عبدالكريم بكار: العالم اليوم يعود إلى الرؤية القرآنية.. والإنسان هو رأس المال الحقيقي
في ندوة "القرآن وبناء الإنسان" التي نظمتها مؤسسة جابر بن زيد الوقفية مؤخرا، قدّم الأستاذ الدكتور عبدالكريم بكار محاضرة مطوّلة بعنوان "مفاهيم قرآنية في البناء والتنمية"، تناول فيها جملة من المفاهيم التي رأى أنها تمثل الأساس الحقيقي لبناء الإنسان وصناعة النهضة، مؤكدا أن القرآن الكريم يمثل مرجعية شاملة "تضيء حياتنا الخاصة والعامة" وتمنح الإنسان القدرة على فهم ذاته وموقعه في الكون والحياة، وأدار هذه المحاضرة د. أحمد بن سعيد الرمحي.
واستهل الدكتور بكار محاضرته بالحديث عن مكانة القرآن الكريم في حياة الأمة الإسلامية، مشيرا إلى أن الله تعالى "أكرمنا بنزوله وأكرمنا أيضا بحفظه"، لافتا إلى أن الأمة الإسلامية هي الأمة الوحيدة التي تحفظ كتابها عبر ملايين الحفظة من مختلف الأعمار والأجناس، وقال: "لا يختلفون لا في ضمة ولا في فتحة ولا في كسرة"، مستحضرا في هذا السياق مناظرة الشيخ أحمد ديدات مع القس الأمريكي سوا جارت في لوزيانا عام 1986، حين تحداه ديدات أن يجد مخطوطتين متطابقتين للإنجيل، في إشارة إلى خصوصية الحفظ القرآني عبر القرون.
وأوضح أن المفهوم القرآني ليس مجرد مصطلح لغوي، وإنما "إطار إدراكي يحتوي على شبكة من المعلومات التي تصور الواقع كما هو عليه وكما نفهمه ونعرفه"، مضيفا أن كل مفهوم في القرآن يحمل داخله عالما واسعا من المعاني والدلالات، ولهذا فإن التفاعل مع المفاهيم القرآنية يعد من أعظم صور البر بالقرآن الكريم، لأن "الدلالات والمفاهيم لا حدود لتطبيقاتها"، وكل عصر يكتشف صورا جديدة لتجليات هذه المفاهيم في الواقع والحياة.
وأشار إلى أن كثيرا من الجهود المبذولة في خدمة القرآن تتجه نحو الحفظ، مع أن الله تعالى تكفل بحفظ كتابه، بينما يبقى جانب التدبر والتفاعل مع المفاهيم أقل حضورا، وقال: "نجد أن معظم الجهد مصروف للحفظ، يعني للشيء الذي تكفل الله به، وقليل من الجهد هو ذاك الذي يصرف للتدبر وللتفاعل ولتوسيع المفاهيم"، مؤكدا أن المفهوم "يتسع بحسب اتساع العقول التي تنظر فيه"، وبحسب الخلفيات الثقافية والمعرفية للمتعاملين معه.
وبين أن المقصود بالتفاعل مع القرآن هو "التأمل، والتفكر، والاستنباط، والاسترشاد، ومحاولة إيجاد صور عملية، وتوسيع المفهوم"، مشددا على أن القرآن الكريم والسنة النبوية يتمحوران حول الإنسان قبل أي شيء آخر، وقال إن أكثر من 95 بالمئة من الآيات والأحاديث "يتحدث بطريقة ما عن الإنسان، عقيدة الإنسان، تاريخ الإنسان، أخلاق الإنسان، واجبات الإنسان، مصير الإنسان، علاقات الإنسان"، في حين أن الآيات المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة قليلة جدا وعامة.
وأكد أن بناء الإنسان كان جوهر المشروع النبوي في مكة والمدينة، موضحا أن العالم الحديث عاد بصورة أو بأخرى إلى هذه الرؤية القرآنية، بعد أن تغير مفهوم رأس المال الوطني لدى الأمم. وقال إن الدول في الماضي كانت تقيس قوتها بما تملكه من أراض وثروات طبيعية ومواقع استراتيجية، أما اليوم فإن "رأس المال الجديد كله الآن يتمحور حول الإنسان"، من أفكار ومفاهيم وإبداعات ومؤسسات تعليمية وتدريبية.
وضرب أمثلة بشركات البرمجة والذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن قيمتها السوقية تجاوزت شركات صناعية عريقة عمرها أكثر من قرن، لأن الأولى تقوم على "صناعة المخ الإنساني" بينما تقوم الثانية على الآلات، وقال: "العالم اليوم يعود إلى الرؤية القرآنية، الإنسان الإنسان"، داعيا إلى الاستثمار بسخاء في التعليم والتربية باعتبارهما الطريق الحقيقي للنهوض، وأضاف: "ما ممكن ننهض إذا لم ينهض الإنسان".
وشدد على أن المؤسسات التعليمية ينبغي ألا يقتصر دورها على نقل المعرفة، بل أن تتولى "النهوض بالعقل وبالروح وبالفكر وبالأخلاق"، داعيا إلى إعادة الاعتبار للتربية بوصفها "صياغة جديدة للإنسان"، ومؤكدا أن الأجيال السابقة كانت أكثر اهتماما بالتربية من الأجيال الحالية.
وفي حديثه عن مفهوم التزكية، أوضح الدكتور بكار أن الكلمة تحمل معنيين رئيسيين هما التطهير والنماء المبارك، لافتا إلى أن بعض المتصوفة كانوا يعبرون عن ذلك بمفهومي "التخلية والتحلية"، أي تخليص النفس من أمراضها كالحسد والكبر والرياء، وتحليتها بالفضائل من صدق وإخلاص وأمانة ومحبة للخير.
وأشار إلى أن جوهر التزكية يتمثل في "الانتقال من العبادات الصغرى إلى العبادة الكبرى"، مبينا أن الإنسان قد يعبد المال أو الشهرة أو النفوذ أو التسلط بصورة خفية، بينما التزكية الحقيقية هي تحرير الإنسان من هذه العبوديات والانقياد لله سبحانه وتعالى وحده، وقال: "هذا هو جوهر التزكية، الانتقال من هذه العبادات المنحرفة إلى العبادة الحقيقية".
وأكد أن الطريق إلى الفضائل لا يكون إلا عبر المجاهدة، مستشهدا بقوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"، موضحا أن التخلص من الرذائل والتحلي بالفضائل يحتاج إلى "مسار طويل من المجاهدة"، لأن النفس بطبيعتها تميل إلى الراحة وإلى الانجذاب نحو الشهوات والأهواء.
وانتقل بعد ذلك إلى مفهوم الإحسان، مبينا أن له معنيين متكاملين: الأول هو الزيادة على الواجب، والثاني هو الإتقان، وقال إن الإحسان "مثل الجمال هو الحيوية القادرة على اختراق كل الأشياء"، فكل الأعمال يمكن أن تؤدى بطريقة جميلة متقنة، كما يمكن أن تؤدى بصورة رديئة خالية من روح الإحسان.
وأوضح أن الإتقان يمثل زيادة في النوعية، بينما يمثل التطوع زيادة في الكمية، ولهذا فإن الإحسان في مجموعه هو "الزيادة على المطلوب كما أو نوعا"، مشيرا إلى أن المجتمعات المتحضرة تميل بطبيعتها إلى التوسع في الإتقان والتفنن في الأشياء، لأن الحضارة تتجاوز حدود الضرورات إلى آفاق الجمال والكمال.
وأكد أن للإحسان مكافأتين: مكافأة أخروية عند الله تعالى، وأخرى دنيوية يشعر بها الإنسان في داخله، تتمثل فيما سماه "الرفاهية الروحية" و"التأنق الداخلي"، لأن الإنسان حين يتجاوز دائرة الواجب إلى دائرة البذل والعطاء يشعر بمعنى أعمق للحياة.
وساق في هذا السياق قصة الليث بن سعد الذي كان يسافر في ثلاث سفن، واحدة له وأخرى لأهله وثالثة لطلابه، ومع ذلك لم تجب عليه الزكاة لأنه كان ينفق ماله باستمرار، كما نقل حوارا مع أحد معارفه الذي قال إنه لا يدخر المال بل ينفقه في سبيل الله، معتبرا أن هذا النوع من السلوك يعبر عن "قمة التوكل" والثقة فيما عند الله.
وتوقف الدكتور بكار عند تحولات فهم الإنسان لمعنى السعادة والعطاء عبر مراحل العمر، قائلا: "حين نكون صغارا نظن أن السعادة في الأخذ، فإذا كبرنا اكتشفنا أن السعادة في العطاء"، موضحا أن العطاء الحقيقي لا يقتصر على المال، بل يشمل "التعاطف والمساندة والتشجيع ومنح الرؤية ومنح الرسالة"، وهو ما قدمه الأنبياء للبشرية عبر التاريخ.
وفي حديثه عن مفهوم التساؤل، أكد أن القرآن الكريم قدم نموذجا مبكرا للحوار والتساؤل من خلال حوار الملائكة مع الله سبحانه وتعالى عند خلق آدم، مشيرا إلى أن التساؤل ليس خطرا على الحقيقة كما يظن البعض، بل هو وسيلة لاكتشافها وكشف الزيف وتحطيم الجمود الفكري.
وقال: "كل النهضات الحضارية تبدأ بالأسئلة"، موضحا أن المجتمعات التي تتوقف عن طرح الأسئلة تدخل في حالة من الجمود والرضا السلبي بالواقع، بينما يؤدي التساؤل إلى فتح آفاق جديدة للفهم والبحث والتطوير.
واستشهد بما حدث بعد الحملة الفرنسية على مصر، حين بدأ المسلمون يتساءلون عن أسباب تقدم الغرب وتأخرهم، كما أشار إلى السؤال الشهير الذي وُجه إلى شكيب أرسلان حول أسباب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم، وهو السؤال الذي تحول لاحقا إلى كتاب معروف يحمل العنوان ذاته.
وأكد أن السؤال يكشف عقلية الإنسان أكثر من الجواب، مستحضرا تجربته في التدريس الجامعي حين كان يختبر طلابه عبر الأسئلة التي يطرحونها لا عبر الأجوبة فقط، لأن "السؤال يصدر من عقل يشعر أن ما نعرفه أقل من الحقيقة"، وأن هناك دائما ما يمكن اكتشافه وتعلمه.
وتناول بعد ذلك مفهوم المسؤولية، معرفا إياها بأنها "التزام يحمل الشخص تبعة أفعاله"، سواء ما يجب عليه فعله أو ما يجب عليه تركه، موضحا أن الشعور بالمسؤولية يمثل علامة على الوعي الحضاري والتحضر الإنساني.
وأشار إلى الفرق بين الإنسان البدائي الذي يشعر بالمسؤولية تجاه نفسه فقط، والإنسان المتحضر الذي تتسع دائرة مسؤوليته لتشمل الأسرة والمجتمع والأمة والإنسانية والأجيال القادمة، مستشهدا بمواقف الصحابة الكرام مثل موقف سعد بن معاذ في غزوة بدر، حين أعلن استعداد الأنصار لتحمل المسؤولية الكاملة إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم.
وتوقف الدكتور عبدالكريم بكار عند مفهوم المسؤولية بوصفه أحد المفاهيم المركزية في البناء الحضاري، مؤكدا أن الإنسان كلما ارتقى وعيه اتسعت دوائر مسؤوليته، ولم يعد ينظر إلى نفسه باعتبارها مركز العالم، بل باعتباره جزءا من شبكة واسعة من الواجبات والالتزامات. وقال إن الإنسان المتحضر "يشعر بالمسؤولية عن نفسه، وعن أسرته، وعن بلده، وعن أمته، وعن الإنسانية، وعن الأجيال القادمة"، معتبرا أن هذا الاتساع في الشعور بالمسؤولية هو ما يميز المجتمعات الحية القادرة على الاستمرار.
وأشار إلى أن الاهتمام العالمي بقضايا البيئة اليوم نابع من هذا الإحساس بالمسؤولية تجاه المستقبل، موضحا أن الإنسان الواعي يتعامل مع البيئة كما يتعامل العالم مع مكتبته الخاصة، يعتني بها ويضيف إليها ثم يتركها أكثر اكتمالا وغنى لمن يأتي بعده. وقال إن الحفاظ على البيئة ليس مجرد سلوك إداري أو قانوني، بل تعبير عن شعور أخلاقي عميق تجاه الأجيال المقبلة.
وأوضح أن القرآن الكريم يربط الإنسان دائما بمسؤوليته الفردية والجماعية، مستشهدا بقوله تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة"، وقوله سبحانه: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"، مؤكدا أن المسؤولية في التصور الإسلامي تشمل علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بالله تعالى، وعلاقته بالناس.
وفي سياق حديثه عن التربية الأسرية، انتقد الدكتور بكار أساليب التدليل المفرط التي تجعل الأبناء عاجزين عن تحمل أعباء الحياة، وقال إن بعض الأسر "تربي أولادها على أن غيرهم يخدمهم"، فينشأ الطفل وهو غير قادر على الاعتماد على نفسه أو إدراك صعوبة الحياة. وأكد أن من الضروري تدريب الأبناء على تحمل المسؤوليات منذ الصغر، كترتيب الغرف والمشاركة في الأعمال المنزلية والاعتماد على الذات.
وأشار إلى أن المجتمعات الغربية، رغم ثرائها، لا تعتمد كثيرا على الخدم والشغالات كما هو الحال في بعض المجتمعات العربية، مستشهدا بصورة للمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل وهي تتسوق بنفسها في سوق للخضار، لافتا إلى أن هذه المجتمعات تدرك أهمية تنشئة الأبناء على تحمل المسؤولية لا على الاتكالية.
وأكد أن الإحساس بالمسؤولية يحرر الإنسان من عقلية الضحية ومن الاستسلام لما يعرف بـ"نظرية المؤامرة"، موضحا أن هناك فرقا بين الاعتراف بوجود مؤامرات ومصالح دولية، وبين تحويل ذلك إلى تفسير شامل لكل مظاهر التخلف والعجز. وقال: "بدل أن نشعر بأننا ضحايا نقول لا، نحن مسؤولون، نحن نتحمل مسؤولية الأوضاع التي نحن فيها"، مضيفا أن الأمم الإسلامية كانت يوما ما في موقع الريادة، لكن تراجعها جاء نتيجة التخلي عن أسباب النجاح التي صنعت تفوقها الحضاري.
وانتقل المحاضر بعد ذلك إلى الحديث عن مفهوم المدافعة، واصفا إياه بأنه "مفهوم قرآني أصيل وعميق"، يقوم على حفظ التوازن ومنع الفساد والانهيار في الحياة الإنسانية. وأوضح أن المدافعة في التصور القرآني ليست صراعا عبثيا أو انتقاميا، وإنما "صراع مقيد بالأخلاق ومقيد بالعدل"، فلا يجوز مقابلة الباطل بباطل مثله، ولا الظلم بظلم آخر، بل يكون التصدي للباطل بالحق وللظلم بالعدل.
وأشار إلى أن قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا" يؤسس لفكرة الصراع المنضبط بالقيم الأخلاقية، لافتا إلى أن هذا ما يميز التجربة الإسلامية في التعامل مع الخصوم والأسرى عبر التاريخ.
وبيّن أن المدافعة لا تقتصر على الجانب العسكري، وإن كان ضروريا لحماية الأوطان والسيادة، بل تشمل أيضا المدافعة الفكرية والثقافية، من خلال القدرة على مناقشة الرأي بالرأي والبحث بالبحث والحجة بالحجة. وقال إن حماية العقل الإسلامي من التشويه تستلزم امتلاك "مكنة فكرية حقيقية" قادرة على مواجهة الأفكار بالحوار العميق لا بالشعارات والانفعالات.
غير أنه اعتبر أن "أهم أنواع المدافعة هو مدافعة النماذج"، موضحا أن الأمم لا ترتقي بالأفكار المجردة وحدها، وإنما ترتقي بالنماذج العملية الناجحة التي تجسد تلك الأفكار على أرض الواقع. وأضاف: "الأفكار موجودة بأكثر مما نحتاج، لكن النموذج هو خلاصة النية والوعي والسعي واستخدام الأدوات والاستفادة من البيئة".
وأكد أن الصراع الحضاري الحقيقي هو "صراع نماذج"، وأن أي أمة تريد التفوق الحضاري لا بد أن تنتج نماذج متفوقة في الأخلاق والإدارة والتعليم والصناعة والتنظيم والمعرفة. واستحضر في هذا السياق ما كانت عليه الحضارة الإسلامية في القرون الماضية، حين كانت المكتبات الأوروبية تضم موظفين يتقنون اللغة العربية بسبب كثرة المخطوطات العربية التي كانت تمثل ذروة المعرفة الإنسانية في ذلك العصر.
وقال إن العقل البشري "يصدق ما يرى وليس ما يسمع"، ولذلك فإن الأمة التي تريد إقناع العالم بتفوقها لا يكفي أن ترفع الشعارات، بل عليها أن تقدم نماذج ناجحة يراها الناس في الواقع. وأضاف أن من أبرز نقاط القوة المتبقية في المجتمعات الإسلامية اليوم قوة الأسرة والعلاقات الاجتماعية، معتبرا أن الحياة الاجتماعية في المجتمعات العربية والإسلامية ما تزال أكثر دفئا وإنسانية من كثير من المجتمعات الغربية بسبب ترابط الأسر والجيران والأصدقاء.
وتحدث بعد ذلك عن مفهوم النظرة المستقبلية، مؤكدا أن الإنسان الناجح هو الذي يمتلك القدرة على استشراف مآلات الحاضر ونتائج الأفعال والقرارات. وعرّف النظرة المستقبلية بأنها "استبصار عقل لمستقبل أعمال وأنشطة وأوضاع حالية"، موضحا أن المستقبل نوعان، مستقبل تفصيلي غيبي لا يعلمه إلا الله، ومستقبل تحكمه السنن والقوانين العامة ويمكن للإنسان أن يستشرفه.
وأشار إلى أن السنن الكونية واضحة، فالمجتهد ينجح غالبا والمتكاسل يفشل غالبا، ومن يزرع يحصد، مؤكدا أن التفكير في المستقبل ليس ادعاء لمعرفة الغيب، بل قراءة للسنن والعواقب والنتائج المحتملة، وأوضح أن الحاضر من الناحية الفيزيائية "يكاد يكون وهميا" لأن الإنسان يدرك الأشياء بعد وقوعها مباشرة، لكن العقل يستطيع أن يوسع الحاضر عبر الاستفادة من الماضي واستشراف المستقبل. وأضاف أن القدرة الحقيقية على الفعل تكمن في اللحظة الحاضرة، ولهذا فإن الوقت الذي يضيع لا يمكن استعادته.
وأكد أهمية قراءة التاريخ للاستفادة من العبر، محذرا في الوقت نفسه من "الاجترار الثقافي" والانغماس المرضي في الماضي على حساب الحاضر والمستقبل. وسخر من كثرة الشروح التي وضعت لبعض الكتب التراثية، قائلا إن بعضها يعكس "شغل اللي ما له شغلة"، لأن الأمة تحتاج إلى توجيه جهودها نحو الإبداع ومعالجة مشكلات الواقع بدلا من تكرار ما كُتب مئات المرات.
وأشار إلى أن الحاضر يضيع إذا لم يُضغط عليه بأهداف وخطط مستقبلية، موضحا أن كثيرا من الناس يمتلكون الذكاء والقدرات، لكنهم يعيشون في دائرة ردود الأفعال دون رؤية أو خطة واضحة لتطوير الذات والعمل والإنتاج. وقال إن النظرة المستقبلية ضرورية "للجامعة، وللمدرسة، وللمؤسسة، وللشخص، وللدولة".
كما دعا إلى بناء "العقلية المستقبلية" التي تفكر في العواقب والنتائج والمآلات، لافتا إلى أن الزمن "لا يعمل لمصلحة الأشياء"، بل يجعل الجديد قديما، والملائم غير ملائم، ولهذا فإن كل مؤسسة أو طريقة عمل تحتاج باستمرار إلى مراجعة وتطوير وتجديد، وفي محور إدارة الاختلاف، أكد الدكتور بكار أن الاختلاف سنة من سنن الله في الكون والحياة، مستشهدا بقوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"، موضحا أن الناس يختلفون بسبب تفاوت العقول والأمزجة والخلفيات والتجارب والطموحات، وقال إن المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، وإنما "تحويل الاختلاف إلى ثراء وتكامل"، مشيرا إلى أن التكامل يظهر بوضوح داخل الأسرة، حيث تختلف طبيعة الرجل عن المرأة بما يحقق التوازن والاستقرار.
وأوضح أن الخلاف يكثر عادة في الجزئيات والفروع، بينما يقل في الأصول والكليات، لأن العقل البشري بطبيعته لا يستطيع حسم كل التفاصيل الصغيرة بصورة قاطعة. ولهذا دعا إلى تجنب إطالة الجدل في المسائل الفرعية التي تحتمل الاجتهاد، مؤكدا أهمية احترام الرأي الآخر وعدم محاولة فرض الاجتهادات الشخصية على الناس، واستشهد بموقف الإمام الشافعي حين قال: "مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب"، معتبرا أن هذه العبارة تمثل قمة التواضع العلمي والانفتاح المعرفي. كما استحضر موقف الإمام أحمد بن حنبل حين نصح بعدم تسمية كتب الخلاف الفقهي بكتب الاختلاف، بل "كتب السعة"، لأن تنوع الاجتهادات يوسع على الناس ولا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للفرقة والتعصب.
وأكد أن إدارة الاختلاف تحتاج إلى جملة من القيم، أبرزها التواضع المعرفي، وحسن الظن، وحسن التأويل، والتمييز بين الفكرة وصاحبها، بحيث لا تتحول الخلافات الفكرية إلى تجريح شخصي أو إسقاط أخلاقي، وقال إن الهدف الحقيقي من الحوار ينبغي أن يكون الوصول إلى الحق لا الانتصار للنفس، مستشهدا بقول الإمام الشافعي: "ما ناظرت أحدا إلا أحببت أن يظهر الله الحق على لساني أو على لسانه". وفرق بين الحوار والنقاش، موضحا أن الحوار يقوم على تبادل الرؤى والإضاءة المتبادلة للنقاط التي لا يراها كل طرف، بينما يقوم النقاش السلبي على الرغبة في الغلبة والانتصار.
وتناول الدكتور بكار في الجزء الأخير من محاضرته مفهوم القوة، مؤكدا أن القوة في التصور القرآني ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحفظ الحق والعدل وصيانة الأوطان والمجتمعات. واستشهد بقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، موضحا أن الآية تؤكد أمرين، أولهما أن الإعداد يكون بحسب الاستطاعة، وثانيهما أن القوة مفهوم شامل لا يقتصر على الجانب العسكري، وأشار إلى أن القوة تشمل القوة العلمية والفكرية والصناعية والسياسية والمؤسسية والتنظيمية، مؤكدا أن من أهم صور القوة الحديثة "القوة المؤسسية" القائمة على القوانين العادلة والانضباط والشفافية والنزاهة والإنتاجية العالية.
وقال إن الضعف يؤدي دائما إلى الصراعات الداخلية والتفكك، سواء على مستوى الأسرة أو المؤسسة أو الأمة، بينما تمنح القوة الناس شعورا بالعزة والنجاح والثقة، وتجعلهم أكثر قدرة على التماسك والعمل المشترك. واختتم حديثه بالتأكيد على أن الأمة الإسلامية بحاجة إلى استعادة أسباب القوة الحقيقية، لا عبر الشعارات، وإنما عبر بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وإنتاج النماذج الحضارية القادرة على المنافسة والإقناع.
