المحافظات

ذاكرةُ من مآذن المساجد وحكايا مع النداء الخالد

31 مارس 2026
31 مارس 2026

كتبت - رهام بنت ناصر القصابي

من بين الأزقة الضيقة، تنسكبُ أصواتٌ تنادي للفلاح من أعالي المآذن، ويناسب صوت المأذن مع هدير ماء الفلج في السواقي، ويعلوا الصوت الرخيم تحمله رياح النخيل، يتخلل صداه بين البساتين ويسري بين ثنايا البيوت الطينية، نداءٌ يملؤه السكينة يوقظ القلوب من انشغالها لتلبي النداء. لم تكن مكبرات الصوت قد عرفت طريقها إلى المساجد بعد، فخلف كُل حُنجرةٍ ترفعُ نداء الصلاة، حكاية مأذنٌ صعد درجات حجرية ضيقة وصولاً لأعلى المأذنة أو لسطوح المسجد، يقف في مواجة الريح واضعاً يديه خلف أذنيه، ليعلوا صوته ويرفع نداء الصلاة . فالأذان بخشوع فوق المآذن الطينية، هو ذاته اليوم يرفع على مكبرات الصوت في مساجدنا العامرة، ويبقى الأذانُ هو الصوت الذي يربط قلوب المصلين في كل شبرٍ من أرضنا الطيبة. وخلف كل مئذنةٍ في مساجد عمان، قصةٌ تروى، وصوتٌ لم يغادر صداه أزقة القرى وحاراتها من الفجر وحتى الغسق.

المؤذن سالم الخنجري: 

بعصا ومصباح يضيء طريقه للمسجد 

وقبل أن تشرقَ الشمسُ لتلامسَ مياه عين الثوارة لا يزال هناك صوتٌ يسبقُ الضوء؛ ليرفع نداء الصلاة يوميًا. إنه صوت الوالد سالم الخنجري-حفظة الله- المؤذن الذي طوّع صوته في بيت الله ولا يزالُ يترددُ صداهُ في قرية طوي ستال، فباتَ الناسُ يعرفون مواعيدَ الصلاةِ من دفء نبرته قبل أن يروها على عقاربِ الساعة. يحكي ابنه أسلم الخنجري بامتنان عظيم عن سيرة والده قائلًا: «منذ أن جئنا إلى الدنيا وبدأنا نعي ونفهم عرفنا عن والدي أنه شخص محافظ على إقامة جميع الصلوات في المسجد، وكان يذهب سنويًا للحج». ويضيف: «والدي أطال الله عمره حياته كلها مبرمجة على وقت الآذان؛ فلم يمنعه حر الصيف ولا برد الشتاء ولا وعثاء المرض عن الوصول إلى المسجد قبل الوقت بمدة كافية حتى يستعد للوقوف في المحراب للأذان ويرفع صوته بذكر الله مناديا أهل الحارة لتلبية النداء، وإقامة الصلاة». 

ويستذكر أسلم كلمات والده له ولإخوته التي اعتادوا على سماعها منه قبل ذهابه للمسجد: «أنا متقدمنكم ولحقوني» لم تكن مجرد تنبيه لهم، بل كانت وصيته التي انغرست في قلوبهم؛ إذ يسبق الأب أبناءه نحو محراب الصلاة فلا يحتاج الوالد سالم إلى منبه الساعات الرقمية، ولا حتى لتطبيقات الهاتف، بل يستعين بذاكرة جسده الذي اعتاد الاستيقاظ والنهوض للفجر لتأدية أمانة استودعها الله قلبه، وعصاهُ ومصباحه الذي يضيء به عتمة الطريق وصلًا للمسجد.  

فارتبط صوت الوالد سالم أرجاء القرية، وأصبح صوته منبها يضبطُ الناس عليه مواقيتَ طمأنينتهم؛ فإذا غابَ صوته عن النداءُ لمرةٍ واحدة بات أغلب الجيران يتفقدونَ غيابَه، وهو ما يعبّر عنه أسلم بقوله: «أهل الحارة يعرفونه عز المعرفة، وتعودوا على أذان الوالد، ولو غاب صلاة واحدة يتساءلون عنه، وين الوالد سالم؟ سلامات هل مريض؟ فقلَّما يذهب الوالد معنا إلى أيِّ مكان. ودائمًا يقول لنا: «أنا ما اروح معكم، لأنه من بيأذن في المسجد؟» وإذا غاب بسبب وعكة صحية أو عند ذهابه إلى المركز الصحي، كان الجميع في البلدة يأتون ليسألوا عنه؛ لأنهم لم يسمعوه يؤذِّن في المسجد، فعرفوا أن هناك أمرا ما. ويكمل أسلم واصفًا شعوره الذي تحوّل من إنصاتِ إلى رغبةً في المحاكاة: «شعوري عندما أسمعُ صوت والدي في الأذان شعورٌ جميل، عند صغري كنتُ أطمح أن أؤذن مثله ويسمع الجميع صوتي، وعندما يمر الوالد في وعكة صحية ويكون غير قادر للذهاب للأذان وأكون متواجدا في البيت أذهب وأؤذن عنه، وأبي دائمًا كان يقول لي أو لأحد أخواني إذا كان متعبا: رحوا أذنوا. وحاليًا والحمد لله أذهب أنا وأؤذن في المسجد القريب من منزلي». 

 يختتمُ أسلم حديثَه بنبرةٍ يملؤها الامتنان: «عندما أسمع آذان أبوي أقول في نفسي وأدعو أن الحمد لله أن مدَّ ربي في عمره، ولا زال يحيي الحارة بصوته الشجي، فكل أهل الحارة يعتمدون أذانه بحكم أن المساجد في الحواير متقاربة وأصوات الأذان متداخلة، ولكن أذان الوالد يكون ثابتًا بشكل يومي عكس المساجد الأخرى التي يتبدل فيها المؤذنون. والحمد لله يوجد مسجد آخر قريب الحارة يذهب أخي الأكبر ليؤذن فيه بشكل مستمر». لتستمرَّ الأمانةُ في عائلة سالم الخنجري بصوت يرفع الأذان جيلًا بعد جيل. 

حسني الهشامي: صوتٌ تشكل في العاشرة، واستقرَّ في محرابِ المسجد 

من ولاية إزكي -وتحديدًا من قرية المصفّاة ومسجدها الصامد- انطلقت الحكايةُ الأولى للإمام حسني بن مبارك بن راشد الهشامي مع الأذان. كان حينها طفلًا لم يتجاوز العاشرة من عمره حين تحركتْ رغبةٌ فطريةٌ وشغفٌ طفوليٌّ لرفع الأذان بصوته ليسمعه الناس. يقول الهشامي مستذكرًا تلك البدايات: «لا شك أن رفع الأذان له ميزة في الإسلام، فالمؤذن له الأجر والثواب، ويشهد له يوم القيامة كل من يسمعه كما جاء في الحديث، فكان ذلك أول دافعٍ لي للإقدام على الأذان لكسب هذا الأجر العظيم، وأيضًا مما دفعني لرفع الأذان هو شغف الطفولة في أن يطوف صوتي كل بيوت القرية، ويسمعني كل الناس ليلبوا نداء الصلاة». 

توالت السنواتُ وتعددت المساجدُ التي تنقّل فيها الهشامي ليكون إمامًا ومؤذنًا، لكن ذاكرتَه تحتفظُ بموقفٍ مهيبٍ في ولاية بهلا؛ إذ يستذكر: «كنتُ حاضرًا في أحدِ الجوامعِ لمحاضرةٍ يلقيها سماحةُ الشيخ أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الله-، والمسجدُ يضجُّ بالناس، فصدر التكليفُ المفاجئ وطُلب مني أن أرفع الأذان للصلاة وسماحة الشيخ حاضر، فكان لذلك أثرٌ في نفسي». 

ويصفُ الهشامي صوت المؤذن قائلًا: «صوتُ المؤذن يبعث في نفوس الناس الطمأنينة والسكينة؛ لأنه نداءٌ للصلاة وركنٌ من أركان الإسلام، وقد يعتاد الناس صوتًا معينًا، وتجد أن نفوسهم متعلقةٌ بذلك الصوت». وبالنسبة للهشامي لم يعد الأذانُ مجرد وظيفة أو تكليف، بل صار رسالة وجدانية عميقة، ويضيف: «أن أكون إمامًا ومؤذنًا يعني لي الكثير، فعندما أرفع صوتي بالأذان مستشعرًا معاني ألفاظه فإنه يبعث في نفسي شعورًا جميلًا، فأنا أنادي الناس ليُقبلوا على الفلاح».  

كما يؤكدُ الهشامي أنَّ رسالةَ المؤذن واحدة لا تتبدل، مشيرًا إلى أن هناك فوارقَ بين الأمسِ واليوم، ويقول: «أما رسالةُ المؤذنِ وجوهرُها فلم تتغير، فهو إعلامٌ للناس بدخول وقت الصلاة، ولكن قد يكون التغير في الوسائل ومدى اعتماد الناس على المؤذن لمعرفة دخول وقت الصلاة، ففي الماضي لم تكن هناك مكبراتٌ لرفع صوت الأذان، وكذلك لم يكن هناك تقويمٌ لمعرفة دخول الوقت كما هو الحال اليوم، ولله الحمد والمنة».  

ديني حياتي والمناهجُ العُمانية: فصول الدراسة مآذن صغيرة  

بتراتيل الصف الثاني  

لم يكن كتاب ديني حياتي المقرر الدراسي لطلبةِ الصفِّ الثاني الأساسي في مدارسِ السلطنةِ مجردَ صفحاتٍ تُدرس، بل رحلة تبدأُ في غرسِ حبِّ الصلاةِ وتنتهي بحفظ الأذانِ في عقولهم الصغيرة. ففي وحدةِ -الأذان والإقامة- يتعلمُ الأطفالُ أنَّ الأذان هو النداءَ الحق لإعلام الناس بدخولِ وقتِ الصلاة. وهذا الدرسُ الذي تحوله الأستاذة إلهام السنيدي في مدرسة المواهب للتعليم الأساسي إلى تجربةٍ حيةٍ داخلَ الفصل الدراسي فتقول: «أبدأُ هذا الدرس بتمهيدٍ عن الصلاة، وأسمعهم الأذان الصوت الذي يترددُ في مسامعهم خمسَ مراتٍ يوميًا، وأعرفهم بأهميته، وأنَّه تنبيهٌ للمسلمين إلى وقتِ الصلاة». هذه البدايةُ العفويةُ تفتحُ أبوابَ الحماسِ لدى الصغار؛ إذ توضحُ إلهام طبيعةَ تفاعلهم قائلة: «يتفاعلُ كل الأطفال بحماس مع ألفاظِ الأذانِ بشكلٍ جميلٍ جدًا، وهم يحفظونه بسرعة خاصة أن كلماته سهلةٌ ومتكررة اعتادوا سماعه، ويرددونه بحماسٍ كبير».  

ولأنَّ أثرَ هذا الدرسِ يمتدُّ خارجَ جدرانِ الفصل تصف الأستاذة إلهام مواقفَ تلاميذها بشغف وتقول: «أتذكرُ طالبًا وقفَ بعد الدرسِ أمام زملائه، وبدأ يقلدُ الأذانَ بكل بحماسٍ، كان موقفًا جميلًا يدلُّ على تأثرهِ الكبير، وتنافسَ الكثير من الطلابُ على أجملِ صوت يقلد الأذان. كما أنَّ بعضَ أولياءِ الأمورِ يخبروننا كيفَ صارَ أبناؤهم يرددونَ الأذان في المنزل، وينتبهونَ لمواقيتِ الصلاةِ بمجردِ انتهاءِ الدرس وهذا الشيءُ يسعدني». وتؤكدُ الأستاذة إلهام على القيمةِ التربويةِ لدرسَ الأذانِ لتضيف «يتركُ درسُ الأذانِ أثرًا جميلًا في نفسِ الطالب؛ فهو يعززُ حبَّ الصلاةِ في قلبه، والارتباطَ بالمسجدِ والعبادةِ في عُمرٍ صغير». وتختتمُ إلهام السنيدي واصفةً التكاملَ بين التعليمِ والممارسة فتقول: «المدرسةُ تشرحُ للطالبِ معنى الأذانِ وأهميته بأسلوبٍ مناسبٍ لعُمره بينما يُسمعُ الأذانَ بشكلٍ واقعي في المسجدُ فيطبق ما تعلمه، فالاثنان يكملانِ بعضهما».  

زياد أحمد طفلٌ مصريٌّ مقيم، 

أزهرَ صوتُه في رُبوعِ عُمان 

من بين أروقة مدرسة عمار بن ياسر في ولاية عبري يبرزُ الطفل زياد أحمد محمد مصطفى ذو 11 عاما كنموذجٍ حيٍّ للجيل الذي نشأ على حبِّ المآذن والأذان. زياد الولد المصريُّ الذي ولدَ على أرضِ عُمان في 2015. يحكي والده أحمد محمد بشغف عن ولده زياد قائلًا: «لم تكن بداية زياد وتعلقه بالأذان والمسجد وليدةَ الصدفة، بل كانت امتدادًا لإرثِ جده -رحمه الله- الذي كان يراهُ يؤذنُ، ويقرأ القرآن دائمًا وهو جالس بجانبه». ومنذُ سنِّ الرابعة لاحظَ والده أحمد محمد هذا الشغفَ الفطري في ولده زياد، ويستكمل حديثه قائلا: «قررَت أن أسقيَ هذا الغرسَ بالتشجيع بعيدًا عن صخبِ الهواتفِ والألعابِ الإلكترونية مؤمنًا بأنَّ الأطفالَ هم أحباب الله الذين يجبُ أن يعتادوا حبَّ الخالق ورسوله الكريم».  يستذكرُ زياد طالبُ الصف الخامس لحظتَه الأولى في شهر رمضان المبارك حين قرر والده مفاجأته بالتنسيق مع إمام المسجد؛ يقول زياد مستذكرًا اللحظة: «كنتُ سعيدًا جدًا وخائفًا في نفس الوقت في البداية قالوا لي صغيرٌ ولا يعرف، لكنني قررتُ إبهارهم بصوتي وقت رفع بالأذان». وبالفعل لم يكن ذلك الأذانُ مجردَ أداء، بل كان جسرًا للقبولِ والمحبة؛ فالجميعَ في عبري أشادوا بجمالِ صوته في الأذان وخشوعه في قراءة القرآن، وهو ما علق عليه والده بفخر: «كان الجميع يشيد به ويدعو له بالتوفيق ويشجعونه للاستمرار، وكانوا يسألون: من هذا الطفل الذي يؤذن في المسجد؟ ولد من؟ ما شاء الله عليه صوته حلو عند التلاوة.» وعن سرِّ هذا الأداءِ المتقن يوضحُ زياد رحلةَ تدريبه على الأذان وإقامة الصلاة بصوته العذب فيقول: «تعلمت الأذان عن طريق السماع للتلفاز والهاتف، ولكن والدي حين سمعني كان يدربني عليه دائمًا، أؤذن بالمنزل وعندي سماعة مكبرة للصوت، كان إذا أذن الأذان في المسجد، أنا أؤذن بالمنزل، والآن عندما أكون بالمسجد والمؤذن موجود يقول لي بتشجيع: زياد قم وأذن أنت، صوتك وأذانك جميل». ويكمل زياد كلامه: «أحلم بأن أكون حافظًا للقرآن كاملًا». ليبقى زياد صاحب الصوت «الغاوي»، كما يناديه أهلُ حارتِه وزملاؤه في المدرسة. فمآذنَ عُمان تتسعُ لكلِّ صوتٍ صادق ينادي حي على للفلاح.