الاقتصادية

هل تتحول دول الخليج إلى مراكز لإنتاج أشباه الموصلات؟

05 يناير 2026
05 يناير 2026

زاد الطلب العالمي على أشباه الموصلات في الآونة الأخيرة مدفوعًا بطفرة الذكاء الاصطناعي، حيث ارتفعت الصادرات في أغلب الأسواق العالمية باستثناء الولايات المتحدة والصين نتيجة التعريفات الجمركية.

وفي استطلاع صحفي حي أجرته «عُمان» مع عدد من المختصين والخبراء في صناعة أشباه الموصلات في دول الخليج حول تأثير التوترات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد العالمية على سوق أشباه الموصلات، وإمكانية إعادة توزيع مراكز الإنتاج خلال السنوات المقبلة.

أجمع الخبراء على أن دول الخليج مؤهلة لتكون مراكز إنتاج عالمية لصناعة أشباه الموصلات لما تتمتع به من استقرار في علاقاتها الدولية، وتوافر عناصر جاذبة للاستثمار من بينها البنية الأساسية ورأس المال.

وقالوا لـ«عُمان»: إن المرحلة المقبلة تتطلب تركيزا أكبر على التكامل والتعاون الإقليمي، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وبناء منظومة متكاملة لصناعة أشباه الموصلات، منوهين على أهمية عقد لقاءات ومؤتمرات دورية تجمع دول المنطقة لتنسيق الجهود، وتبادل الخبرات، وتوزيع الأدوار داخل سلسلة القيمة.

وأوضح صلاح ناصري، الرئيس التنفيذي لمجموعة صناعة أشباه الموصلات الدولية، أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة والتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة على الصعيدين السياسي والاقتصادي تفرض واقعًا جديدًا على قطاع التكنولوجيا المتقدمة، لاسيما صناعة أشباه الموصلات، التي باتت تتأثر بشكل مباشر بتغير مراكز الإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية.

بيئات مستقرة

وأوضح صلاح ناصري، أن منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها سلطنة عُمان، باتت تحظى باهتمام متزايد في الوقت الذي تبحث فيه الشركات العالمية عن بيئات مستقرة ومحايدة نسبيًا في العلاقات الدولية، إلى جانب توفر عناصر جاذبة للاستثمار مثل البنية الأساسية ورأس المال.

وأشار إلى أن سلطنة عُمان تمثل نقطة التقاء مهمة للمواهب القادمة من دول مختلفة، حيث توفر بيئة ثقافية واجتماعية متقاربة، وفرصًا حقيقية للعمل والابتكار وتطوير التقنيات، دون الحاجة لهجرة هذه الكفاءات.

وبيّن صلاح ناصري أن توزيع مراحل الإنتاج حاليًا بين أمريكا وآسيا وأوروبا يفرض تكاليف زمنية ولوجستية مرتفعة، في حين أن إنشاء مراكز تصنيع وتجميع في سلطنة عُمان أو في دول الخليج يمكن أن يقلص مسافات النقل بنسبة تتجاوز 50%، ويسهم في تسريع وتيرة الإنتاج والابتكار.

واعتبر الحضور الدولي الواسع في قمة أشباه الموصلات العالمية التي استضافتها مسقط مؤشرًا على الثقة المتنامية في سلطنة عُمان كمركز ناشئ لصناعة أشباه الموصلات، لافتًا إلى أن الجهود التي بذلتها الجهات المنظمة والتنسيق مع الشركات العالمية أسهمت في ترسيخ صورة إيجابية عن بيئة الاستثمار في سلطنة عُمان.

وأضاف أن نحو 70 إلى 80% من المشاركين الدوليين يزورون عُمان للمرة الأولى، ما يعكس حجم الاهتمام العالمي بما تشهده سلطنة عُمان من تطورات في هذا القطاع، مشيرًا إلى أن هؤلاء استثمروا وقتهم وأموالهم للحضور والتعرف عن قرب على الفرص المتاحة.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تأهيل الكفاءات الوطنية بمهارات تقنية عالية، وتعزيز التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، وبناء منظومة متكاملة لصناعة أشباه الموصلات.

وأكدت الدكتورة سيما الكعبية، المديرة العامة للمديرية العامة لتحفيز القطاع ومهارات المستقبل بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، أن سلطنة عُمان تعمل على استقطاب الاستثمارات في صناعة أشباه الموصلات في إطار توجه استراتيجي يهدف إلى تحويل سلطنة عُمان إلى مركز إقليمي للتقنيات الحديثة، بما في ذلك قطاع أشباه الموصلات.

وأوضحت أن هذا التوجه يستهدف جذب الشركات العالمية العاملة في القطاع، والرؤساء التنفيذيين، والخبراء، والباحثين، ومراكز البحث والتطوير، لإطلاعهم على جاهزية سلطنة عُمان لتكون نقطة انطلاق لهذه الصناعة المتقدمة في المنطقة.

وبيّنت أن العمل يرتكز على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها البنية الأساسية، مؤكدة أن سلطنة عُمان تمتلك بنى تحتية متطورة وجاهزة لدعم هذا النوع من الصناعات، إلى جانب بناء القدرات الوطنية الذي يمثل محورًا أساسيًا في هذا التوجه.

وأوضحت الكعبية أن التركيز ينصب على توظيف الشباب العُماني، وإدخال التقنيات الحديثة إلى الاقتصاد الوطني، مشيرةً إلى أن الشركات التي يتم استقطابها تُلزم بتطبيق إطار المحتوى المحلي، ونقل المعرفة، وبناء القدرات داخل سلطنة عُمان.

مستقبل البيانات

وفي ذات السياق قال أسامة بن أحمد الراسبي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ألف مايكرو» لتصميم أشباه الموصلات: إن التحديات الجيوسياسية العالمية أسهمت في تسريع نمو قطاع أشباه الموصلات، موضحًا أن نهاية حقبة الرئيس الأمريكي جو بايدن شهدت صدور قانون الرقائق الإلكترونية (CHIPS Act)، الذي مثّل تحولًا جذريًا في خارطة صناعة أشباه الموصلات عالميًا، وأسهم في فك ارتباط صناعي استمر لعقود بين الولايات المتحدة والصين، مع فرض قيود صارمة طالت شركات كبرى.

وأكد أن هذه التطورات أعادت رسم حدود الصناعة عالميًا، وفتحت في الوقت ذاته زوايا جديدة تهم الشركات الناشئة في المنطقة.

وأوضح الراسبي أن عدد الشركات العاملة في تصميم أشباه الموصلات عالميًا ارتفع من مئات الشركات قبل سنوات قليلة إلى آلاف الشركات اليوم، مشيرًا إلى أن الصين وحدها تضم أكثر من 3 آلاف شركة في هذا المجال.

ولفت الراسبي إلى أن صناعة أشباه الموصلات تتمركز حاليًا في ثلاث مناطق رئيسية: أمريكا الشمالية، وأوروبا، وشرق وجنوب شرق آسيا، وأن الفارق الزمني الكبير بين هذه المناطق يشكل تحديًا حقيقيًا أمام العمل المتوازي، وليس فقط المتسلسل، ملفتًا إلى أن موقع سلطنة عُمان الجغرافي يضعها في نقطة وسط مثالية تسمح بتكامل العمليات بين الشرق والغرب، وتسهم في تسريع عمليات التصميم والتطوير والتواصل المستمر بين الفرق المختلفة.

وأشار الراسبي إلى أن العالم يعيش اليوم ما وصفه بـ«نافذة ذهبية» في صناعة أشباه الموصلات، مرجحًا ألا تستمر هذه الفرصة لأكثر من ثلاث إلى خمس سنوات، في ظل التوجه العالمي نحو السيادة السيليكونية، أسوةً بما يحدث حاليًا في مجال السيادة الرقمية والبيانات.

وأضاف: إن التوترات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومستقبل البيانات دفعت الدول إلى التفكير جديًا في توطين التقنيات الحساسة، بما في ذلك تصنيع وتصميم الرقائق الإلكترونية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولًا نحو التكامل الرأسي (Vertical Integration) في هذه الصناعة.

تعزيز الشراكات

من جهته أكد الدكتور أحمد الغامدي، نائب الرئيس التنفيذي للشؤون التقنية في الشركة السعودية للمواد الإلكترونية، أن دول الخليج تزخر بكفاءات شبابية ذات مؤهلات عالية، كثير منها تلقى تعليمه في أرقى الجامعات العالمية، مشيرًا إلى أن التوجه نحو صناعة أشباه الموصلات بات واضحًا على مستوى المنطقة، حيث أطلقت المملكة مبادرات استراتيجية مثل المركز الوطني لأشباه الموصلات، واستقطبت عددًا من الشركات الأمريكية والأوروبية، إلى جانب التوجه نحو تعزيز الشراكات مع الصين من خلال إنشاء مراكز متخصصة في مدينتي الرياض وجدة.

وأشار إلى أن دولة قطر بدورها دخلت هذا المسار عبر التعاون مع شركة IMEC البلجيكية لإنشاء مركز متخصص في هذا المجال، فيما تعمل سلطنة عُمان حاليًا على خطوات مماثلة لتعزيز حضورها في منظومة أشباه الموصلات العالمية.

ويأمل الغامدي أن تشهد المرحلة المقبلة تحول منطقة الخليج إلى مركز محوري عالمي لصناعة أشباه الموصلات، في ظل التكامل بين الرؤى الوطنية والاستثمارات وبناء القدرات البشرية.

وفي ذات السياق قال الدكتور عبدالله الشهري، مدير وحدة تطوير الأعمال بالشركة السعودية للمواد الإلكترونية: إن المنطقة تواجه تحديًا استراتيجيًا كبيرًا يتمثل في الاعتماد شبه الكامل على الخارج في صناعة أشباه الموصلات، وهي صناعة تدخل في جميع تفاصيل الحياة الحديثة، من الهواتف الذكية والأجهزة المنزلية إلى الطيران والأنظمة الصناعية المتقدمة.

وأشار الشهري إلى أن صناعة أشباه الموصلات نشأت وتطورت في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، في حين ظل الشرق الأوسط متأخرًا نسبيًا عن هذا المسار، إلى أن دفعت الجائحة العديد من الحكومات إلى إعادة النظر في هذا الواقع، ومن بينها دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

شح الإمدادات

وأضاف: إن هذه الدول بدأت خلال السنوات الأخيرة إطلاق مبادرات استراتيجية لبناء منظومة إقليمية متكاملة (Ecosystem) لصناعة أشباه الموصلات، بهدف تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على موردين خارجيين، خاصة في ظل احتمالات حدوث أزمات أو شح في الإمدادات من مناطق الإنتاج التقليدية.

وأكد الشهري أن بناء هذه المنظومة يتطلب تعاونًا إقليميًا منظمًا، مشددًا على أهمية عقد لقاءات ومؤتمرات دورية تجمع دول المنطقة لتنسيق الجهود، وتبادل الخبرات، وتوزيع الأدوار داخل سلسلة القيمة.

وأوضح أن بعض الدول يمكن أن تركز على التصميم، وأخرى على التغليف والاختبار (Packaging)، فيما تتخصص دول أخرى في التصنيع، بحيث تتكامل هذه الأدوار لإنتاج منتج نهائي تنافسي، معتبرًا أن هذا النهج كفيل بتسريع دخول المنطقة إلى هذه الصناعة بدل انتظار سنوات طويلة لبنائها بشكل منفرد.

وحول مستقبل الصناعة، أكد الشهري أن الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل أساسي على أشباه الموصلات، موضحًا أن الخوارزميات والبرمجيات لا قيمة لها دون عتاد تقني متقدم قادر على تشغيلها بكفاءة عالية وباستهلاك منخفض للطاقة.

وأكد الشهري أن المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان تمتلكان فرصة حقيقية للدخول المبكر في مجالات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مشددًا على أن التحرك السريع والتعاون الإقليمي وبناء القدرات الوطنية تمثل مفاتيح النجاح في المرحلة المقبلة.

بوابة لتصدير الرقائق الإلكترونية

وقالت خلود بنت خميس الحضرمية، أخصائية أولى للاستثمار التقني بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إن الفرصة متاحة أمام دول الخليج وسلطنة عُمان على وجه الخصوص لاستضافة جزء من العمليات التشغيلية لصناعة أشباه الموصلات.

وأوضحت الحضرمية أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسلطنة عُمان، الواقع في نقطة وسط بين الشرق والغرب، يمنحها ميزة تنافسية فريدة، حيث يمكنها أن تشكل بوابة لتصدير الرقائق الإلكترونية إلى الولايات المتحدة، التي تضم الشريحة الأكبر من العملاء النهائيين لهذه الصناعة، في وقت تتركز فيه معظم عمليات التصنيع في الصين وتايوان واليابان.

وبيّنت الحضرمية أن صناعة أشباه الموصلات تعتمد بشكل كبير على رأس المال البشري عالي التأهيل، ما يستدعي استثمارات حكومية مباشرة في بناء القدرات الوطنية، إلى جانب تطوير برامج تعليمية وتدريبية متخصصة.

ونوهت الحضرمية على أهمية تعزيز الربط بين المؤسسات التعليمية، من جامعات وكليات، وبين القطاع الصناعي، بما يضمن مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الصناعة.

وأشارت الحضرمية إلى أن العامين الماضيين شهدا حراكًا متسارعًا في مختلف دول المجلس، سواء على مستوى الأجهزة الاستثمارية الحكومية أو المستثمرين الأفراد، بهدف استقطاب جزء من هذه الصناعة أو الحصول على حصة من عوائدها الاقتصادية.

وأفادت أن الهدف من الجهود الحكومية لاستقطاب صناعة أشباه الموصلات يتمثل في تحقيق قيمة محلية مضافة عبر نقل المعرفة، وتوطين التقنيات المتقدمة، وتأهيل الكوادر الوطنية، بما يسهم في بناء منظومة مستدامة لصناعة أشباه الموصلات في سلطنة عُمان.