ما الأسرار التي يخفيها وادي غيض عن زائريه؟!
06 يناير 2026
06 يناير 2026
صلالة - أحمد بن عامر المعشني -
عند الساعة الثالثة عصرًا توقفت رحلتنا الميدانية عند أسفل وادي «غيض» الواقع شمال منطقة عدونب بولاية صلالة؛ حيث انطلقت مسيرتنا على الأقدام متوجهين نحو عين انساريتا، واحدة من أبرز العيون المائية في قلب هذا الوادي الساحر، التي ترتفع نحو 285 مترًا عن سطح البحر. أحاط بنا جمال الطبيعة، إذ تزيّن الوادي بجبال شاهقة ذات صخور رسوبية تمتد على جانبيه، مجسدة تنوع التضاريس الجبلية التي تشتهر بها محافظة ظفار، لم تكن الرحلة مجرد تسلق، بل كانت دعوة لاكتشاف مشاعر وإلهامات عميقة.
يمتد مسار المشي الذي يعد مثاليًا لرياضة «الهايكنج» لمسافة تقارب أربعة كيلومترات ذهابًا وإيابًا، وبينما كنا نقطع المسافة كان يلفنا جو من السكينة يرافقه خرير المياه المتدفقة؛ حيث أصبحت عين انساريتا مقصدًا يوميًا للسياح من داخل سلطنة عُمان وخارجها، بفضل جمالها الطبيعي الأخاذ ووفرة مياهها، ويتدفق الشلال من أعالي الجبال ليصب في بركة صافية ذات لون أزرق يتلألأ تحت أشعة الشمس؛ حيث يتراوح عمقها بين سبعة وثمانية أمتار، ولا عجب أن يفضل بعض الزوار السباحة في هذه البركة، بالإضافة إلى ممارسة المشي الجبلي.
تعد عين غيض من العيون المائية المعتمدة ضمن المسارات الجبلية الرئيسية في محافظة ظفار، وقد حققت إقبالًا واسعًا خاصة من السياح الأجانب ومحبي المغامرة، غير أن المكان يحمل بُعدًا آخر، إذ تتناقله الأوساط الشعبية روايات قديمة عن وجود معادن ثمينة استُخرجت من الوادي في فترات سابقة بما في ذلك الذهب، إضافة إلى أحجار تُستخرج منها الكحل، مما يعكس البُعد التراثي والتاريخي للمكان.
رافقنا المصور محمود نشيط الكثيري في رحلة استكشاف من قلب وادي غيض، استخدم الكثيري تقنيات التصوير الجوي عبر الطائرات المسيّرة (الدرون) لتوثيق تفاصيل المشهد المذهل لعين انساريتا، مسلطًا الضوء على الجوانب السياحية والبيئية في المنطقة، وتوجّهنا إلى عين انساريتا ومع وصولنا لاحظنا الانتشار اللافت للطيور والحمام في محيط الوادي، مما يعكس وعي سكان المنطقة بأهمية الحفاظ على الحياة الفطرية، يُظهر هذا الوعي التزامهم بالقوانين واللوائح التي تحظر الصيد وتجرّم الاعتداء على الكائنات البرية.
ورأينا الوعل الجبلي يتنقل بحرية بين الصخور؛ حيث تؤكد بعض الروايات أن المنطقة تعد موطنًا للنمر العربي، أحد أندر الكائنات المهددة بالانقراض، وتعكس هذه الحياة البرية الغنية تنوع البيئة الطبيعية التي تؤويها سلطنة عُمان.
تقع عين غيض على بُعد 45 كيلومترًا عن مركز ولاية صلالة، وتعد من أفضل العيون المائية البكر في منطقة عدونب، فهي تجمع بين المشهد الجمالي وتنوع بيئي فريد، وتضم تشكيلات صخرية وطبيعية تحتوي على تجاويف وكهوف مائية، ما يزيد من جاذبية الموقع لعشاق الاستكشاف والتصوير، ومع كل هذا الجمال لوحظ انتشار بعض المخلفات البلاستيكية، خاصة عبوات المياه في محيط العين، ويتطلب هذا المنظر الحاجة الملحة لتعزيز الوعي البيئي لدى الزوار، بأهمية الحفاظ على نظافة المكان وصون هذه الطبيعة البكر من التلوث.
مع غروب الشمس كانت رحلة العودة إلى أسفل وادي «غيض»؛ حيث سطوع الضوء البرتقالي على التضاريس الجبلية المحيطة ليضفي على المكان سحرًا خاصًا. وهناك التقينا بالمواطن علي بن سالم عذيمر بيت سعيد أحد سكان المنطقة، الذي كان منهمكًا في عمله بمزرعته، يحمل في عينيه نظرة تعكس معاناته وإنجازاته، وهو يروي لنا قصة هذه الأرض التي يعرفها جيدًا.
بصوت هادئ ولكن ملؤه الفخر بدأ علي حديثه موضحًا أن كلمة «غيض» في اللهجة المحلية تعني تجمع عدة عيون مائية في موقع واحد.
وأشار علي إلى أن الوادي يضم عيونًا دائمة الجريان طوال العام أبرزها عين انساريتا، وعين ذيربوب، وعين عسقول، واعتبر أن هذا الوادي يمثل واحدًا من الأودية العميقة ذات التضاريس الجبلية المتنوعة، وهو عنوان للثراء الطبيعي الذي تعيش فيه سلطنة عُمان.
وتابع علي في سرد ذكرياته؛ حيث قال: «أخبرني والدي -رحمة الله عليه- أن السلطان سعيد بن تيمور أقام مخيمًا في الوادي عام 1950م، رافقته بعثات استكشافية، كانت تلك البعثات تهدف إلى قياس عمق مياه العين ودراسة إمكانية الاستفادة منها لأغراض زراعية، ولكن الدراسات في ذلك الوقت خلصت إلى عدم جدوى إنشاء ساقية مائية».
وأدلى علي بتفاصيل جديدة عن رحلته الشخصية في الزراعة، وقال: «في عام 1983 قررت إنشاء مزرعة أسفل الوادي وقمت بمد أنابيب مياه من العين لمسافة ثلاثة كيلومترات، وزرعت محاصيل متنوعة شملت الفندال، والجح، والنارجيل، والفافاي، والموز، بالإضافة إلى الطماطم والليمون والفلفل»، مؤكدًا أن هذه المحاصيل حققت إنتاجًا جيدًا كانت بمثابة دليله على قدرة الأرض على العطاء.
وأفاد علي أن رحلته الزراعية لم تكن خالية من التحديات، فنقل المياه عبر الأنابيب تطلّب تكاليف مالية باهظة، إضافة إلى الحاجة للصيانة الدورية، معبرًا عن صعوبة التنقل في تلك التضاريس الشاقة؛ حيث إن الوادي يتطلب السير على الأقدام للصعود والنزول في تضاريس حادة.
وخلال حديثه جرّ علي انتباهنا إلى نقطة تُستخدم لتعبئة المياه، التي شيدها خصيصًا لخدمة سكان المنطقة، كان لهذه النقطة إقبال كبير نظرًا لوفرة المياه واستمرارية تدفقها طوال العام. وفي عمق اللقاء كان واضحًا أن علي بن سالم يجسد روح المكان، فهو ليس مجرد مزارع، بل كان رمزًا للعطاء والتحدي، متمسكًا بجذوره في هذه الأرض، وساعيًا للحفاظ على ثرائها الطبيعي بينما ينقل رؤى أجداده إلى الأجيال القادمة.
