سعيد المسعودي: مع كل قطعة خشب أستعيد ذكريات الأجداد وتقاليدهم
06 يناير 2026
06 يناير 2026
كتبت - خلود الفزارية
بدأ العم سعيد المسعودي رحلته مع صناعة السفن منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره، حين طلب منه والده تعلم الحرفة امتدادًا لتقليد العائلة المتوارث. ومنذ الأيام الأولى، أدرك أن كل قطعة وأداة في هذا الفن تتطلب فهمًا عميقًا ودقة متناهية ومهارة مكتسبة بالممارسة المستمرة، وهو ما صقل خبرته وجعل منه حرفيًا معروفا في مجاله؛ لتتحول صناعة السفن لديه إلى معرفة متكاملة تشمل تقدير المواد وفهم البحر واحتياجات المستخدمين، بالإضافة إلى صبر طويل اكتسبه مع مرور الوقت، كما اكتشف أن كل قطعة في السفينة تحمل تحديًا فريدًا، وكل أداة لها وظيفة محددة تتطلب خبرة عملية دقيقة، حيث كان يتطلب منه الإلمام بكل مرحلة من مراحل بناء السفينة، ليتقنها ويضمن جودة العمل من البداية وحتى اكتمالها.
تعلم العم سعيد قراءة البحر وفهم حركته، واستيعاب تأثير الرياح والأمواج على كل نوع من السفن، كما صقل مهاراته في تقدير جودة الخشب واختيار الألواح بعناية فائقة لتناسب شكل السفينة والغرض من بنائها، مما أكسبه خبرة عملية عميقة في صناعة السفن التقليدية. وعلى مدى سنوات، أصبح لكل لوح خشب مكانه ودوره، من الكيل إلى الأضلاع والألواح التي تثبت بعناية، مستخدما تقنيات تمنع تسرب الماء، ليصل أخيرا إلى الشراع والطلاء الذي يحمي السفينة من حرارة الشمس وملوحة البحر.
وفي رحلته مع هذه الحرفة، عمل العم سعيد على أنواع متعددة من السفن، حيث كانت السفن الكبيرة مثل السمبوك والبوم تتطلب جهدًا جماعيًا متقنًا ودقة عالية في الحسابات الهندسية لضمان قدرة السفينة على تحمل أمواج البحر لمسافات طويلة وحمل البضائع الثقيلة بأمان وكفاءة. وفي المقابل، كانت القوارب الصغيرة مثل الجالبوت تستخدم للصيد والتنقل اليومي بين الشواطئ والجزر القريبة. وأشار العم سعيد إلى أن العمل على السفن الكبيرة كان جماعيًا يتطلب تنسيقًا وتعاونًا دقيقًا، بينما القوارب الصغيرة بدأ بصناعتها مع والده، ثم واصل العمل عليها بمفرده ومع مجموعات، مستفيدًا من خبرته المتراكمة ومهاراته المكتسبة عبر السنوات، وتعلم العم سعيد كيف يوازن بين حجم السفينة ووزن الخشب، وبين شكل القاعدة وطريقة الربط، وحجم الشراع والسرعة المطلوبة حسب نوع السفينة ووجهة الرحلة، مبينا أن كل سفينة تحمل خصوصيتها، وكل قطعة خشب تحكي قصة خبرة متراكمة على مدى أجيال. موضحا أن الخشب كان أساس الحرفة، وغالبا ما يستورد من الهند، ويجفف ويجهز قبل استخدامه، وأحيانا تستخدم أخشاب النخيل المحلية.
الحفاظ على الصنعة
كان العم سعيد يروي تفاصيل السفن وكأنها تتجسد أمامه، حيةً في ذهنه. وأضاف أنه مع مرور الوقت، دخلت المحركات لتأخذ مكان المجاديف، وظهرت السفن الحديثة المصنوعة من مواد مثل الفايبر، مما خفف من الاعتماد على قوة السواعد، وسهل الحركة، وزاد من سرعة وكفاءة السفن في الإبحار. ومع هذا التغيير، ظهرت أنواع جديدة مثل الهواري أو البانوش، لتواكب الزمن الجديد دون أن تفقد جذورها التقليدية. وبالنسبة له لم يكن هذا التطور نهاية للحرفة، بل اختبار لقدرتها على التكيف، حيث أكد أن السفن الحديثة لم تمنعه من مواصلة العمل في الصناعة اليدوية، لذلك ظل محافظا على مهاراته التقليدية، وصنع بنفسه العديد من السفن الخشبية التي حافظت على خطوط التصميم المتوارثة والمعروفة في سلطنة عُمان.
توسعت خبرة العم سعيد لتشمل العمل في المملكة العربية السعودية ودبي والبحرين وقطر، حيث شارك في بناء السفن وصيانتها، واكتسب معرفة واسعة حول مختلف تقنيات البناء في منطقة الخليج. وأوضح أنه مع كل رحلة كان يعود إلى عُمان، وهدفه أن يستمر في نقل الحرفة للأجيال، مؤكدا أن صناعة السفن امتدت إلى جميع محافظات سلطنة عُمان من مسندم شمالا إلى ظفار جنوبا.
السفن العُمانية
تختلف السفن العُمانية في أشكالها وأحجامها بحسب الغرض منها، فالبغلة الكبيرة قادرة على الإبحار لمسافات طويلة وحمل كميات ضخمة من البضائع، والغنجة كانت مرنة وتستخدم في التجارة والصيد معا، والسمبوك الصغير كان يتميز بالسهولة في التنقل بين الأمواج والجزر الصغيرة، والبدن مخصص للرحلات المتوسطة، بينما الشوعي والهوري والغراب كانت تختص بصيد الأسماك واللؤلؤ والتنقل بين الموانئ القريبة، وكل تصميم يعكس معرفة دقيقة بالبحر، والرياح، والمواد، والطرق المثلى لاستخدام السفن في مختلف الظروف.
حرفة الأجداد
مع مرور الوقت تغيرت بعض الاستخدامات؛ لتصبح السفن رمزا للتراث والسياحة البحرية، وتظهر في المهرجانات والرحلات التراثية، كما تعرض في المتاحف، لتكون جسرا بين الماضي والحاضر. فضلا عن الدعم الحكومي والمشاريع الوطنية مثل إعادة صناعة سفينة «جوهرة عُمان»، إلى جانب الدورات التدريبية الحية في مختلف ولايات سلطنة عُمان، لتساهم في استمرار الحرفة وربطها بين الأجيال.
