كيف تعيد نزوى صياغة هُويتها فـي ظل استكشاف آفاق جــديدة ؟
06 يناير 2026
06 يناير 2026
استطلاع - أحمد الكندي -
تظل نزوى المدينة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ العُماني، حيث تتجاور القلاع العتيقة والأسواق التقليدية مع المشروعات الحديثة ومعالم التطور العمراني المتسارع؛ وتواجه نزوى اليوم مرحلة مفصلية تعيد فيها الأجيال الشابة اكتشاف نزوى بروح مختلفة، مستلهمة أصالتها، ومُعيدة قراءة تراثها بأساليب مبتكرة تعزز الوعي والارتباط بالمكان، فهل ستظل الهُوية العمانية نابضة في قلوب الأجيال الجديدة؟ وما الحكايات التي سيحكيها الزمن القادم عن أبناء هذه المدينة؟
في هذه السطور نستطلع آراء عدد من الباحثين والأكاديميين ممن لهم بصمات في وضع هُوية وتاريخ نزوى.
يتطرق سعيد بن هلال الشرياني -إمام وخطيب- إلى أهمية حفاظ الجيل الجديد على الهُوية من خلال علاقتهم بالتراث وانتقاء المبادرات الشبابية ذات الطابع الثقافي؛ حيث يقول: لقد ظلت مدينة نزوى حاضنة لقرون عدة وعاء العلم والمعرفة والتاريخ والثقافة والفكر بل هي منبع لتصدير الكثير من العادات والتقاليد الموروثة، فقد حافظت عبر سلسلة من الأجيال على شخصيتها الاعتبارية بفضل التمسك بالقيم الأصيلة المستوحاة من فهم الشريعة الغراء ورغم الظروف والتقلبات التاريخية التي لم تسلم منها عُمان عامة ونزوى خاصة بحكم القيادة المركزية للحكم سابقا، ظل النسيج الاجتماعي متماسكا والإنتاج الأدبي عامرا أثرى المكتبات العامة بل الإنتاج الزراعي كان كفيلا بالمحافظة على الاستقرار الأسري كرافد اقتصادي.
أما الجانب العمراني فله قصة أخرى يمكن من خلالها أن تطل على مجد عُمان، فقد أبدع اليراع العُماني في هندسة بنائه ومكان سكناه والطبيعة بما فيها من قلاع وحصون وأسوار وأفلاج شاهدة على ذلك.
وقال: مع هذا الكم الراقي من الإنجازات التاريخية التي أدهشت كبار المعماريين والمهندسين كان لا بد أن نلتفت إلى الجيل الجديد قليلا والذي شكل آباؤه هُوية عُمان الفريدة في المنطقة العربية ككل وإن الجيل الجديد لا بد أن يكون حاضر الوعي لأهمية هذا التميز المستقل ولا يتأتى ذلك إلا بالتغذية التاريخية من مادتها الخام سواء في مناهج المدارس أو الجامعات أو عبر الحوارات الإعلامية التي تسلط الضوء على هذا المفهوم مع استغلال التقنيات الحديثة وشبكات التواصل المختلفة لتعريف الجيل بمادته التاريخية وموروثه الديني والقيمي في المجتمع.
الحفاظ على الموروث
وتابع: إننا نرى في شباب نزوى تجليات حقيقية للعطاء؛ حيث يعملون بجهود ذاتية على إعادة إحياء الجوانب التراثية للمدينة، فمن خلال تمسكهم بالزي الرسمي والعادات الاجتماعية، يُظهر هؤلاء الشباب حرصا لا نظير له على حفظ الهُوية، وعلى استعادة ما فقد على مر الزمن، ويسعون لتجديد الصلة مع الأرض والتراث العمراني، مُعمرين للمنازل وباحثين عن سُبل لترميم ما أُهمل حتى لا يتلاشى في زوايا النسيان.
ومع هذا، فإنّ الجهود وحدها لن تكفي؛ حيث يتطلب الحفاظ على هذا الموروث دعما ماديا ومعنويا من المؤسسات الرسمية والخاصة، فالمشاريع التي تُثمر الإبداع الشبابي تحتاج إلى تشجيع مستمر، لإبرازها في المجتمع، ولاستمرارية نجاحها، فما يتجلى من العمل الجماعي والمبادرات الثقافية هو شهادة على ارتباط هؤلاء الشباب بتاريخهم، وعلى رغبتهم في الخروج من الدوائر التقليدية ونشر الوعي حول أهمية ثقافتهم.
وفيما يرتبط الأمر بالمخطوطات والكتب، نجد أن هناك اهتماما متزايدا من الجيل الجديد للحفاظ على هذا التراث الثقافي، ومن خلال النشر والتوزيع يسهمون في إدخال هذه العناصر إلى الوعي الجماعي، مُعيدين تجسيد الهُوية العمانية من خلال الأدب والفكر، ويجب ألا ننسى أهمية الحفاظ على خصوصية المدينة، فلا يمكن تجاهل العادات والتقاليد التي تُشكل روح نزوى، فالنجاح في تطوير المدينة يتطلب فهما عميقا لهذه الخصوصيات، ومواءمة التطوير مع القيم الموروثة.
نزوى.. مدينة تعليمية
في الجانب العلمي ننتقل للحديث عن رؤية الجيل الجديد للمدينة خاصة وأن نزوى كفضاء تعليمي ومعرفي بحاجة للمواءمة بين التطوير دون فقدان روحها وأدوار تعزيز الهُوية، حيث يتحدّث الدكتور عيسى بن محمد السليماني -باحث وأكاديمي بجامعة نزوى ويقول:» إن نزوى بعمقها التاريخي والمعرفي تعد مركزاً علميا وحضاريا، فالمدينة وعمقها المتجذّر في التاريخ؛ كونها عاصمة سياسية وعلمية يقصدها القاصي والداني، وقد خرّج جامع نزوى أعلاما وقامات علمية أصبحت مرجعا علميا لعُمان، وامتد خيرها حتى عصرنا الحاضر». موضحا أن طلبة اليوم غير الأمس، تغيرت أبعادهم الثقافية والفكرية، فلم يكونوا أولئك الذين ترنو إليهم أعيننا وإن تحدثنا عن علاقتهم بنزوى كموطن ومواطن يمارس فيه حياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فهم انتموا إليها لكن ليسوا منكبين على العلوم التي تبحر فيها أسلافهم، فتوجهوا إلى موائد علمية جديدة تغيرت وانتموا إلى مدينتهم مفتخرين بها كحاضرة علمية يشمون أريج عبق الماضي.
وأكد السليماني أن جامعة نزوى تعد منارة وقلعة علمية قدمت الكثير في بعث الثقافة والهُوية العلمية والثقافية، يكفي أنها انتسبت إلى نزوى واحتضنت آلاف الطلبة من الشرق والغرب، ينهلون من العلوم المتخصصة في المجالات العلمية المتنوعة، وقد أثرت الجامعة مدينة نزوى ومحيطها بالآثار العلمية والثقافية، والجوانب البحثية المتنوعة، فأساتذة الجامعة يشاركون المجتمع النزوي من خلال حلقات النقاش، واللقاءات العلمية الثرية، سواء في قاعات الجامعة، أو عبر الندوات العلمية، والمؤتمرات الدولية، التي بدورها تجذب الباحثين من شتى بقاع الأرض، والمستفيد هو ابن الجامعة والمحيط المجتمعي، كما أن المشاركات العلمية في المجتمع حركت الثقافة وعمقت روح الهُوية وأخرجت محيط الثقافة العُمانية والنزوية إلى ثقافات أخرى جاءت لتعلم اللغة العربية وبقية العلوم من غير الناطقين بالعربية، جعلت منهم ناقلي ثقافتنا العريقة وهُويتنا الثقافية إلى بلدانهم.
فيما يقول صالح بن منصور العزري - مساعد الرئيس بجامعة نزوى: إن نزوى مدينة تعليمية ومعرفية «مدينة تعلم»، حيث إنها معتمدة كواحدة من مدن منظمة اليونسكو العالمية لمدن التعلم، وهي رؤية تربط بين التعليم، التنمية، المشاركة الاجتماعية والحفاظ على التراث، وتشجّع على التعلم مدى الحياة والتكامل بين التعليم الرسمي وغير الرسمي، كما تركز على إدخال التكنولوجيا وتحفيز البحث والابتكار ضمن منظومة التعليم المحلية».
وقال:» لطالما كانت نزوى مركزا حضاريا وتاريخيا في عُمان، بآثارها التاريخية وأسواقها الشعبية وبيئتها الاجتماعية التي تشكّل مدرسةً خارج الفصول ومع توسّع التعليم العالي فيها، بدأت هذه العلاقة تتطور إلى تفاعل أعمق بين الطالب وحياة المدينة وتراثها، مضيفا: إن لجامعة نزوى دوراً في تعزيز الهُوية الثقافية والمعرفية بالولاية؛ حيث تأسست في عام 2004م كأول جامعة أهلية في عُمان وتستقبل الجامعة طلاباً من مختلف المحافظات، وعددا من الطلاب الدوليين وتسهّل عليهم الاندماج عبر برامج وأنشطة متعددة، خاصة وأن الجامعة تبث الفكر الإيجابي لمنتسبيها والمشاركين في أنشطتها المختلفة، فقد أسست مع تطورها عبر الأعوام الماضية قاعدة رصينة للتعاون البناء والمثمر مع كافة المؤسسات وفئات المجتمع وشرائحه وذلك تماشيا مع «رؤية عُمان 2040». مشيرا إلى أن الجامعة تشجع الأنشطة الثقافية والأدبية من خلال عمادة شؤون الطلاب وخدمة المجتمع، وتشمل مجموعات طلابية وأنشطة تعليمية، اجتماعية، وأدبية ضمن بيئة تشاركية تسهم في ترسيخ الهُوية الثقافية كالمسابقات الطلابية الإبداعية والمؤتمرات العلمية المختصة بالتراث والسياحة والثقافة والمؤتمرات الأكاديمية الأخرى، كما نشهد تفاعل الطلاب الدوليين مع تاريخ نزوى وتراثها، حيث يتعرّفون على تراث المدينة من خلال الزيارات الثقافية للمواقع التاريخية ومشاركاتهم في الفعاليات والمؤتمرات التي تنظّمها الجامعة، مما يعزّز فهمهم للهُوية المحلية وتاريخها وكذلك الأنشطة التراثية الميدانية المرتبطة بالمدينة.
تهيئة التراث الفكري
وعن التحديات الثقافية التي تواجه الأجيال الجديدة سواء من خلال الضغوط الرقمية ووسائل التواصل؛ وتغيّر اهتمامات الشباب مقارنة بالماضي وضعف القراءة أو حضور الفعاليات التراثية وحاجة الأجيال الجديدة لخطاب ثقافي معاصر يلامس اهتماماتهم، يقول جابر بن محمد بن حمود الحراصي:» في خضم اختلاط المفاهيم وتداخل الأفكار بات من الضرورة بمكان أن يهيئ التراث الفكري والحضاري في أحسن صوره ليقدم للأجيال الحاضرة مع شد الأيدي بالهُوية الثابتة التي لا تنهزم أمام ثقافة العصر وإبراز الرصيد الثقافي والأدبي الشامل لكل شؤون الحياة والتراث هو الذي يحمل في أحشائه عناصر الأصالة وجوهرها ويعطي الثقافة امتدادها التاريخي وقدرتها على المعاصرة وعلى التطور في المستقبل وهو الذي يمنح المجتمع وأفراده القيم والتقاليد وأصول التفكير وأنماط السلوك وهو ميراث تتناقله الأجيال في الأمه الواحدة جيلا بعد جيل وللتجربة العُمانية في هذا المقام حضورها المعتبر وتأتي «رؤية عُمان 2040» لتؤكد هذا البعد، إذ انصب بوضوح على جعل الهُوية والقيم محورا مركزيا في التنمية الشاملة بما يعزز الانتماء الوطني ويربط بين الأصالة العُمانية ومتطلبات العصر».
وأضاف الحراصي:«مع التغيرات العالمية السريعة التي فرضت العولمة والفضاء الرقمي والتحولات الاقتصادية والاجتماعية يواجه المجتمع العُماني وخاصة فئة الشباب تحديا كبيرا يتمثل في كيفية المحافظة على القيم الأخلاقية الأصيلة في مواجهة هذه التيارات وضرورة تأطير استخدام التقنية ضمن قيم أخلاقية راسخة وضرورة دمجها في السياسات التقنية والتعليم الرقمي أمرا حتميا؛ حيث أثرت الرقمنة بعمق في طرق التعلم والتواصل والإنتاج لكنها في الوقت ذاته فرضت واقعا قيميا جديدا وهو ما يضع المؤسسات التعليمية والإعلامية والتشريعية أمام مسؤوليات مضاعفة للحفاظ على التوازن بين الانفتاح على معطيات العصر وصيانة القيم الأصيلة التي تشكل جوهر الهُوية العمانية».
في ختام حواراتنا، نسلط الضوء على ما يراه الباحث عبدالرحمن بن أحمد السليماني حول هُوية نزوى تلك المدينة الهادئة التي تنبض بالحيوية، مثل قلب عُمان النابض.
ويتحدث السليماني بعمق عن نزوى كعاصمة تاريخية تمتد جذورها عبر قرون من الحضارة، مشيرًا إلى أنها كانت مركزا حيويا للتفاعل السياسي والثقافي في عُمان. وقال: «تاريخ نزوى يعج بالأسواق البازغة والأزقة المُلتفة والطبيعة الخلابة التي كانت تعكس طابع الحياة العُمانية التقليدية، ونزوى كانت ولا تزال بمثابة بوتقة حضارية تجذب الناس من كل المشارب، بدءًا من العلماء والمثقفين إلى المزارعين والباحثين عن الأمان، ولكن التحولات التي شهدتها المدينة جعلتها تفقد بعض مركزيتها، وهو ما عكس آثار التطورات الحديثة على هيكل المدينة، وعلى الرغم من هذا التغيير، فإن نزوى تجد نفسها اليوم في عصرٍ زاهر، تتقاسم فيه النجاح مع التقدم والازدهار، فهي مدينة تحظى بمركز إداري وتجاري حيوي، وأصبحت وجهة جذب سياحي وكتبًا مفتوحة لمن يسعى لفهم العلاقة بين الإنسان وبيئته».
ويدعو السليماني إلى أهمية توثيق الذاكرة الشفوية ويقول: «تعد هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية مبادرة بارزة لنقل التاريخ الشفوي إلى الأجيال القادمة، هذه الجهود تُظهر كيف يستطيع المجتمع المدني المساهمة في الحفاظ على تراث نزوى من خلال مشروعات تتناول تجارب كبار السن، وتستخرج من ذاكرتهم كنوزًا من الفهم والمعرفة».
