المحافظات

المعارف التقليدية في المحافظات.. من إرث ثقافي إلى رافد اقتصادي مستدام

03 مارس 2026
03 مارس 2026

د. علي بن سعيد الريامي / أكاديمي-جامعة السلطان قابوس

في ظل ما تشهده محافظات سلطنة عمان من نمو متسارع في البنية الأساسية والتطور العمراني، وتنوّع الأنشطة الاقتصادية الهادفة إلى رفد الاقتصاد الوطني واستثمار الميزة النسبية لكل محافظة، تتعاظم الحاجة إلى توسيع قاعدة التنمية بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040»، ولا سيما أولويات التنويع الاقتصادي والبيئة والموارد الطبيعية والمواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية.

وتُعد المحافظات بولاياتها المختلفة خزّانا حيا للتراث الثقافي المادي وغير المادي، ومن بين أهم مكونات هذا التراث ما يُعرف بـالمعارف التقليدية؛ وهي أصول معرفية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاكتشاف والتوثيق والتسويق والتوظيف؛ حيث إدماج هذه المعارف ضمن ما يُسمّى حديثا بـالاقتصاد البنفسجي الذي يركّز على القيمة الثقافية والإنسانية وتحويلها إلى منتج اقتصادي يساهم في النمو والاستدامة، والفكرة الرئيسة هنا ليست بمعنى تسليع المعارف التقليدية بل تحويلها إلى قيمة مضافة يمكن من خلالها توليد وظائف في المجتمعات المحلية وتعزز من دخل الأسر المنتجة، ويحد من الهجرة الداخلية، ويمنح المجتمعات المحلية شعورا بالشراكة الحقيقية، وبأن التنمية منها وإليها، وهذا يحفظ في الوقت نفسه الهوية الوطنية للأجيال المتعاقبة.

تعرّف المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) المعارف التقليدية بأنها «تكوين حي من المعارف تطوّر واستمر وانتقل من جيل إلى جيل ضمن جماعة ما، ويشكّل غالبا جزءا من هويتها الثقافية والروحية»، وانطلاقا من الإرث الثقافي العُماني الغني، تمثل المعارف التقليدية في مختلف المحافظات كنزا معرفيا وثروة وطنية قابلة للاستثمار، شريطة صون خصوصيتها ورعاية مبدعيها وتعزيز استدامتها لضمان انتقالها بين الأجيال.

وتبرز أهمية الاستثمار في المعارف والممارسات التقليدية، خصوصا ما يرتبط بـالحرف التقليدية، والزراعة التقليدية وما يرافقها من عادات موسمية، وأيضا في المعارف المرتبطة بالطب الشعبي، والأعشاب الطبية، والمأكولات الشعبية والعمليات التقليدية المرتبطة باستخلاص الزيوت العطرية، فهذه المجالات قادرة على تنمية المجتمعات المحلية المنتجة لها، كما أنها تعزّز إدماج المجتمع كشريك أصيل في التنمية، بما يرسّخ الشعور بأن التنمية من الناس وإليهم.

وتقوم الفكرة الرئيسة هنا على إمكانية تحويل المهارات والممارسات التقليدية إلى أنشطة ومشروعات تجارية يمكن أن تنهض بها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المحافظات. ومن الأمثلة القابلة للتوسع: الصناعات الفخارية، بحيث لا يقتصر الأمر على تسويق المنتج فحسب، بل يمكن تنظيم معارض دائمة تسهم في إثراء المنتج السياحي. وتُعد ولاية بهلا نموذجا قائما يمكن الاستفادة منه، مع إمكانية تعميم التجربة على ولايات أخرى عرفت بصناعة الفخار مثل بلدة مسلمات بولاية وادي المعاول.

ومن الأمثلة المرتبطة بالممارسات الزراعية التقليدية: موسم قطاف الورد وصناعة ماء الورد في ولاية الجبل الأخضر، وعمليات استخلاص زيت الشوع في ولاية الحمراء، كما يمكن في جنوب الباطنة وشمال الشرقية تحويل موسم التبسيل إلى معرض مفتوح يتيح للسائح معايشة تفاصيل هذه الحرفة التي تواجه خطر الاندثار رغم أهميتها للمجتمعات الزراعية.

كذلك يمكن تطوير تجربة تسويق تربية عسل النحل بالطريقة التقليدية، وصناعة النسيج التقليدي المنتشرة في مناطق جبلية بعدة محافظات، وأن تكون الأماكن التي تمارس فيه هذه المعارف مزارات سياحية، وفي محافظة ظفار، يأتي موسم الصرب (بعد موسم الخريف) محمّلا بمعارف مرتبطة بتربية الإبل، ومن بينها عادة الخَطلة (رحلة موسمية سنوية لنقل الإبل من الساحل إلى الجبال والأودية بعد انتهاء الخريف). وهنا يبرز دور الشركات السياحية في إدراج مواقع ممارسة هذه المعارف ضمن برامجها، بما يعزّز الحفاظ عليها ويمنحها أسباب البقاء عبر تحويلها إلى مصدر رزق للمجتمعات المحلية.

غير أن إنجاح هذا التوجه يتطلب تحديث المنتج التقليدي مع الحفاظ على أصالته، إلى جانب إيجاد آليات عملية لنقل هذه المعارف إلى أبناء وأحفاد الممارسين لها، كما يتطلب الأمر توثيقا علميا لهذه المعارف، وبناء قاعدة بيانات رقمية وأرشفة على مستوى المحافظات «لأن ما لا يُوثق يضيع، وما لا يُعرّف لا يمكن تسويقه أو حمايته»، والتسريع بتفعيل الاستراتيجية السياحية عبر استكمال البنية الأساسية اللازمة لهذا النوع من السياحة، ودعم ريادة الأعمال المجتمعية، وتطوير أطر الحوكمة والتشريعات بغرض التنظيم لا التعقيد.

وخلاصة القول: إن الاقتصاد القائم على المعرفة-بما في ذلك المعارف التقليدية-يشكّل مدخلا مهما، ورافدا من روافد تعزيز اقتصاد المحافظات وإدماج المجتمعات المحلية بوصفها شريكا فاعلا ضمن خطط التنمية المستدامة، وكل ذلك يتطلب تكاملا بين مختلف المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص، والمؤسسات الأهلية.