المطبخ العماني كقوة ناعمة.. كيف تتحول الأطباق إلى أداة تعريف بالهوية؟
حوار- عزماء الحضرمية
يحمل المطبخ العُماني في تفاصيله تاريخًا ممتدًا وذاكرةً حية تتشكل من تنوع البيئات والعلاقات التجارية التي عبرت من خلالها عُمان إلى العالم. هذا الثراء يظهر في الأطباق ومكوناتها وفي طرق إعدادها التي تتناقلها الأجيال، ويمنح المطبخ العُماني حضورًا خاصًا يعبّر عن الهوية والثقافة في آنٍ واحد.
في هذا السياق، يقدّم هيثم سليمان تجربة مختلفة في التعامل مع هذا الإرث؛ حيث يتجه إلى توثيق الأطباق العُمانية وتقديمها بأسلوب مبسّط يقرّبها من الناس مع حرصه الواضح بالحفاظ على ملامحها الأصيلة. تجربة تنطلق من شغف مبكر وتتوسع لتشمل إعادة تقديم الوصفات والتواصل مع جمهور واسع وربط المطبخ العُماني بسياقاته الثقافية والسياحية. في هذا الحوار يفتح هيثم سليمان نافذة على رحلته، ورؤيته للمطبخ العُماني، وحدود التجديد فيه، وأفق حضوره خارج عُمان.
حول بداياته يقول هيثم سليمان، صانع محتوى طعام: «بدأت رحلتي في عالم الطهي منذ أن كنت صغيرًا وأنا أراقب ما تقوم به والدتي أثناء الطبخ، وكنت أحاول أن أفهم ما الذي تفعله وأسألها عن بعض التفاصيل المتعلقة بالمطبخ العماني، ومع الوقت بدأت أحب هذا العالم وأتعلق به شيئا فشيئا حتى دخلت فيه بشكل أوسع».
ويضيف حول المطبخ العماني: «بالنسبة للمطبخ العُماني؛ فبسبب تنوعه وغناه وبحكم أنني عُماني من الطبيعي أن يكون لديّ حرص كبير على إبراز هذا المطبخ والتعريف بالمأكولات العُمانية وتقديمها للعالم، خاصة الوجبات الرئيسية؛ حيث إنه في معظمه يقوم على أطباق رئيسية مثل اللحوم والأرز وغيرها، وهذا الأمر جعلني أنجذب إليه بشكل كبير». ويؤكد هيثم سليمان: «هناك العديد من الأطباق التي تعكس هوية مطبخنا، ولكنني أرى أن الشواء العُماني من الأطباق المميزة والمختلفة التي نتفرد بها عن باقي المطابخ في الدول الأخرى، سواء في طريقة تحضيره أو في الأدوات المستخدمة فيه، مثل: «الخصف» المصنوع من سعف النخيل والتبزيرة العُمانية الخاصة، كما أن طعمه ولذّته ولونه وشكله المميز كلها عناصر تجعل منه طبقًا يعكس هوية المطبخ العُماني بشكل واضح، وفي المقابل هناك أطباق أخرى مثل «المقلي» يمكن أن نجد له أطباقًا مشابهة في دول مجاورة، وكذلك «المشاكيك» التي توجد لها أشكال قريبة في مطابخ المنطقة، أما الشواء العُماني فهو بالفعل طبق مختلف ومميز، حتى عندما أقدمه في حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي ألاحظ اهتمامًا كبيرًا من خارج السلطنة؛ فكثير من الناس يعلّقون بأنهم يرغبون في تجربة هذا الطبق والتعرّف عليه».
وعن أسلوبه في تقديم الأطباق العمانية يقول هيثم سليمان: «طوّرت أسلوبي في تقديم المأكولات التقليدية مع الحفاظ على أصالتها من خلال تبسيط طريقة إعدادها -على سبيل المثال- عندما نحضر الشواء العُماني في العادة نحتاج إلى دفنه تحت الأرض والانتظار يومًا كاملًا حتى ينضج، لكنني حاولت تطوير طريقة تحضيره بحيث يمكن إعداده باستخدام قدر الضغط خلال ساعتين تقريبًا وبهذا الشكل سهلت الأمر كثيرًا على الناس، وأصبح بإمكانهم تجربته بسهولة حتى وإن كانوا من خارج السلطنة، أو ممن يعيشون أو يدرسون في أي مكان آخر، فأنا أحاول دائمًا تبسيط هذه الوصفات للناس مع الحفاظ على روحها الأصلية».
ويضيف: «أحاول أحيانًا إضافة مكوّن بسيط إلى بعض الأطباق العُمانية بشرط ألا يغيّر من هوية الطبق الأصلية، فالفكرة تتمثل في إضافة لمسة خفيفة تعزّز الطعم دون أن تغيّر جوهر الطبق مثلما فعلت في إحدى المرات عندما كنت أعدّ طبق السّحناة فأضفت إليه السماق؛ لأن به حموضة خفيفة تناسب السمك، وتعطي توازنًا جميلًا في النكهة».
امتداد تاريخي
يرى هيثم سليمان أن كثرة الأطباق العُمانية وتنوعها يعكسان عمق تاريخ سلطنة عُمان؛ فالمطبخ العُماني غني ومتنوع بالأطباق المختلفة، وهذا التنوع يدل على تاريخ طويل وحضارة ممتدة. ويشير بالقول: «إن تنوع المكونات يشير إلى العلاقات التجارية التي كانت تربط عُمان بالعديد من الدول؛ حيث كان العُمانيون يجلبون الأرز من دول أخرى، ويستوردون التوابل من الهند وغيرها من المناطق، وهو ما انعكس بدوره على تنوع الأطباق في المطبخ العُماني، ومن العناصر والمكونات المحلية التي تمنح الأطباق العُمانية تميّزها الخاص: القاشع والسِّيداف والحمض والفارفينة والعوال والمالح بالإضافة إلى العديد من المكونات التي تعطي المطبخ العُماني طابعا خاصا».
وفيما يتعلق بتوثيق الوصفات يوضح هيثم سليمان: «أحرص على توثيق الوصفات التقليدية ومشاركتها مع الناس، فبعض الوصفات تعلمتها من والدتي، وأحيانًا ألجأ لسؤال أشخاص من ولايات أخرى عن طريقة إعداد أطباق معيّنة للتأكد من الوصفة الأصلية كما تُحضَّر في بيئتها الأصلية». ويضيف: «في إحدى المرات طلبت وصفة طعام بلوشية عمانية لتكون لدي الطريقة الصحيحة لإعدادها مثل طبق الكوتن البلوشي الذي لم نكن نعدّه في منزلنا؛ لذلك سألت أحد الأصدقاء عن طريقته، وحصلت على الوصفة الأصلية كما تُحضَّر لديهم. أيضًا بالنسبة لطبق العرسي الجعلاني الذي لا نعدّه في ولايتنا، بحثت وسألت عن وصفته حتى أحصل على الطريقة الصحيحة، ولا أقع في أخطاء عند نقل الوصفة، فأحاول دائمًا الوصول إلى الوصفة الأصلية قدر الإمكان، وبلا شك قد تحدث أحيانًا بعض الأخطاء البسيطة، فقد أزيد مكوّنًا أو يقلّ مكون ما أو ربما تكون الطريقة التي وصلتني بها الوصفة غير دقيقة، لكن في الغالب تكون هذه الأخطاء بسيطة، وليست أخطاء كبيرة أو مؤثرة. كما يشير أيضا: «قدمت بعض المأكولات التقليدية لمجموعة من السياح؛ حيث أعددت لهم سحناة القاشع والتونة في إحدى الفعاليات، وفي البداية لم يتوقع السياح أن يكون هذا الطبق لذيذًا، خاصة أن القاشع هو سمك مجفف وصغير، وقد يبدو شكله غريبًا للبعض، لكنني أضفت إليه بعض اللمسات التي حسّنت من النكهة، ولقيت ردود فعل جميلة منهم بعد تذوقها». ويؤكد: «معظم الأطباق العُمانية تنال إعجاب الزوار من خارج السلطنة، ولا يوجد طبق محدد يمكن القول: إنه الأكثر جذبًا للجميع، فالأمر يعتمد في النهاية على ذوق السائح نفسه، لكن من الأطباق التي تعجبهم غالبا: المقلي والشواء والعرسية الجعلانية والمضروبة والقبولي العُماني والسَّحناه، خصوصًا سحناة القاشع والبابلوه ومعصور المالح وكذلك معصور العوال».
تعديل الوصفات
ويوضح هيثم سليمان حول إضافة التعديلات على بعض وصفات الطعام: «في الحقيقة أنا لم أفعل ذلك كثيرًا، لكن من خلال تجربتي ومعرفتي بالناس لاحظت أن بعض السياح لا يفضلون الأطعمة التي تحتوي على كمية كبيرة من البهارات مثل التي في الشواء العُماني والذي يعرف بتبزيرته الخاصة؛ لذلك عندما أقدّم الشواء لبعض السياح ألجأ لتقليل كمية البهارات أو تبزيرة الشواء حتى يتمكنوا من تذوق الطبق والاستمتاع به مع الحرص على ألا يؤثر ذلك بشكل كبير على الطعم الأساسي للشواء بحيث تبقى النكهة العُمانية حاضرة فيه».
سياحة الطعام
يمكن للمطبخ العُماني أن يسهم في تعزيز السياحة في السلطنة من خلال التعريف به وعرض أطباقه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فعندما يتم تقديم هذه الأطباق والتحدث عنها للناس، يثير ذلك فضولهم ورغبتهم في تجربتها. فعلى سبيل المثال؛ عندما أنشر أطباقًا عُمانية في حسابي على وسائل التواصل الاجتماعي تصلني كثير من التعليقات من أشخاص يقولون: إنهم يرغبون في زيارة السلطنة لتجربة هذه الأطباق، مثل الشواء العُماني أو القبولي وغيرها. وهناك بالفعل أشخاص يسافرون خصيصًا من أجل تجربة الأطعمة المحلية والتعرّف على ثقافة البلد من خلال مطبخه.
ويشير أيضا: «أن سياحة الطعام يمكن أن تصبح عنصرًا جاذبًا للزوار مثل سياحة الطبيعة في عُمان؛ فالناس في الغالب يحبون تجربة الأطعمة المحلية، بل إن بعضهم يهتم بالطعام أكثر من المكان نفسه وأنا شخصيًا أقدّر تجربة الطعام كثيرًا؛ لذلك أرى أن سياحة الطعام يمكن أن تجذب الزوار بشكل كبير خاصة إذا اجتمع الأمران معًا: الطعام المميز والمكان الجميل عندها ستكون التجربة السياحية متكاملة ومميزة».
وفيما يتعلق بالمبادرات التي تسهم في انتشار المأكولات العمانية على المستوى العربي والدولي، يقول هيثم سليمان: «من المبادرات التي يمكن أن تدعم انتشار المأكولات العُمانية عالميًا افتتاح مطاعم متخصصة في المأكولات العُمانية خارج السلطنة، فوجود مطعم عُماني في الخارج يعرّف الناس بالمطبخ العُماني، ويجعلهم يكتشفون أطباقه المختلفة، وهذا الأمر بحد ذاته يعد نوعًا من الترويج للسياحة في عُمان؛ لأن الكثير من الناس عندما يتذوقون هذه الأطباق قد يتحمسون لزيارة السلطنة والتعرّف على ثقافتها وتجربة المأكولات العُمانية في بيئتها الأصلية». ويضيف: «إن الترويج للمأكولات العُمانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي مهم جدا، وهو ما أحاول القيام به حاليًا حيث أصوّر هذه الأطباق بطريقة واضحة وجذابة، وأعرضها للناس مع شرح طريقة إعدادها بشكل بسيط وسهل، وبهذا يمكن لأي شخص في أي مكان حول العالم أن يجرب إعداد بعض الأطباق العُمانية، وهو ما يسهم في التعريف بالمطبخ العُماني ونشره بين الناس».
مستقبل المطبخ العماني
ويختتم حديثه عن مستقبل المطبخ العماني بالقول: «أرى أن مستقبل المطبخ العُماني قويا جدًا سواء على المستوى المحلي أو الدولي؛ فقد بدأنا نرى أنواعًا جديدة من الحلويات العُمانية لم تكن موجودة في السابق، لكنها أصبحت اليوم حاضرة ومتنوعة، كما أن التنافس بين الشباب في هذا المجال أصبح قويًا ومشجعًا سواء في إعداد الحلوى العُمانية أو في طبخ المأكولات التقليدية وهذا يدل على حيوية هذا المجال واهتمام الجيل الجديد به حتى أن بعض الشباب بدأوا بالتوسع خارج السلطنة، ولم يكتفوا بالعمل داخل عُمان فقط». ويضيف: «جميع هذه المبادرات تعطي مؤشرات إيجابية حول مستقبل المطبخ العماني ودوره في تعزيز السياحة؛ حيث إن العمانيين يتميزون بذوق رفيع في الطعام والمطبخ العُماني غني ومتنوع، ويضم العديد من الأطباق المميزة التي من شأنها أن تدفع الناس إلى زيارة عُمان، والتعرّف على ثقافتها، وتذوق أطعمتها».
