No Image
المحافظات

أيام رمضان بين «سكيك» وحارات عُمان

03 مارس 2026
03 مارس 2026

كتبت - رهام بنت ناصر القصابي 

لم يكن رصد هلال شهر الخير مجرد حدث عابر، بل كان طقسا مليئا بالصبر والمشقة. قديما كان الرجال والشباب يخرجون إلى قمم الجبال «المطالع» أو لرؤوس التلال يرقبون السماء بعينين مجردتين، ويمسحون الأفق بدقة بحثا عن خيط فضي رفيع يكاد لا يرى في المساء المظلم، قد يبين أو يحجب خلف غيمة عابرة. كانت العين المجردة هي التلسكوب الوحيد، واليقين يأتي من شهادات رجال عرفوا بحدة البصر والأمانة.

سخرت سلطنة عمان منظومة متطورة لرصد الأهلة تجمع بين الشريعة والعلم؛ حيث تحولت تلك المطالع البسيطة إلى مراصد فلكية مجهزة بأحدث التلسكوبات الرقمية مثل: مرصد الحوقين ومراصد وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التي ترتبط مباشرة بالأقمار الصناعية لترصد حركة الأجرام بدقة الأجزاء من الثانية. وبفضل التطور التقني للمراصد العمانية، تحولت لحظة الاستطلاع من اجتهاد بصري شاق إلى منظومة علمية متكاملة، جعلت من سلطنة عمان نموذجا يحتذى به في التوفيق بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية الدقيقة. فأجدادنا اهتدوا للهلال بالفطرة، اليوم قلوبنا تهتدي إليه بنور العلم الذي يَسر لنا يقين الصيام.

وبين دوي المدافع وبيان صادر يحمل بشرى الصيام، كان الناس يتجمعون بانتظار الصوت، وما إن يثبت اليقين بالرؤية حتى ينطلق صوت المنادي الأول، المدفع المدوي من قلب قلعة الولاية أو من ساحة مكتب الوالي يزلزل السكون ويحمل بشرى الصيام، ويركض الأطفال في السكك وبين الحواري مهللين «جاي رمضان وبكره صيام». في حين تتعالى أصوات الطلقات النارية (بالتفق أو السكتون) التي يطلقها الأهالي رسالة للقرى البعيدة وابتهاجا بحلول شهر الرحمة. يتناقل الناس الخبر بلهفة من سكة إلى سكة يحملون القناديل لتتزين بها الطرقات.

اليوم نعيش نعمة الطمأنينة، ونستشعر عظمة التمام، ونرفع أكفنا بالدعاء شكرا لله على نعمة العلم الذي سخرته النهضة العمانية ليخبرونا بدقة متناهية عن بداية الشهر. نستلم الخبر اليقين من لجان الرصد في بيان تقِره الأوقاف وتستند فيه على الدقة الفلكية والشرعية، نتلقاه ونحن محفوفون بسبل الراحة، يصلنا بيان رسمي يبث مباشرة عبر وسائل التواصل المختلفة يطوف عمان من أقصاها لأقصاها. وما زال صوت المدفع يعلو في سماء الولايات والقرى ابتهاجا بحلول خير الشهور. وتستعد البيوت وتتزين السكك والممرات بالأضواء، وتفتح أبواب المجالس تستقبل كل العائدين من ضجيج المدينة إلى هدوء القرية. وكما يقول أجدادنا دائما: «كل زمان بصرفه».

ذاكرة من الألفة: رمضان ميابين

ومن (ميابين)، القرية المسقطية المحاطة بالجبال وزرقة البحر، تفتح لنا الوالدة سالمة بنت سعيد الغماري خزانة ذاكرتها المليئة ببساطة الماضي. تحكي لنا كيف كانت السماء هي الدليل لحساب الشهور، في زمن لم تعرف فيه البيوت ضجيج التلفاز ولا الهواتف؛ فتقول الوالدة سالمة بصوت يملؤه الحنين: «أول ما شي تلفونات ولا حتى تلفزيونات، كانوا أهلنا يعرفوا عن الشهور عن طريق علم الفلك والنجوم، بعض كبار السن أول كانوا يعرفوا يحسبوا الشهور عن طريق حركة النجوم، وكنا نسمع الراديو، أهلنا يخبرونا ويبشرونا برمضان».

تصف الوالدة سالمة قدوم رمضان كعرس جماعي، تسبقه أصوات مدافع البشارة لتشعل في كل القلوب فرحة لا توصف فتقول: «نسمع المدافع قبل بليلة، كان أول يوم يجي رمضان فرحة كبيرة، ولما يثبت الهلال ونسمع صوت المدفع ونبدأ نجهز البيوت وننظفها عشان نستقبل أيام رمضان».

وعلى مائدة ميابين الرمضانية، كانت البركة هي الصنف الأغلى، ومن القناعة تشبع قلوبهم قبل البطون كما تروي الوالدة سالمة: «أول السفرة بسيطة بس تشبعنا وفيها بركة الحمدلله، صنف واحد أو صنفين بس». وتعدد : «كنا ناكل الموجود تمر ولبن وسمك مقلي أو سمك مشوي عومة فوق الحديد (التنك)». ببساطة العيش، لم تكن هناك ثلاجات تحفظ الطعام ولا يوجد شيء يسمى مفرزنات ولا دجاج مجمّد تكمل الوالدة سالمة حديثها: «أول كله ناكل دجاج حي نربي ونذبحهم، ونربي الخرفان ونذبحهم للشوربة أو مع العيش». أما التحلية، فكانت بسيطة بساطة أرواحهم مثل الكستر والسخونة.

وتستذكر الوالدة سالمة ليالي ميابين الهادئة في رمضان، الذي كان يعلوه صوتٌ شجي يطرق الأبواب قبل الفجر فتقول: «المسحراتي يجي قبل أذان الفجر ينبهنا، وبصوته العالي يقول: يا نايمين الليل قوموا تسحروا، وكان عنده مجموعة من القصائد يقولها لمى يمشي بين الحواير». كان المسحراتي يعرفهم جميعا فردا فردا، ينادي كل شخص باسمه عندما يصل إلى بيوتهم. وتكمل الوالدة سالمة حديثها عن المسحراتي الذي مازالت إلى اليوم تحتفظ باسمه، سعيد مرقة فتقول: «يوم يوصل بيتنا تسمعه يقول يا خميس قوموا تسحروا، يا نايمين الليل قوموا تسحروا، وتسمعي أهل الحارة يقولوا هذاك جاء جاء سعيد مرقة». وفي تلك اللحظة، تتحول الحارة كلها كخلية نحل تضج بالحياة تقول الوالدة سالمة: «عاد تسمعي صوت الوعيان كل حد قايم ويطبخ، كنا وناكل السحور ساخن، كانت أجواء غير».

اليوم، حين تنظر الوالدة سالمة إلى تلك السكك الهادئة، يحفها الشوق لزمان كان فيه التواصل أكثر عمقا من كل انشغال، وتكمل حديثها بحنين لذلك الوقت : « أول المسحراتي والقرنقشوه كانت غير، وبعد السحور كنا نطلع مع الجيران نجتمع للقهوة، وكل بيت يجيب قهوته معاه ونجلس في الحارة، تو ماشي الناس كلها صارت مشغولة». هذه حكاية حارة ميابين التي ترويها الوالدة سالمة الغماري -أطال الله في عمرها- تذكرنا أن رمضان الحقيقي كان يسكن في لمّة الحارة وصوت المسحراتي ورنين فناجين القهوة، وسوالف الجيران.

أما عن أيام بنت يوسف السنيدي، فتقف عند عتبة المقارنة برؤية تملؤها الحكمة، وتسرد لنا الفرق بين زمنين؛ فتقول: «رمضان الماضي كان بسيطا والحياه كانت برتابة هادئة بسيطة غير مكلفة، ولكن اليوم الوضع أصبح أكثر تكلفا في أيام رمضان وقلّ الترابط الاجتماعي». هي لا تلوم الزمان، بل تعود بالسبب لكثرة الأعمال التي أدت إلى انشغال الناس عن بعضها، كما باتت المسافات بين البيوت أبعد مما كانت عليه. عن سرِ هذا التباعد، ترى أيام السنيدي أن مواقع التواصل كذلك سرقت وقت الناس فتقول: «واحد من أسباب قلة الرابط الاجتماعي هي مواقع التواصل الاجتماعي، ورغم أنَّ الجماعات ما زالت مستمرة، بس بشكل بسيط لكنها محاصرة بسبب ضيق الوقت والدوامات البعيدة التي لا تترك للروح مساحة كافية للتلاقي».

وعلى مائدة الإفطار، ترصد أيام السنيدي تحولا من البساطة إلى التنوع والتكلفة، فبينما كانت الموائد في الماضي تكتفي بالقليل، أصبحت موائد اليوم أكثر تعددا وترفا في الأصناف، وحتى في طريقة التقديم، وتضيف: «أصبحت موائدنا اليوم عامرة بتنوع الأصناف، متأثرة بمقاطع الطبخ التي تسللت من مواقع التواصل وغيرت حتى في ذائقة الناس وعاداتهم. هذا التنوع المادي، قابله للأسف كثرة الإسراف». كما تفتقد أيام السنيدي عادات غابت اليوم من سكة الحارات فتقول: «حاراتنا غاب عنها المسحراتي وأصبحت المنبهات بدلا من صوته، اختفت التجمعات العفوية لأهل الحارة بعد صلاة التراويح، كل شيء تغير وترك فراغا لا تملؤه التكنولوجيا».

رمضان في سِكك «طوي ستال»

ومن قرية طوي ستال في نخل بالقرب من عين الثوارة وبين سكينة البساتين، يستذكر الوالد سالم الخنجري حكايات الصيام وأياما كانت تعاش بالبركة، في بيئة خالية من تعقيدات الكهرباء والتكنولوجيا فيقول: «زمن أول ما شي تلفزيون، كنا نعرف عن دخول رمضان بمدافع القلعة ومن مكاتب الولاة». ويكمل الوالد سعيد : «كنا من نسمع دخول رمضان نطلق السلاح». وعن بساطة الإفطار يقول: «أول ما كان معنا فطور كما تو كله زيوت، كنا نفطر على قهوة وتمر خصاب يخلى لرمضان، وكان وقتها يوصل سعره 90 ريالا، بعدين نتعشى عيش وخبز المتوفر».

ويستذكر: «زمان ماشي كهرباء وكنا نفطر مع أهلنا فوق السطح». وعن الصلاة في مساجد الحارة التي لم تكن حينها بضخامة مساجد اليوم يروي: «زمان أول ماشي مساجد كبار مثل تو، مساجد قليلة، ما كان شي مكبرات صوت، الصغيرين من يسمعوا الأذان يجيو يزعقوا: أذن أذن». ويضيف: «من بعد الصلاة نتجمع وكل واحد يجيب قهوته». فالمؤذن كان هو من يوقظ النائمين للسحور وتتحول نداءاته إلى أصدق منبه عرفه الناس وقتها.

أما عن الابن أسلم بن سالم الخنجري، فيؤكد أن الإفطار في الحارة له طعم آخر. ويصف أسلم الخنجري يوما رمضانيا في حارته طوي ستال منذ بداية الفجر فيقول: «في البلد أغلب بيوتنا بدون حوش، نحن والجيران واحد». ويبدأ اليوم بتنظيف الطرقات وتسريح الأغنام ومع حلول العصر، تبدأ رائحة الأطعمة، القهوة تفوح برائحتها الزكية تلتف حول الحارة.

ويضيف: «الحارة تتحول إلى مطبخ كبير، وعند اقتراب أذان المغرب، يبدأ الجيران بتبادل أطباق الطعام، وبعدها يجتمع أغلب الرجال في المسجد لإدراك بركة الإفطار الجماعي».

أما بعد التراويح فله حكاية أخرى، بينما تجتمع الجارات للقهوة، يفتح الشباب أبواب البيوت للرمسة والسهر ولعب الكيرم أوالمشاركة في مباريات كرة الطائرة في الحارات الأخرى. يقول أسلم : «كنا لا نهتم بالتلفزيون، كثر ما نهتم بالتجمع والاستمتاع بالعادات الرمضانية الجميلة». ويضيف: «وحتى السحور كنا نحس بطعم آخر نقوم من النوم ع وجبة العيش واللبن».

واليوم، تبدلت الملامح قليلا، توسعت العوائل واستقر أغلب الشباب في مسقط. يقول أسلم: «صار الإفطار الجماعي يوما واحدا فقط طوال الشهر، نتجمع في المجلس العام أو الأماكن المفتوحة». ويضيف: «حتى بعض العادات الصحية تغيرت، كما أصبحت وجبة الساعة العاشرة أو الحادية عشرة ليلا هي المحطة التي تجمع بين وجبة العشاء وبين السحور، ومع مشاغل الحياة التي بدأت تبعدنا تدريجيا عن أجمل اللحظات».

ولكن، وبرغم هذا التوسع يبقى الأمل معقودا على شباب اليوم وهمتهم في إحياء الحارات من جديد، بتزين السكيك والممرات، والإفطار الجماعي لأهل القرية، في محاولة لاستعادة بهجة المكان وروحه. كما أن النساء بحرصهن المعهود يحافظن على التجمع للقهوة وما زالت الأطباق تطوف المنازل. فمهما تباعدت المسافات وزادت الانشغالات، يرجعهم الحنين ليعيشوا تفاصيل رمضان في سكون القرية ودفء الجيرة. وتظل قرية طوي ستال هي البيت الكبير الذي يجمع أبناءه.

رمضان «فنجاء»

ومن فنجاء وعلى مدخلها البهيج وأبوابها المشرعة للقادمين، يستقبلك سوق الحرفيين. هذا السوق الذي لا يزال قائما كمتحف للفخاريات التي تشكلت بأصابع الأجداد وتوارثها الأبناء، يتميز السوق بمحلات صناعة وبيع المناديس والسحاحير القديمة التي تحفظ في عمقها حكايات التاريخ. يقصده الناس اليوم من كل مكان لتزيين زوايا بيوتهم ومطاعمهم لرمضان بلمسة تحمل ذكرى الماضي وعراقته، باحثين فيه عن تلك المجامر والأواني الفخارية التي تصنع يدويا.

ومن سوق الحرفيين وأصالته، ننتقل إلى التحولات في الحياة الاجتماعية والفروقات الرمضانية التي عاشها ماجد بن علي بن سعيد الحارثي في فنجاء؛ حيث يؤكد الحارثي بقوله: «إن أهم هذه الفوارق هو التدخل التكنولوجي، الذي يغير سلوكنا اليومي، وعبث حتى بالمشاعر واستبدلها بأحاسيس وهمية خلف ألواح تكنولوجية باردة، وكأن لسان حال المكان يردد:

وذكرى دارا كان بالأمس عامرا .. عفتها خطوب والحمام يغلِّق

ويكمل قوله: «لقد قلت الزيارات العائلية والتجمعات عن السابق، لكن يأتي رمضان ويجمع الأحبة وتحفهم ابتسامات أجدادنا». وهذا الجمال يقابله مشهدٌ يحزّ في النفس كما يقول الحارثي: «يحز في خاطرنا الهدر الذي يعقب هذه التجمعات، والإسراف في موائد الطعام لفرض تنوع بصري ينتهي غالبا في سلال المهملات». ويكمل الحارثي: «أتمنى أن نرى تواضعا في الأطباق، والعودة لغذاء القرى البسيط ذي القيمة العالية، بعيدا عن تعقيدات الزيوت والمعلبات والسكريات». وبين تجمعات الماضي على الفطور، تصبح صورة السفرة اليوم أهم من بركة الاجتماع عليها.

«الغافات» قصة إفطار جماعي قاوم الغياب

ومن قرية الغافات في بهلا يحكي لنا أحمد الهنائي من ذاكرته الرمضانية عن زمن كان فيه الجار هو السند والمائدة تؤكل في وسط الحارة؛ حيث يقول مستذكرا تلك اللمّة : «عاداتنا في رمضان زمان كنا نتجمع، وكل عائلة وكل جار يجيب ما تجود به يده لنفطر». ولكن هذه العادة والتجمع التي يصفها الهنائي بدأت تتلاشى مع الوقت والانشغالات، ولكن لم يتركها أهل «الغافات» للنسيان، بل قرروا استردادها ويكمل الهنائي: «تقريبا من سنتين أحيينا هذه العادة، بهمة الشباب، فكل جمعة من رمضان نجتمع في الحارة القديمة نفطر مع بعض في أجواء روحانية تزداد بهاء وعددا في كل عام». وفي مبادرة مجتمعية تعكس روح الإبداع، اكتست الحارة الأثرية حلة رمضانية مميزة في هذه الأيام؛ حيث نفذ عمل فني تشكيلي بالإضاءة بأكثر من 300 وحدة، جسدت الهلال وعبارة (رمضان كريم). هذا العمل الذي جاء بجهود شباب قافلة الكور الخيرية، أعاد الروح لزوايا الحارة القديمة.

ويرى الهنائي أنَّ أكبر فرق هو أن رمضان سابقا كان أبسط وأقرب بين الناس، أما اليوم فأصبحت البيوت أكثر صمتا. ويحكي: «اليوم أصبح رمضان أكثر هدوءا داخل البيوت، وأقل حركة في الأزقة والمجالس». وعن أثر التقنية، يقول الهنائي: «آراها من ناحية إيجابية في سهولة التواصل ومعرفة أوقات الصلاة، إلا أنَّ أثرها السلبي كان أعمق، فالتلفاز والهواتف جعلت كل أسرة منشغلة داخل بيتها». وحول الزيارات سابقا والتي كانت يومية أو شبه يومية وبدون مواعيد مسبقة، يختم أحمد الهنائي رؤيته ورغبة في التغيير: «اليوم أصبحت الزيارة تحتاج تنسيقا، وأحيانا تستبدل بمكالمة أو رسالة». وبين أيدي الشباب، تبعث طقوسنا الرمضانية من جديد وسط حاراتنا؛ والألفة العمانية قادرة على الاشتعال بنور يضيء كل السكك والحارات.

Image