"نواة التمر" حين تتحول تفاصيل الطبيعة إلى مشروع
نزوى - أحمد بن عبدالله الكندي
من رحم التأمل في تفاصيل الطبيعة، وُلد مشروع «نواة التمر» لرائدة الأعمال عائشة بنت ودير البوسعيدية، كمبادرة ريادية تنطلق من فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالتها، تقوم على استغلال مورد طبيعي مهمَل وتحويله إلى منتجات ذات قيمة صحية وتجميلية، في نموذج يعكس وعيًا متناميًا بأهمية الاستدامة والاستفادة الذكية من الموارد المحلية.
فكرة انطلقت من التأمل
تقول عائشة إن فكرة المشروع جاءت من تأملها في خلق الله، حيث بدأت رحلتها مع التمر في بدايات بسيطة بصناعة "التمرية" باستخدام التمر والسمن والمكسرات والزعفران، ولاقت حينها إقبالًا لافتًا، وأثناء تلك المرحلة كانت تجمع نواة التمر لاستخدامها كطعام للحيوانات، قبل أن تتوقف عندها متسائلة: هل يعقل أن تكون نواة التمر خالية من الفوائد، وقد ورد فضل التمر في القرآن الكريم؟ ومن هنا بدأت رحلة البحث والتجربة؛ هذا التساؤل كان الشرارة الأولى لمشروع «نواة التمر»، الذي يقوم على إعادة اكتشاف القيمة الكامنة في مكوّن طبيعي اعتاد الناس تجاهله، وتحويله إلى منتج نافع يخدم الإنسان والبيئة معًا.
انطلقت البدايات الأولى للمشروع في يناير 2020، فيما شهد أبريل من العام نفسه أول منتج فعلي، وهو زيت نواة التمر، بعد سلسلة من التجارب المنزلية التي قامت بها صاحبة المشروع بنفسها، بدءًا من غسل النوى وتجفيفه وتعقيمه، وصولًا إلى تحميصه وطحنه واستخلاص الزيت؛ واستمر التركيز على زيت نواة التمر قرابة عام كامل، قبل أن تتوسع الفكرة نحو تطوير منتجات أخرى مكملة، تستهدف العناية بالشعر والبشرة، فكان إدخال حناء الشعر بنواة التمر، ثم صابونية نواة التمر ذات الترطيب العالي، إلى جانب مقشر البشرة "السنفرة" المحتوي على حبيبات النواة، لما لها من دور في الترطيب والتفتيح.
وبذلك، بات المشروع يضم أربعة منتجات رئيسية، يجمع بينها عنصر واحد هو نواة التمر، التي تحولت من مخلف طبيعي إلى أساس لمجموعة متكاملة من المنتجات.
تحرص عائشة على متابعة آراء الزبائن ومقترحاتهم بشكل مباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا الواتسأب والإنستجرام، معتبرة أن ملاحظات المستخدمين تشكل عنصرًا أساسيًّا في تطوير المنتجات وتحسين جودتها، وتعزيز الثقة بين المشروع والمجتمع.
وعن المردود الاقتصادي، تشير صاحبة المشروع إلى أن أسعار منتجاتها بسيطة وفي متناول الجميع، مؤكدة أن هدفها ليس تحقيق أرباح كبيرة بقدر ما هو تعميم الفائدة؛ وتوضح أن العائد قد لا يوازي حجم الجهد المبذول، لكنه يحقق لها الرضا المعنوي والشعور بقيمة ما تقدمه للمجتمع.
لا تقف طموحات عائشة عند ما تحقق، إذ تتطلع مستقبلًا إلى امتلاك أجهزة متخصصة لاستخلاص الزيت النقي من نواة التمر، بما يرفع من كفاءة الإنتاج وجودته، إلى جانب تطلعها إلى الحصول على الدعم والتعريف بمشروعها على نطاق أوسع.
ختاما يجسد مشروع "نواة التمر" تجربة ريادية نابعة من الوعي بقيمة الموارد المحلية، ويعكس كيف يمكن لفكرة صغيرة، حين تقترن بالإيمان والاجتهاد، أن تتحول إلى مشروع يحمل بُعدا اقتصاديا وبيئيا وإنسانيا، ويؤكد أن الريادة ليست دائما في الابتكار المعقّد، بل أحيانا في إعادة النظر فيما نمرّ عليه كل يوم دون أن نلتفت إليه.
