شاب عُماني يحوّل النباتات المحلية إلى ثروة اقتصادية وسياحية
يُعد الجبل الأخضر في سلطنة عُمان وجهة سياحية فريدة بجماله الطبيعي وتنوعه البيئي، حيث تزدهر فيه مزارع الورد والنباتات العطرية، ليكون رمزًا للاستدامة والتكامل بين الإنسان والأرض. وشهد مؤخرًا تجارب مبتكرة تمزج الأصالة بالحداثة، أبرزها مشروع "الفواح للعطريات المميزة" الذي يوظف الورد العُماني عبر دمج الابتكار العلمي مع التراث المحلي.
وفي حوار مع المهندس حمدان الصقري الشريك المؤسس، نسلط الضوء على مسيرة المشروع، إنجازاته، تحدياته، ورؤيته المستقبلية في الابتكار والاستدامة.
شغف متوارث
يحكي المهندس حمدان بداية حكاية "الفواح للعطريات المميزة"، وقال: "لم يكن المشروع مجرد فكرة عابرة، بل هو شغف متجذر في عمق التاريخ، يمتد لمسيرة آباء وأجداد أتقنوا فن تقطير ماء الورد، وعلى أرض الجبل الأخضر التي تزخر بالورد والنباتات العطرية، ولدت الفكرة من تزاوج أصيل بين الإرث العريق والعلم الحديث، كان لابد أن ندمج الخبرة التقليدية بدم التقنيات المعاصرة، لنخرج بمنتجات تحمل عبق الهوية العُمانية الأصيلة، وتنافس بأخلاقياتها العلمية الأسواق العالمية".
الورد والنباتات العطرية
لم يختر المشروع الورد والنباتات العطرية صدفة؛ فقد كانت الأرض هي من تفرض نفسها بخصوصيتها الفريدة. وهنا يضيف الصقري أن "الفواح" لم يقف عند حدود الجبل الأخضر، بل مدّ يديه إلى بقية كنوز عُمان العطرية، ليدخل اللبان العُماني العريق في قلب القصة. ومن هذا المزيج الساحر، لم يقتصر الإنتاج على المياه والزيوت العطرية فحسب، بل تنوعت لتشمل منتجات تحمل نكهات مستوحاة من أصدق بيئات عُمان.
الجودة بين المختبر والإرث
في رحلته نحو المنافسة العالمية، يروي حمدان الصقري أن الجودة لم تكن مجرد هدف، بل كانت البوصلة التي ترسم الطريق، يقول: "ما يميز مشروعنا هو المزج بين الخبرات العلمية للشركاء، كالكيمياء التحليلية، وبين عراقة الماضي، فكل منتج مستخلص يُخضع لفحوصات مخبرية دقيقة، حتى يحصل على شهادات علمية تثبت جدارته عالميًا، لقد طورنا تقنيات تقطير حديثة، لكننا لم نبتعد يومًا عن روح التقليدية؛ بل احتضنّا الإرث الحضاري، وأضفنا عليه لمسات عصرية لنخرج بأفضل ما يمكن أن تقدمه الطبيعة للإنسان".
تحديات البدايات
لكن الطريق إلى النجاح لم يكن مفروشًا بالورود، ويتذكر حمدان تلك البدايات الصعبة، ويقول: "كادت قصتنا أن تنتهي قبل أن تبدأ، فعندما قررنا شراء أجهزة التقطير، وقعنا ضحية احتيال من شركة خارجية؛ أخذت أموالنا وعدنا إلى الصفر، لكننا تعلمنا الدرس: لم نعد نثق إلا بالشركات الموثوقة." ويضيف: "لم تكن خسارتنا المالية هي التحدي الوحيد، فالأجهزة لم تعد تكفي، والمساحة تضيق بنا، ولله الحمد حصلنا على أرض استثمارية في قلب الجبل الأخضر، تمتد على عشرة آلاف متر مربع، واليوم نعمل بكل شغف على تطويرها وتوسيعها، لتصبح فضاءً أرحب لنشاطنا".
أثر مجتمعي وسياحي يتنامى
ويكمل الصقري حديثه موضحًا أن المشروع لم يولد ليكون مجرد نشاط اقتصادي، بل حمل رؤية تسعى إلى حضور مؤثر، تستند إلى علوم تطور الإنتاج وتحسّن أدواته، وتصوغ هوية تعكس خصوصية المنتج العُماني في ساحة تنافسية أوسع.
هذه الرؤية لم تقف عند حدود التطوير فقط، بل امتدت لتمس المجتمع المحلي؛ فمن خلال إيجاد فرص عمل للشباب والمشاركة في عمليات التطوير، أصبح المشروع نابضًا، وحوّل تجربته إلى جسر سياحي يلفت الزوار في مواسم معروفة كموسم الورد، وهنا لا ينعكس الأثر على المشروع وحده، بل يمتد ليطال الفنادق والمطاعم والمحلات، في لوحة متكاملة تظهر كيف تتناغم المبادرات الفردية مع المشهد المحلي الأوسع.
بين الابتكار والهوية
ويتحدث حمدان أن فريقه يعمل على مسار بحثي دؤوب، يطور المنتجات عبر دراسات علمية وفحوصات مخبرية، وينظم دورات تدريبية تغذي ثقافة الابتكار، مع إعادة النظر في طرق الاستخلاص التقليدية ودمجها بلطف مع التقنيات الحديثة، ليخرج المنتج النهائي بعبقه العلمي دون أن يفقد الهوية العُمانية. ويضرب الصقري مثالًا حيًا برحلات موسم الورد، حيث يصبح الزائر شريكًا في المشهد الإنتاجي بكامل تفاصيله؛ يرى العمل عن كثب، ويتنقل بين آلات الماضي والحاضر، فيختبر بعينيه ويديه كيف تتحول المعرفة الميدانية إلى تجربة حسية لا تُنسى.
الاستدامة ركيزة العمل
يشرح حمدان كيف أن "الفواح" يعتمد على النباتات المحلية ويحافظ على التوازن البيئي، ويتم إعادة تدوير مخلفات التقطير لتصبح سمادًا طبيعيًا يغذي الأرض، ولا يغفلون عن توعية المجتمع المحلي، مدركين أن استمرار هذا الإرث البيئي يعتمد على أيادٍ تعرف كيف تحمي الجذور.
نحو آفاق أوسع
ويختتم الصقري حديثه قائلًا: "نحن الآن نوسع أرضنا التي تمتد لعشرة آلاف متر مربع، وفي المرحلة القادمة سنطور خطوط إنتاج جديدة مبتكرة، مستوحاة من روح البيئة العُمانية، ونسعى إلى التوسع خارج السلطنة عبر المعارض الدولية والتسويق الإلكتروني، لنحمل منتجاتنا العُمانية إلى أسواق عالمية، دون أن نتنازل عن الجودة والهوية التي تميزنا".
