المحافظات

إسماعية.. قرية عُمانية تنتظر التطوير والاستثمار

05 مايو 2026
05 مايو 2026

تقع قرية "إسماعية" في حضن ولاية دماء والطائيين، هي اللؤلؤة المخفية التي لا تروي حكايتها جدرانها الطينية فحسب، بل تنبض بها أزقتها الضيقة، وتتردد في صدى مياه أفلاجها العذبة، تقف البيوت الأثرية شامخة رغم تعب الزمن، وتصمد الأبراج حراسًا لأمجاد مضت، وتحتضن المدرجات الزراعية سرًا من أسرار الخصب والعطاء، لكن هذا الجمال المزدوج بين أصالة الأمس ونداء اليوم يظل بحاجة إلى أيادٍ تمتد لترميم ما أوشك على الاندثار، وعيون ترى في "إسماعية" أكثر من مجرد قرية عادية، إنها وعد بمستقبل سياحي واعد، ينتظر من يكتشفه.

تغوص "عُمان" بين تفاصيل "إسماعية" المخفية، وتستمع إلى أصوات أبنائها الذين يطمحون أن تتحول قراهم من صفحة مطوية في كتاب التاريخ، إلى عنوان يُقرأ في مستقبل السياحة الداخلية العُمانية.

ملامح أثرية

Image

في "إسماعية" تظهر سمات التاريخ العريق الأثري والقديم الذي يضفي عليها جانبًا وطابعًا مميزًا يبرز كجزء من هوية متجذرة راسخة لذلك المكان. ويظهر ذلك في البيوت الطينية المتقاربة والمتراصة في حاراتها، وبين الأزقة الضيقة التي تحفظ صدى الحكايات المروية في تلك البقعة، والبيوت الأثرية المصنوعة بأيدي السلف من الطين والجص وغيرها من خامات البيئة التي اعتاد الإنسان العُماني على استغلالها، والمسقوفة بسعف النخيل وجذوعه، وتشرح إبداع الإنسان العُماني في الفن ويتجلى ذلك من خلال الرسومات والنقوشات على جدران هذه البيوت، وأيضًا بوجود الأبراج التي كانت شاهدة على دفاع أهل القرية عن بلادهم في أوقات الشدة ومراقبة أحوال الناس والمنطقة في الزمن الغابر، فكلها شُيّدت بغرض الحماية والمراقبة، ولكن جميع هذه الملامح الأثرية وعلى الرغم مما تحمله من قيمة أثرية جميلة إلا أنها أصبحت اليوم مثقلة بآثار الزمن، فأزقتها فقدت البريق الزاهي وجدران منازلها الطينية تآكلت وأصبحت شبه مندثرة، ولكنها ما زالت تقف في مواجهة تغيرات الزمن، كأنها ترى بصيص أمل في الترميم والتطوير والاستثمار، والأبراج التي بنيت في الماضي أيضًا ما زالت صامدة تنتظر صونها من الاندثار والحفاظ عليها لتبقى شاهدًا حيًا للماضي يروي حكاية عريقة للأجيال القادمة.

طبيعة خلابة

ومن أسرار الجمال أيضًا في بلدة "إسماعية" الطبيعة الخلابة وتنوّع تضاريسها، من جبال شاهقة وعيون ماء نقية وأفلاج دائمة وأودية جارية وأشجار نخيل باسقة، وتتميز بوجود مزروعات متنوعة من خضروات وفواكه؛ حيث إنها معروفة في المقام الأول بزراعة النخيل بشتى أنواعه، وكذلك زراعة الحمضيات كالليمون والسفرجل، علاوة على ذلك الموز والرمان والتين والبصل والثوم والفلفل الحار، والكثير من المحاصيل التي لا تعد ولا تحصى، فقد حبا الله بلدة "إسماعية" بالتربة الزراعية الخصبة وبوفرة المياه، ووجود المياه العذبة بأنواعها يضفي نوعًا آخر من الجمال على هذه البلدة، فطبيعة بلدة "إسماعية" تكامل جمالها بالزراعة والمياه، ونشأ سكانها على مهنة الزراعة، فأبدعوا في بناء المدرجات الزراعية وتنسيق سواقي الأفلاج العينية وشقها وكذلك الأفلاج الداودية والغيلية، ورزقها الله تعالى بالبرك المائية والأودية الجارية، التي تنشط كثيرًا في موسم الأمطار الموسمية والمنخفضات الجوية ويتوافد عليها المواطنون والمقيمون، وكل هذا الجمال ما زال بحاجة أن يُروّج له أكثر ليستقطب الزوار من خارج المنطقة وليظهر جمال الطبيعة في بلدة "إسماعية" للجميع.

Image

مطالبات ومقترحات

ولتطوير هذه القرية كان لا بد من مطالبات للجهات المعنية والإدلاء بالمقترحات بما يخدم مصلحة أهل القرية كما يرون، لذا كانت هناك مطالبات بتطوير وترميم وحماية شواهد الماضي وترويج واستثمار الجمال الطبيعي في "إسماعية"، يقول ماجد بن ناصر الحرملي أحد أعيان القرية: الحقيقة أننا في بلدة "إسماعية" حظينا بأعمال أساسية وخدمية كثيرة مثل الطرق الداخلية وشبكة المياه والإنارة وقطاع التعليم وقطاع الصحة والكهرباء، لكن تبقى هناك نواقص في الخدمة؛ حيث التمدد العمراني في ازدياد ولا بد من مواكبة هذا التطور والاحتياج إلى رفع كفاءتها، فمثلًا نحتاج إلى صيانة شبكة المياه وتوصيلها إلى المنازل التي لم تحظَ بالخدمة، والأهالي ينتظرون تنفيذ الشبكة الجديدة والتي سوف تخدم المؤسسات الحكومية والمحلات التجارية والمنازل التي لا تزال محرومة من الخدمة، كذلك نحتاج في قطاع الطرق إلى تكملة الطرق الداخلية في البلد سواء حارات "إسماعية" القريبة أو القرى الجبلية فلا تزال بعض الطرق ترابية، وهذه الطلبات إذا تم تنفيذها ستكون "إسماعية" مؤهلة أكثر لاستقبال السياح والزوار ولمشاريع الاستثمار في البيوت الطينية والأثرية وترميم الأبراج، ونذكر بعض المقترحات مثل رصف طريق إسماعيه - مدرسة السليل، باعتبار هذا الطريق يطل على منطقة جبلية يتم الوصول إليها من عدة طرق أحدها طريق "إسماعية"، وحول استغلال الطبيعة من الممكن إنشاء سد مياه لتعزيز الأفلاج بالوادي الشرقي من الولاية، وترميم الحصون والحارات والبيوت الأثرية التي شارفت على الانقضاض، فيوجد حصن مندثر فوق قرن السويح وبرج في حارة "وساء" يستحق الترميم.

والجدير بالذكر أن في "إسماعية" توجد أبراج يفوق عددها سبعة أبراج، وحارة تسمى "الدك" تُعد بشكل عام حارة أثرية بحتة، كما أن هناك منقوشات أثرية قديمة على الصخور تستحق التوثيق مثل المنقوشات التي تم اكتشافها في مكان يسمى "قرن الجاح" وفي وادي إسماعية.

ويضيف الحرملي: وعندما نتحدث عن الترويج وتطوير المشاريع السياحية فهذه الأفكار تحتاج إلى تمويل ودعم مالي، كذلك لا بد من إشراك المجتمع المحلي لأهمية دوره في تنمية المجتمع المحلي سياحيًا، وهذا يتحقق بتعزيز الفرص الاستثمارية في البلدة وطرح المناقصات أو مثلًا تضمين بلدة "إسماعية" في مشروع التجديد الحضري، كما أن تطوير البنية الأساسية هو أساس أي نهضة اقتصادية واجتماعية وسياحية، ويكمن هذا التطوير في تعزيز النقل والطرق فهذا ينعش بلا شك السياحة، كذلك إيجاد شبكة مياه على أعلى طراز في البلد يريح المواطن والمقيم والزائر والسائح، وتعزيز شبكات المياه والصرف الصحي أو استخدام المياه الجوفية في مشاريع التشجير والمدرجات الزراعية الذي سيضفي عليها جمالًا جذابًا بلونه الأخضر.

وكمقترحات أخرى لإنعاش البلدة سياحيًا وجذب الناس إليها سواء من خلال الطبيعة أو الجانب الأثري، يقول عبدالخالق بن عبدالله السعدي: إن ما نراه اليوم من تطوير وترميم وتجديد حضري للحارات القديمة في مختلف ولايات سلطنة عمان، نذكر منها حارة المنزفة والقناطر بولاية إبراء بمحافظة شمال الشرقية وحارة العقر بولاية نزوى بمحافظة الداخلية، يعطينا بارقة أمل في حصول إسماعية على فرصة في تطوير هذا الجانب، وهنا أقترح بداية أن تكون هناك مخاطبات لأصحاب البيوت المندثرة وشبه المندثرة ليتم ترميمها أو إعادة بنائها بشكل جديد وحضري يتناسب مع متطلبات التطوير الأثري، وكذلك بالنسبة للأبراج إضافة إلى توثيق المنقوشات المكتشفة بلوحات تعريفية مبسطة عنها، ولكن إذا أردنا التركيز على الجانب الأثري فإن حارة "الدك" في قرية إسماعية تتميز عن غيرها من الحارات؛ إذ بها البيوت الطينية والأثرية والأزقة الضيقة، التي إذا تم استثمارها بشكل تطويري ستسهم في الترويج للبلدة سياحيًا مما سيساهم في دفع عجلة الاقتصاد المحلي ودعم السياحة الداخلية التي أصبحت اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد العُماني؛ إذ إن بعض البيوت يمكن تحويلها لنزل وأكواخ خصوصًا البيوت التي تطل على مناظر الأودية والمزارع والنخيل، كذلك يمكن استغلال بعضها بشكل عصري مثل تحويلها إلى كافيه (مقهى)، لذا لا بد أن تكون لدى سكان المنطقة وأصحاب البيوت القديمة ورواد الأعمال ثقافة إحياء التراث بشكل عصري حتى يتم استثمارها وضمان حمايتها من الاندثار، وبالتالي سيتم بالتأكيد تقديم الدعم والتسهيلات من الجهات المختصة؛ إذ إن الحكومة ترحب دائمًا بأفكار الشباب التي تسهم في تطوير وتنمية مختلف القطاعات مما يسهم في تحقيق أهداف "رؤية عُمان 2040".

ومن جانب آخر تقول إبتسام بنت راشد الخصيبي: إن ما تتميز به ولاية دماء والطائيين بكل بلداتها وحاراتها ومن ضمنها "إسماعية" هو جمال الطبيعة من أودية وأفلاج وأشجار ونخيل إلى جانب الطابع الأثري من بيوت وأزقة وأبراج يجعلها مشروعًا ناجحًا للاستثمار سياحيًا، فمن الممكن أن يتم تهيئة الأماكن والمواقع بالخدمات الأساسية في المناطق التي فيها الأودية والبرك المائية، بالإضافة إلى إنشاء مسير واضح بين جنبات المزارع ليتسنى للزائر والسائح رؤية جمال الطبيعة التي تتمثل في الأشجار والنخيل ومختلف المزروعات والأفلاج، وإضافة بعض اللمسات التي من شأنها أن تجذب الناس وتدفعهم لاكتشاف المكان، كالتشجير والمدرجات مثلًا والترويج للزراعة الموسمية وهكذا، وما أعنيه من حديثي هذا أنني أرى أن بلدة "إسماعية" من الممكن أن يكون لها اسم بارز ضمن قائمة الأماكن السياحية سواء في الجانب الأثري أو في المناظر الطبيعية.

ويتحدث إدريس بن سليّم الحسيني في هذا المحور قائلًا: إن ما نراه من توجيه الاهتمام بالقطاع السياحي هو ما جعلنا نطالب بتطوير إسماعية ونتحدث بمقترحاتنا؛ لأن "إسماعية" بها مقومات تجعلها مشروعًا استثماريًا سياحيًا ناجحًا وموفقًا، والحال اليوم أن معظم الناس يميلون أكثر للسياحة الداخلية، وما نراه من نجاح لتطوير بعض الحارات القديمة في سلطنة عُمان والترميم والحماية للأبراج هو ما جعلنا نكون على يقين بأن هناك فرصًا ذهبية للاستثمار فقط تنتظر الاستكشاف والترويج، وكلنا يقين أيضًا بأن الشباب العُماني قادر على بناء وطنه بما يسهم في رفعته وسموه، وأن الحكومة بمختلف القطاعات ذات الشأن في التجديد والترويج والترميم والتطوير السياحي كانت ولا تزال تقدم الدعم لمثل هذه المشاريع وتستمع إلى مقترحات ومطالبات المواطن، فإشراك المواطن في عملية التنمية من ضمن أهداف الرؤية المستقبلية التي وضعها السلطان الراحل -طيّب الله ثراه- ويكمل مسيرتها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- "رؤية عُمان 2040".