق الإلكتروني لكنه يواجه تحديات في الشحن والتوصيل، بالإضافة للمعارض التي تتيح فرص بيع مباشرة للحرفيين في مناطقهم والاعتماد على الذات في ترويج المنتج عبر وسائل محدودة».وتؤكد المفرجية أن «ريادة» حريصة على تقديم الاستشارات والبرامج التدريبية المجانية لجميع الحرفيين في مختلف المحافظات لضمان فرص متساوية لهم وتأهيلهم، وفي المقابل فإن الحرفي مطالب بالاستمرار على العمل والتواصل مع الهيئة وعرض التحديات التي يواجهها».تأثير تكلفة النقل والشحنوعن تأثير تكلفة النقل والشحن على المنافسة في الأسواق، تقول الفارسية: «التأثير كبير جدا وقد يكون مُعيقا ويتجلى في تآكل هامش الربح فتكلفة شحن قطعة فخار أو خنجر أو سعفيات من محافظة ظفار أو مسندم إلى مسقط قد تصل أحيانا لقيمة القطعة نفسها أو تزيد، مما يضطر الحرفي لرفع السعر فيخسر المنافسة أو تحمل الخسارة فيخسر استدامته، كما أن شحن المنتجات التقليدية كالفخار وغيرها يتطلب تغليفا دقيقا ومكلفا، وأي خطأ قد يؤدي لكسر القطعة وخسارتها كليا، ناهيك عن تأخير الشحن فالحرفي الذي يتعامل مع زبائن في مسقط قد يحتاج لتوصيل الطلب بسرعة، لكن تكاليف الشحن السريع مرتفعة جدا، مما يفقده فرص بيع قد تذهب لمنافس موجود في العاصمة».كما توضح شيخة المفرجية على الرغم من تأثير تكاليف النقل والشحن على قدرة الحرفيين في المحافظات على المنافسة في الأسواق إلا أن «ريادة» تسعى لتقديم التسهيلات التي يحتاجها الحرفي في موضوع النقل والشحن سواء في مسقط أو الأسواق الأخرى مثال على ذلك الملتقى الدولي الأول للصناعات الحرفية الإبداعية.المشاركة في المعارضوتشير فاطمة الفارسية إلى التحديات التي يواجهها الحرفيين للمشاركة في المعارض والمهرجانات التي تعود لثلاثة أسباب متشابكة هي التحديات المالية والتي تعد العائق الأكبر وتشمل تكاليف سفر الحرفي والإقامة لأسبوع أو أكر في العاصمة والتي غالبا لا تغطيها مبيعات المعرض خاصة إذا لم تكن هناك جهة داعمة، والتحديات اللوجستية المتمثلة في نقل المنتجات لمسافات طويلة مع الحاجة لتغليف آمن، والتحديات التنظيمية حيث يقتصر الإعلان عن المعارض على وسائل تصل لجمهور العاصمة فقط أو يكون التقديم إلكترونيا ولا تصل المعلومة للحرفي في قريته». وتضيف أيضا: «أ ستخدم الطين العماني والطين المستورد وأضطر للذهاب إلى مصنع في ولاية بهلاء أو مسقط لحرق الخزف وهذه مشقة لي في الطريق».وتضيف شيخة بنت أحمد المفرجية: «إن الوصول لمثل هذه المعارض والمهرجانات والأسواق الموسمية يتم من خلال الإعلان عنها والتسجيل فيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا يأتي دور الحرفي في المتابعة عبر هذه الوسائل».تعزيز الوصول العادل للسوقوفيما يتعلق بالحلول الممكنة لتقليل المركزية وتعزيز الوصول العادل للسوق، توضح فاطمة الفارسية: «لتحقيق عدالة الفرص والاستدامة لابد من إنشاء منصات تسويق لامركزية والعمل على منافذ بيع دائمة للحرفيين فقط، والعمل على معارض متجولة وإقامة معارض رئيسية في كل محافظة بالتناوب، بالإضافة إلى إنشاء «أسواق حرفية دائمة» في المراكز السياحية بكل محافظة مثل حارة العقر في نزوى تكون تحت إدارة مركزية موحدة لكنها تعرض منتجات جميع الحرفيين». وتضيف إلى ذلك: «تقديم الدعم اللوجستي عبر تحمل تكاليف الشحن وتوفير شراكات مع شركات الشحن وإنشاء مخازن أو مستودعات في المحافظات، بالإضافة إلى الحاجة إلى تفعيل التجارة الإلكترونية وإنشاء منصة وطنية موحدة لعرض منتجات الحرفيين في المحافظات والتي ستسهم بدورها في سد الفجوة بين الحرفي في العاصمة والحرفي في ولاية أخرى».وتضيف شيخة المفرجية: « إن وجود منافذ البيع التابعة لريادة تساهم في تسويق وتعزيز وصول جميع منتجات الحرفيين في المحافظات إلي السوق المحلي من خلال منفذ البيت الحرفي العماني ومنصة كشك التابعة للبيت الحرفي العماني».تسويق الحرفيرى محمد بن خميس الدروشي، أخصائي تسويق ومبيعات، أن الحرفيين يواجهون تحديا تسويقيا يتمثل في تمركز معظم المبادرات والفعاليات في محافظة مسقط، ما يجعلها مركزاً رئيسياً لترويج وبيع المنتجات الحرفية مقارنة ببقية المحافظات. ويشير إلى أن مبادرات مثل المشروع الوطني «حرف عُمان» والبيت الحرفي العُماني، التابعة لهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أسهمت في توفير منافذ بيع فعلية ورقمية غير أن الاعتماد الكبير على المعارض الموسمية يضعف استدامة المبيعات، خصوصا في ظل محدودية التسويق المسبق لبعض الفعاليات وتزامن أكثر من حدث في الفترة نفسها، ما يؤدي إلى تشتيت الجمهور وانخفاض العائدات. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن لا سيما للمنتجات الكبيرة أو الحساسة، يدفع الحرفيين للتركيز على سلع صغيرة ذات هامش ربح أقل، الأمر الذي يحد من قدرتهم على التوسع وبناء علامة تجارية تنافسية.ويؤكد الدروشي أن معالجة هذا الخلل يتطلب التحول من نموذج البيع الموسمي المرتبط بالمعارض إلى نموذج بيع مستدام قائم على تنويع القنوات، ويقترح الاستثمار في المنصات الرقمية وتدريب الحرفيين على مهارات التسويق الإلكتروني وإدارة المبيعات، بما يعزز قدرتهم على الوصول المباشر إلى العملاء داخل السلطنة وخارجها دون الاعتماد الكلي على الفعاليات الحضورية. كما يضيف: «من المهم جدا توفير الدعم اللوجستي لتقليل تكاليف النقل والشحن أو إنشاء مخازن في كل محافظة لتخزين المنتجات وتوزيعها محليا إلى جانب التخطيط المبكر والترويج المنظم للفعاليات لضمان جاهزية الحرفيين وزيادة فرص البيع وتحقيق عوائد مستقرة تسهم في نمو مشاريعهم على المدى الطويل».