كيف يعكس الرسامون تراث وطبيعة عُمان؟
03 مارس 2026
03 مارس 2026
استطلاع: خلود الفزارية -
الفنون التشكيلية وسيلة يعبر من خلالها الفنان عن تجربته الشخصية ورؤيته للعالم، وفي الوقت نفسه هي وسيلة لحفظ ذاكرة المكان وتاريخ المجتمع. وتمتاز سلطنة عمان بتنوع بيئاتها الطبيعية من صحاري وسواحل وجبال، كما تزخر بتراث يمزج بين الأصالة والحداثة. وبرز العديد من الفنانين التشكيليين الذين وظفوا هذه العناصر في أعمالهم بأساليب متعددة ربطت الماضي بالحاضر والطبيعة بالتراث. فالطبيعة العمانية والتراث الثقافي يشكلان مصدر إلهام لا ينضب للفنانين التشكيليين، وكل فنان يوظف هذه العناصر بأسلوبه الخاص، لتكون لوحاتهم شهادات بصرية على تراث عماني غني، تحمل في طياتها قصصا وذكريات.
في هذا الاستطلاع نسلط الضوء على أربعة فنانين تشكيليين ساهموا في صياغة الهوية البصرية لسلطنة عمان من خلال مزج الواقع بالطبيعة والتعبير الفني المعاصر. لنعرف كيف استطاع كل فنان توظيف الطبيعة العمانية والتراث في لوحاته، ليحاكي روح المكان ويعكس الهوية الثقافية.
الصحراء والفرح الجماعي
يعبر الفنان التشكيلي إبراهيم اليحمدي عن اعتزازه بتقديم أعمال تجسد جوانب متعددة من الهوية العمانية، معتمدا على توظيف الطبيعة والإنسان في مشاهد تنبض بالتراث والذكريات. في لوحة «رمال ولاية بدية»، يبرز اليحمدي روح الصحراء العمانية التي يمتزج الإنسان بالمكان. نلاحظ الجمل، والرمال، والمركبة الكلاسيكية التي شكلها لتكون رموزا تحكي قصة ارتباط العماني بأرضه رغم تغير الزمن والتطورات الحديثة.
أما في لوحة «موسم التبسيل في ولاية القابل»، فتتجلى ألوان الحياة العمانية في مشهد يعكس النخيل والخير والفرح الجماعي. نرى البنات الجالسات فوق المركبة المحملة بالبسر يعكسن البهجة والبساطة وروح التعاون الاجتماعي خلال مواسم الحصاد. ويقول اليحمدي إنه يحرص على المزج بين الواقعية بلمسة معاصرة، ليحفظ تفاصيل البيئة العمانية ويقدمها بروح فنية حديثة. ويأمل اليحمدي أن تلامس هذه الأعمال مشاعر المشاهدين، وأن تستحضر فيهم ذكرياتهم الشخصية أو جزءا من تاريخ هذه الأرض الطيبة. كما يؤكد بأن أعماله تركز على التوازن بين الإنسان والطبيعة؛ حيث تظهر العلاقة العضوية بين البشر والبيئة المحيطة بهم. فكل لون وكل تفصيل في اللوحة، يخدم سردا بصريا يعكس الحياة اليومية للإنسان العماني، ويحول العناصر التقليدية إلى لغة فنية معاصرة، تحافظ على روح المكان وتجعله حاضرا في ذاكرة المشاهد.
توثيق التراث بروح حديثة
ويشترك الفنان التشكيلي جمعة البطاشي مع اليحمدي في الاهتمام بتقديم هوية عمانية متعددة الأوجه، لكنه يضيف بعدا آخر من خلال مزج الواقعية مع التجريد الفني، ليصبح التراث لغة بصرية تنقل المشاعر والذكريات والتجارب الحياتية. ففي لوحاته يركز على الصحراء والريف العماني، ويعكس التوازن بين الإنسان والطبيعة، وبين الأصالة والانفتاح على الحداثة. ومن خلال ألوانه وتكوينه الفني، تنبض لوحاته بالحياة، وتظهر التراث كعنصر حي قادر على التواصل مع الحاضر، بحيث يشعر المشاهد بأنه جزء من قصة أكبر تمتد عبر الزمن.
ويشير البطاشي أن أعماله ليست مجرد تصوير للبيئة، بل هي قصص مصورة تروي حياة الناس وعلاقاتهم بالأرض، ومشاعرهم الجماعية، بما يعزز الانتماء العميق للهوية العمانية. فهو يحرص على الجمع بين الواقعية والتجريد بطريقة تحافظ على تفاصيل البيئة العمانية، وتكشف عن روح المجتمع العماني في مختلف الأوقات والمواسم. ويبرز البطاشي في أعماله أيضا اهتمامه باللحظات الجماعية، مثل الاحتفالات التقليدية أو المواسم الزراعية؛ حيث توظف اللوحات الألوان والإضاءة والحركة لتقديم تجربة بصرية تنقل المشاهد مباشرة إلى قلب الحياة العمانية. مبينا أن أسلوبه الفني يعكس فهمه للتقاليد، ولكنه لا يقيد نفسه بالتمثيل الواقعي الصارم، بل يضيف لمسات تعبيرية تجعله معاصرا في نظر المشاهدين.
التراث كهوية وإبداع
أما الفنان التشكيلي أحمد العدوي فهو من رواد الحركة التشكيلية في سلطنة عمان، ويعد من الرعيل الأول الذي حمل شعلة الفن التشكيلي المعاصر، مستلهما الكثير من أعماله من عناصر التراث والطبيعة العمانية. وفي لوحاته، نجد العمارة التقليدية مثل الحصون والقلاع والمباني التراثية والمساجد، والتي تمثل رموزا للقوة والبساطة والانسجام مع البيئة، وتستحضر الأجواء التاريخية لعمان.
ويقول العدوي: إن التفاصيل الزخرفية والنقوش الهندسية وأنماط المباني، إلى جانب التكوينات الجبلية والسهول والكثبان الرملية والشواطئ جميعها يوظفها كعناصر أساسية أو خلفيات لإضفاء عمق بصري على اللوحة. كما تبرز الأزياء العمانية التقليدية في أعماله، مثل لوحة «السيدة الجليلة» و«الفتاتان تجلبان الماء من البئر»، التي تقدم صورة حية من التراث الاجتماعي العماني.
ولإثراء رمزية أعماله، استخدم العدوي العملات المعدنية النادرة التي جمعها على مدار سنوات، بما في ذلك العملات العمانية القديمة وقطع من العصر البيزنطي والبريطاني والنمساوي، لتكون رموزا للكرم والقوة، إلى جانب الخنجر العماني كرمز للهوية الوطنية. كما وظف الحرف اليدوية في لوحاته بأسلوب يحافظ على الأصالة ويمنحها رؤية جديدة، مستحضرا الطبيعة العمانية الغنية من جبال وشواطئ وصحاري، مستخدما ألوان الأرض الدافئة وتدرجات الأزرق للبحر والسماء، مع التباين بين الضوء والظل لإبراز صفاء البيئة أو قسوة الطبيعة التي عاش فيها الأجداد.
ويوضح العدوي أنه في لوحة «الطبول والفنون الشعبية»، التي عرضت في معرض مسك في المملكة العربية السعودية، أنه يجمع فيها بين الواقعية والتعبير الفني، محافظا على ملامح العناصر التراثية مع دمج إحساس شعوري مميز في الألوان، باستخدام أدوات مختلفة مثل الألوان الزيتية والمائية والحبر الصيني، وفق موضوع اللوحة وحجمها. هذه الطريقة تجعل التراث جزءا حيا من المشهد البصري، بحيث يشعر المتلقي بالانصهار بين الماضي والحاضر.
مؤكدا أنه يرى التراث والطبيعة العمانية مصدر إلهام وهوية تحافظ على الأصالة وتعبر عن الانتماء للبلد.
ذاكرة الطفولة كمرجع بصري
من جانبه يربط الفنان التشكيلي إدريس الهوتي أعماله الذوقية بذكريات الطفولة والتجارب الحياتية في بيئات عمانية متنوعة. وفي لوحاته يستحضر عناصر التراث والطبيعة مثل البيوت القديمة، والنوافذ، والأبواب، والممرات الضيقة، والقلاع، والملابس التقليدية المزخرفة، والجبال، والأشجار، والقطط، والطيور. هذه التفاصيل كما يقول إنه استقاها من الأماكن التي عاش فيها وزارها منذ الطفولة لا سيما منطقة مطرح؛ حيث الأسواق والممرات الضيقة والقلاع الصغيرة على الجبال، لتصبح جزءا تلقائيا من أسلوبه الفني منذ بداياته.
ومع مرور الوقت، طور الهوتي أسلوبه ليشمل طرقا جديدة في التعبير عن الهوية البصرية العمانية، مستمرا في التجريب لاكتشاف أساليب مبتكرة لتقديم التراث بصريا. كما استلهم من الزيارات المتكررة للعديد من المدن والقرى العمانية مثل نزوى، وصور، والباطنة وصلالة، رموزا وتكوينات جديدة أضافت بعدا لأعماله.
ويعد الهوتي أعماله لغة شخصية يعبر من خلالها عن شغفه بالهوية والتراث، ويعيد صياغة مشاهد وذكريات الطفولة بصريا في أسلوب تجريدي، بعد أن جرب الواقعية، والانطباعية، والسريالية لسنوات، مستغلا كل مدرسة فنية بما يناسب المعنى والموضوع، مع التركيز على تكوين اللوحة واختيار الألوان والتفاصيل لتقديم مشهد يعكس الاعتزاز بالتراث والطبيعة العمانية.
الموروث بين الرمز والبعد الفلسفي
في حين تنطلق الفنانة التشكيلية ندى الروشدي في تجربتها التشكيلية من وعي عميق بالهوية العمانية؛ حيث توظف الموروث المحلي برموزه ونقوشه وأيقوناته البصرية في أعمال تحمل روح الماضي واللمسة المعاصرة. وتؤكد الروشدي أن ارتباطها بالتراث لا يأتي بوصفه استحضارا شكليا للعناصر التقليدية، بل باعتباره امتدادا لذاكرة جمعية تفخر بها الأجيال وإرثا خلده الأجداد.
وفي لوحاتها، تتحول الأدوات التي استخدمها الإنسان العماني في حياته اليومية إلى رموز ذات أبعاد جمالية وروحية، تتجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح عناصر تعبيرية تحمل دلالات الهوية والانتماء. هذه المفردات في رأي الروشدي، لم تعد مجرد مكونات مادية من الماضي، بل أصبحت لغة تشكيلية قادرة على إنتاج رؤى فنية معاصرة في الأعمال الواقعية والمفاهيمية.
وتستمد ندى الروشدي إلهامها من البيئة العمانية الغنية بعناصرها الطبيعية والثقافية التي تمنح المبدع مساحة واسعة للتأمل وإعادة القراءة البصرية للموروث. كما تسعى إلى تقديم أعمال تحمل بعدا فلسفيا وإيحاءات رمزية تجعل اللوحة مساحة للحوار بين الذاكرة الفردية والوعي الجمعي. مؤكدة أن التوثيق البصري للطبيعة والموروث يمثل مسؤولية فنية وثقافية، وتأمل أن تبقى هذه الأعمال شاهدة على جمال الهوية العمانية وحافظة لملامحها، بحيث تستمر في نقل الإرث إلى الأجيال القادمة.
