التلّي.. حرفة يدوية ترمز للهوية والتفرد في عالم متغير
03 مارس 2026
03 مارس 2026
حاورتها: سندس الشكيلي -
يظل فن التلّي الحرفي العماني العريق رمزا للتميز والذوق الرفيع، وهو عنصر زخرفي ظل حاضرا في تفاصيل الملابس التقليدية عبر أجيال متعاقبة، محتفظا بمكانته بوصفه رمزا للهوية والذوق الرفيع، وفي الوقت الذي تشهد فيه الأزياء تحولات متسارعة بفعل العولمة وتغير أنماط الحياة، يواصل التلّي حضوره في المشهد الثقافي والاجتماعي، مستندا إلى جذوره العميقة في مختلف محافظات سلطنة عمان.
«عمان» تفتح نافذة على عالم التلي من خلال تجربة فاطمة المعمري من محافظة الظاهرة، من خلال إجراء حوار صحفي تشاركنا فيه فاطمة رؤيتها حول دور هذا الفن في الحفاظ على الحرف اليدوية، كما تسلط الضوء على التحديات الراهنة والفرص المستقبلية لتحقيق الاستمرارية بين الأجيال.
التلي.. تعريف بالحرفة ودلالاتها
في مستهل الحوار، تعرف فاطمة المعمري التلي بأنه شريط زخرفي يصنع يدويا من خيوط قطنية أو حريرية، تدمج معها خيوط فضية أو ذهبية، ويثبت عادة على أطراف الملابس والسراويل النسائية، ليضفي عليها لمسة جمالية وهوية تراثية متجذرة في الذاكرة الشعبية، وتبين أن هذه الحرفة تتطلب مهارة عالية ودقة متناهية؛ إذ تعتمد على تشابك الخيوط بطريقة هندسية متناسقة، تنتج نقوشا متكررة ذات طابع جمالي خاص، يعكس ذوق المرأة العمانية واهتمامها بالتفاصيل الدقيقة في ملبسها التقليدي.
وأضافت: إن صناعة التلي لا تقتصر على الجانب الزخرفي فحسب، بل تمثل إرثا ثقافيا متوارثا تتناقله الأجيال، حيث تتعلمه الفتيات منذ الصغر في البيوت، مما يعزز ارتباطهن بالهوية الوطنية ويحافظ على استمرارية هذا الفن الأصيل.
وأشارت إلى أن اختلاف الألوان وأنماط النقوش يمنح كل قطعة تفردا يميزها عن غيرها، ويجعلها شاهدة على براعة الصانعة وحسها الفني الرفيع، مؤكدة أن الاهتمام بإحياء هذه الحرفة يسهم في صون الموروث الشعبي وتعزيز حضوره في المناسبات والفعاليات التراثية.
وتشير إلى أن للتلي أنواعا متعددة تختلف باختلاف حجم الخيط ونوع الزخرفة، ومن بينها «تلي بادلة صغيرة» و«تلي بادلة كبيرة» الذي يستخدم غالبا لتزيين السراويل، إضافة إلى «تلي بتول» الذي يوظف في تزيين قطع الملابس المختلفة، ويعكس هذا التنوع ثراء في الأساليب والزخارف، ويمنح الحرفة مرونة في الاستخدام تبعا لطبيعة القطعة والمناسبة.
أما عن أدوات الصناعة، فتذكر أن «الكجوجة» تعد الأداة الرئيسة في خياطة التلي، وهي قاعدة معدنية على شكل قمعين ملتصقين من الرأس، تحتوي على حلقتين لتثبيت وسادة دائرية تلف عليها خيوط الذهب والفضة، ومن خلالها تتم عملية التطريز، وتؤكد أن التحكم في الخيوط يتطلب تركيزا وصبرا، ما يجعل من التلي حرفة دقيقة لا تتقن إلا بالممارسة الطويلة.
وتضيف فاطمة: «التلي جزء أصيل من الأزياء النسائية في مختلف مناطق سلطنة عمان، وكان في الماضي يرتبط بالمناسبات الكبرى كالأعياد والأعراس؛ نظرا لارتفاع تكلفته وطول مدة صناعته؛ فالقيمة المادية كانت تعكس حجم الجهد المبذول، إلى جانب القيمة المعنوية المرتبطة بالمكانة الاجتماعية والاحتفاء بالمناسبات».
امتداد اجتماعي وثقافي
وحول علاقتها الشخصية بهذه الحرفة، تشير فاطمة المعمري إلى أن نشأتها في محافظة الظاهرة أسهمت في تعرفها المبكر على التلي؛ إذ كان جزءا من اللباس المعتاد للجدات، واستمرت والدتها في ارتدائه في المناسبات المختلفة. وتوضح أن التلي كان ينفذ يدويا على أيدي نساء متخصصات، في إطار ما يعرف محليا بـ«خدمة حريم»، أي العمل اليدوي المنفذ خصيصا بحسب الطلب.
وتؤكد أن هذا الامتداد العائلي والاجتماعي منحها تقديرا خاصا للحرفة، ليس فقط من الناحية الجمالية، بل أيضا من زاوية ارتباطها بالذاكرة الجمعية للنساء، حيث كانت جلسات صناعة التلي تمثل مساحة للتواصل وتبادل الخبرات والحكايات.
وتضيف: إن ملاحظتها لاهتمام المحيط الاجتماعي بالملابس المشغولة بالتلي، خاصة تلك التي تحمل لمسات تصميمية مختلفة، دفعها إلى التعمق في هذا المجال، مع الحرص على الاستفادة من خبرات الحرفيات المتمرسات في تنفيذ الأعمال اليدوية الدقيقة.
بين الثابت والمتغير في التصميم
وفيما يتعلق بالتصاميم، تبين فاطمة المعمري أن التعامل مع التلي يقوم على معادلة دقيقة بين الحفاظ على الشكل التقليدي للنقوش، وإدخال بعض التنويعات التي تستجيب لاختلاف الأذواق، فبعض الأنماط ما تزال تنفذ كما كانت عليه في الماضي؛ نظرا لارتباطها بهوية محددة أو منطقة معينة، في حين يمكن تطوير أنماط أخرى بإضافة عناصر مكملة مثل الشك أو الخرز أو الفصوص، بما لا يخل بالبنية الأساسية للتلي.
وتوضح أن اختيار الأقمشة يلعب دورا محوريا في إبراز جمال التلي؛ إذ يفضل استخدام أقمشة ذات جودة عالية، وبألوان متوازنة تبرز لمعان الخيوط الذهبية أو الفضية، وغالبا يتم اختيار أقمشة هادئة بألوان زاهية نسبيا؛ حتى لا تتزاحم العناصر البصرية، ويظل التلي هو العنصر الأكثر حضورا في القطعة.
وترى أن المحافظة على الطابع العام للأزياء النسائية العمانية، الذي يقوم على الستر والاحتشام، يعد أمرا أساسيا في أي عملية تطوير، مؤكدة أن التحديث ينبغي أن يكون منضبطا بإطار ثقافي واضح يحترم الخصوصية الاجتماعية، ويستند إلى فهم عميق لقيمة الموروث وأبعاده الرمزية، بحيث يجمع بين الأصالة وروح العصر دون إخلال بالثوابت أو تفريط في الهوية.
التلي يعد رافدا للحرف اليدوية
وعن دور التلي في دعم الحرف اليدوية المحلية، تؤكد فاطمة أن هذه الحرفة، رغم صعوبتها ودقتها، ما تزال تمارس بإتقان من قبل عدد من النساء في مختلف المحافظات، حيث تحرص الكثير منهن على المحافظة على تقنياتها التقليدية وأساليبها المتوارثة، بما يضمن استمرارها جيلا بعد جيل، وتوضح أن الإقبال على ارتداء التلي في المناسبات، وكذلك في بعض الاستخدامات اليومية، أسهم في إعادة الاهتمام بتعلمه وتعليمه، وأعاد إليه مكانته بوصفه جزءا أصيلا من الزي العماني.
وترى أن انتقال المهارة من جيل إلى آخر يمثل عنصرا أساسيا في استدامة الحرفة، إذ إن التلي لا يمكن أن يستمر دون وجود من يتقنه وينقله، فالمعرفة العملية التي تراكمت عبر السنين لا تحفظها الكتب بقدر ما تحفظها الأيدي الماهرة التي تمارسها وتعلمها. وتؤكد أن عملية التعلم لا بد أن تشمل أيضا فهم الرموز والزخارف ودلالاتها، واستيعاب السياق الاجتماعي والثقافي الذي نشأت فيه هذه الحرفة.
كما تشير إلى أن العمل اليدوي يمنح القطعة قيمة إضافية تتجاوز بعدها المادي إلى بعدها الثقافي، إذ تحمل كل قطعة بصمة صانعتها وتعكس وقتا وجهدا وصبرا، مما يكسبها تميزا لا يمكن أن توفره المنتجات الجاهزة أو المصنعة آليا. وترى أن هذا البعد الإنساني في الصناعة هو ما يجعل التلي أكثر ارتباطا بالهوية، وأكثر قدرة على الصمود في وجه التغيرات، باعتباره فنا يقوم على المهارة والخبرة والتوارث الحي بين الأجيال.
وتؤكد أن الحرف اليدوية عموما، ومنها التلي، تمثل جزءا من الاقتصاد المحلي في المحافظات، إذ توفر مصدر دخل للنساء، وتسهم في إبقاء المهارات التقليدية حية. غير أن ذلك يتطلب دعما مستمرا من خلال التدريب والتأهيل، وفتح قنوات تسويقية عادلة، إلى جانب توثيق هذه الحرف بوصفها جزءا من التراث الوطني.
تحديات الحرفة
لا تخفي فاطمة المعمري أن التلي يواجه تحديات في ظل انتشار المنتجات الصناعية السريعة، التي قد تقلد الشكل دون الالتزام بالدقة والجودة؛ فالفارق بين التلي اليدوي والصناعي يظهر في تفاصيل التنفيذ، ودرجة الإتقان، ومدى تماسك الخيوط.
وتوضح أن الحفاظ على الحرفة يتطلب وعيا مجتمعيا بقيمتها، وتقديرا للوقت والجهد المبذولين في إنتاجها. كما أن تشجيع الأجيال الجديدة على تعلمها يسهم في ضمان استمرارها، خاصة في ظل تغير اهتمامات الشباب واتجاهاتهم.
وترى أن إدماج التلي في مجالات متعددة قد يكون أحد السبل لتعزيز حضوره، بحيث لا يقتصر على الأزياء التقليدية فحسب، بل يمتد إلى عناصر أخرى يمكن أن تستوعب هذا الفن دون إخلال بطابعه الأصيل.
آفاق مستقبلية
وفي قراءتها لمستقبل التلي، تشير فاطمة إلى أنها تلمس توجها لدى بعض الشابات نحو ارتدائه بأسلوب معاصر، مع الحفاظ على عناصر الهوية الأساسية. وتؤكد أن هذا التوجه يعكس وعيا متزايدا بأهمية الموروث الثقافي، ورغبة في التعبير عنه بطرق تتناسب مع متطلبات العصر.
وتضيف أن التلي يمتلك قابلية للتكيف؛ نظرا لتنوع زخارفه وألوانه، ما يتيح إعادة توظيفه في مساحات أوسع، سواء في الأزياء أو في مكملاتها. غير أنها تشدد على ضرورة أن يتم ذلك في إطار يحترم أصول الحرفة، ويصون دلالاتها التاريخية والاجتماعية.
خيط الذاكرة المستمر
يبقى التلي -بما يحمله من تفاصيل دقيقة وخيوط متداخلة- شاهدا على عمق الموروث العماني، وعلى الدور الذي اضطلعت به المرأة في صون هذا الموروث عبر الأجيال، إذ شكل حضوره في الأزياء التقليدية علامة بارزة على العناية بالتفاصيل والتمسك بالهوية. فهو ليس مجرد عنصر زخرفي يضاف إلى قطعة قماش، بل هو تعبير عن هوية متجذرة وذاكرة اجتماعية تتناقلها الأمهات والجدات، وتتشكل من خلالها ملامح الذوق العام والقيم الجمالية في المجتمع.
كما يمثل التلي سجلا بصريا يحفظ أنماطا من الزخارف والأساليب التي تعكس تنوع البيئات العمانية وخصوصيتها، ويجسد في الوقت ذاته تلاحم المجتمع حول موروثه المشترك. ومن خلال استمرار ممارسته وتعلمه، يظل التلي جزءا فاعلا في المشهد الثقافي لمحافظات سلطنة عمان، محتفظا بمكانته في المناسبات والاحتفالات، ومتطلعا في الوقت ذاته إلى آفاق جديدة تضمن له البقاء والاستمرارية، في ظل توازن دقيق بين الأصالة والتجدد، يحفظ جوهر الحرفة ويتيح لها مواكبة التحولات المعاصرة دون أن تفقد روحها المتأصلة.
