المحافظات

صناعة البخورهوية ثقافية تمتد من الأجداد

03 فبراير 2026
03 فبراير 2026

تبدأ قصة آمنة البوسعيدية في أروقة منزلها القديم، كانت تتأمل جدتها تعكف على خلط مكونات عطرية بكل حب. تقول آمنة: "صناعة البخور فن يؤثر في النفس والروح"، شغفها بمعرفة هذا الفن دفعها إلى قضاء سنوات في محاولة اكتشاف أسرار هذه الصناعة الفريدة، حتى تمكنت من مزج مكونات مثل العود والورد والزعفران في أول بخور صنعته، ليصبح جسرًا يربط ذاكرتها بتراث العائلة.

هذه المهارة اليدوية هي ذكريات تشكّل هويتها، وترسّخ حبها للحرفة التقليدية، وتربطها بذكريات الجدات، تشير إلى أنها قضت سنوات طويلة في التجربة، اختبرت خلالها مختلف أنواع الحطب والعود والصندل والعطور، واكتسبت مهارات المزج والتخمير، محاولة لتكوين عطرها الخاص، وكان أول بخور صنعته مزيجًا من العود والورد والزعفران.

المرأة وصناعة البخور

تعد المرأة العمانية حجر الزاوية في صناعة البخور، وتضيف آمنة: "الجدات علمن فتيات البيت الصبر والدقة قبل المقادير، وفي الأعراس والمناسبات الكبرى، كانت النساء يجتمعن لفن تحضير البخور الذي يميز لحظات السعادة في حياة الناس، ومن هنا تنبع أهمية نقل هذه الحرفة من جيل إلى جيل".

رحلة الإنتاج

تسير آمنة خلال عملية إنتاج البخور بتقدير عميق لجودة المواد الخام، تبدأ باختيارها بعناية تليها خطوات الطحن والمزج بمهارة، حيث تعي تمامًا أن كل خطوة تحمل السر وراء رائحة فريدة. موضحة أن الجودة تحتاج إلى صبر وتمرّس، مضيفة أن نجاحها يعكس التحول الذي شهدته هذه حرفة صناعة البخور لتكون أكثر احترافية في السنوات الأخيرة.

أنواع البخور

تتعامل آمنة مع مجموعة متنوعة من أنواع البخور، بدءًا من اللبان العماني المرموق إلى الخلطات العطرية المعقدة. تدرك تمامًا أن لكل مناسبة عطورها الخاصة؛ لذا تحرص على تقديم بخور مخصص للأعراس والأعياد، وكذلك بخور الاستخدام اليومي لإضفاء جو من السكينة في المنازل.

من عادة إلى حرفة

وتلخص البوسعيدية التجربة بأن البخور حين يستخدم كعادة اجتماعية، لا يسأل عن تركيبته، لكن عندما يتحول إلى حرفة، يصبح المنتج لدى الزبائن مرتبطا بالمواد الخام، لذلك يحرص صانعو البخور على ضبط نسب المزج، وفترات التخمير، مع مراعاة ثبات الرائحة، حيث يتطلب دخول السوق الحديثة، الحفاظ على الهوية العطرية العمانية كجزء من التسويق، فالزبائن يسعون للحصول على منتج أصيل بذات جودة عالية.

الابتكار والاستدامة

ورغم ارتباط البخور بالتراث، لم تغفل آمنة جانب التحديث ومقارنة العطور بما ينزل في السوق ومتطلبات الزبائن الرائجة لكل موسم، مؤكدة أن إدخال لمسات جديدة لا تؤثر على جودة البخور أو تخرجه من دائرة التراث فهي لا تمس بطريقة تكوين البخور التقليدية وإنما زيادة أو تغيير في الروائح مع الالتزام بوصفات الصناعة التقليدية الموروثة. مبينة أن الهوية العمانية للبخور يجب أن تبقى، أما التجديد فيكون بالشكل والتغليف والأسلوب، بما يجعل هذه الصناعة قادرة على الصمود في السوق الحديث.

التحديات

وتتناول البوسعيدية التحديات التي واجهتها بأن معظم المكونات رائجة ومتوفرة في الأسواق التقليدية ومحلات العطور، ولكن بعض أنواع البخور تتطلب الحصول على مواد خام لإثبات جودتها بحسب طلب بعض الزبائن، ولكن في النهاية نوفر لهم ما يطلبون؛ فالجودة لا تقاس بالسرعة، والاهتمام بالتفاصيل والصبر طريق مضمون لتطوير المنتج، فضلا عن تحديات أخرى واجهتها مع صناعة البخور كارتفاع أسعار المواد الخام، ونقصها في بعض الفصول، والتغيرات المناخية، والمنافسة مع المنتجات التجارية الجاهزة.

قيمة ثقافية واقتصادية

يمثل البخور العماني نموذجا حيا لتداخل التاريخ بالاقتصاد، والهوية بالتنمية المستدامة، فهو ممارسة ثقافية واقتصادية تعزز الوعي بالمنتج المحلي، كما يساهم في إبراز حضور سلطنة عمان على طرق التجارة التقليدية، ويؤكد دورها التاريخي في تبادل المعارف والسلع مع حضارات بعيدة، ليصبح رمزا حيا للهوية العمانية على المستوى المحلي والدولي.

وتشكلت أقدم شبكات التجارة في العالم القديم من شجرة اللبان في محافظة ظفار، إلى أن وصلت اليوم البيوت والأسواق، حيث يبقى البخور حاضرا بصفته منتجًا ومادة عطرية، كما يعد ممارسة ثقافية واقتصادية متجذرة، فصناعة البخور من الصناعات المطلوبة؛ لأنها تحافظ على الطابع التقليدي ومتطلبات السوق الحديثة من حيث الشكل والتغليف والتسويق، وبقيت قائمة بالرغم من المنافسة مع المنتجات الجاهزة.

مستقبل الصناعة

ترى آمنة البوسعيدية أن مستقبل البخور يعتمد على دعم المجتمعات والمؤسسات للممارسات الحرفية التقليدية، وفتح مساحات جديدة للتسويق، بتطوير منتجات ترافقها قصص وفعاليات لتشجيع دوام هذه الصناعة وتمريرها عبر الأجيال.