بندر عباس وزواج السيد سعيد بن سلطان
تعد بندر عباس أحد أهم الأقاليم الخارجية التي اعتمدت عليها حكومة مسقط خلال فترة حكم السلاطين البوسعيديين، التي كانت تابعة لعُمان بحكم المنفعة والاستثمار، المتفق عليه مع البلاط الفارسي. ولقد أخذت بندر عباس بعدًا سياسيًّا واقتصاديَّا واجتماعيًّا في تاريخ عُمان، وكانت عاملًا رئيسًا في هدوء علاقة عُمان بفارس وتوترها في ذات الوقت، وقد سعت حكومة مسقط إلى التمسك بحقها الاستثماري في هذا الميناء الاستراتيجي إلى آخر لحظة.
بدأت السيادة العُمانية على بندر عباس في عهد السيد سلطان بن أحمد بموجب اتفاقية وقعت في عام 1794م، وجاء ذلك متسقًا مع الطموح السياسي والنظرة التوسعية للسيد سلطان عند وصوله إلى سدة الحكم في عُمان في عام 1792م، فكان من أهم أهدافه الاستراتيجية؛ التوسع الخارجي وتأمين حدود عُمان الخارجية، وهو ما نجح في تحقيقه، ففي عام 1798م بسط السيد سلطان نفوذه على منطقة الخليج العربي بأسرها لا سيما بعد صدور مرسوم من الحكومة الفارسية أجاز ضم ميناء بندر عباس وجوادر وشهبار إلى حكومة السيد سلطان بن أحمد، كما أخضع جزيرتي قشم وهرمز، ووضع فيها الحاميات العُمانية لتأمين السفن التجارية المارة بمضيق هرمز من وإلى الخليج العربي.
وحينما آل الحكم إلى ابنه السيد سعيد بن سلطان رفع قيمة عقد الاستثمار في بندر عباس والجزر التابعة له؛ لتهدئة التوتر وكبح المحاولات الفارسية لاستردادها، ورغم ذلك حاولت الحكومة الإيرانية في عام 1823م إلغاء إيجار بندر عباس، فذهب حاكم شيراز زكي خان آنذاك إلى والي السيد سعيد بن سلطان ببندر عباس؛ الشيخ سيف بن نبهان المعولي يخبره بعدم رغبة شاه إيران تجديد عقد الإيجار، فما كان من السيد سعيد إلا أن اتّجه إلى سواحل بندر عباس مستعرضًا فيها قوته مما أدى إلى الرضوخ لتجديد عقد الإيجار، لتعود العلاقات العُمانية الفارسية للتحسن.
في عام 1846م ساءت العلاقة مرة أخرى بين السيد سعيد وحاكم فارس الذي هاجم بندر عباس وابتز واليها العُماني الشيخ سيف بن نبهان المعولي وأخذ منه جزية كبيرة.
في هذه الأثناء بادر السيد سعيد بنفسه بإرسال الوفود إلى حاكم فارس وإلى الصدر الأعظم ميرزا آغا خان نوري لإتمام الصلح، وإنهاء هذا الصراع فيما بينهم ليتمخض عن ذلك اتفاقية عام 1856م، وقّعها من الجانب العُماني السيد ثويني بن سعيد بن سلطان، والسيد محمد بن سالم بن سلطان، وعن الجانب الإيراني حاجي محمد حاكم بوشهر. وكان أبرز بنودها وضع إطار زمني للاتفاقية مدته عشرون عامًا كعقد إيجار للعُمانيين وبعد ذلك تعود إدارة بندر عباس إلى الحكومة الفارسية.
إن المتتبع لتاريخ السيادة العُمانية على بندر عباس يقرأ جانبًا من سياسة السيد سعيد بن سلطان فيها، فتارة يستخدم الحل السياسي الدبلوماسي، وتارة أخرى يلوح بالقدرة العسكرية، وتارة أخرى يذهب إلى الزواج السياسي كوسيلة لضمان علاقة طويلة الأمد من السيادة العُمانية على بندر عباس وفق الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين. فالشاهد أن السيد سعيد بن سلطان وجد في الزواج السياسي إحدى الوسائل والحلول لمعالجة المواقف المتأزمة مع فارس على بندر عباس. وهذا يظهر في زواجه من سيدتين فارسيتين، فكما هو معروف أن الزوجة الأولى للسيد سعيد هي ابنة عمه السيدة عزة بنت سيف البوسعيدية. أما الزوجة الثانية هي شقيقة حاكم شيراز حسين علي ميرزا، وحفيدة شاه إيران فتح علي خان، التي تنحدر من أسرة فرمان الحاكمة آنذاك، بشرط أن تمضي فصل الربيع من كل عام في بلدها. ففي يوليو 1827م غادر السيد سعيد إلى بندر عباس لإتمام الزواج، واستقبل زوجته الجديدة هناك، ومن ثم عاد بها إلى مسقط، ومن هناك توجه بها إلى زنجبار، ولم يدم هذا الزواج أكثر من 5 سنوات، ففي عام 1832م ذهبت إلى شيراز ولم تعد؛ بسبب نزاع بينها وبين ابنه السيد خالد.
أما الزوجة الثالثة فهي السيدة شهرزاد بنت أريش ميرزا بن محمد شاه، وهي حفيدة محمد شاه، تزوجها السيد سعيد في عام 1847م. واستقرت السيدة شهرزاد في زنجبار ومعها حاشية ضخمة من مائة وخمسين شخصاً.
وكانت شديدة الجمال، وكانت مغرمة بالصيد وركوب الخيل. وهيأ لها السيد سعيد ما يليق بمكانتها، فبنى لها بيتًا بحمامات فارسية، ومساحات واسعة حول البيت، واصطبلات للخيول.
لم يستمر هذا الزواج طويلًا، ففي إحدى زياراتها لوطنها تم إرسال ورقة طلاقها إليها، ولم تنجب أطفالاً من السيد سعيد. وتسرد السيدة سالمة جانبًا مهمًا من حالة البذج التي صاحبت إقامة السيدة شهرزاد في زنجبار، كما كشفت عن سبب قبولها بهذا الزواج، فتقول: "وكما يروى، كان بذخ شيزادة يفوق الوصف، كانت فساتينها مطرزة باللآلئ من الأعلى حتى الأسفل... لقد تزوجت أبا الطيب لمقامه وثروته وحسب".
ويذهب بعض الباحثين في العلاقات العُمانية الفارسية أن السيد سعيد لم يجنِ أي نتيجة سياسية من هذا الزواج، إذ بدأت الهجمات والمحاولات الفارسية لاستعادة ميناء عباس وتوابعها مرة أخرى. وتشير السيدة سالمة في مذكراتها إلى حدث مهم ارتبط بالأميرة الفارسية يضئ على فترة التوتر السياسي بين الجانبين العُماني والفارسي، وما لحقه من مناوشات عسكرية كانت الزوجة السابقة شهرزاد أو شيزادة طرفًا فيها، فتقول السيدة سالمة: "لاحقا، بعد عدة سنوات، حين خاض أبي حربًا في بلاد فارس وكان له حظ الاستيلاء على قلعة بندر عباس على الخليج الفارسي، قيل أن شيزادة الجميلة شوهدت مع القطعات العسكرية، تصوب النار إلى أفراد عائلتنا". حقًا أن بعض الرصاصات لا تأتي إلا من قريب!!
انتهت السيادة العُمانية على بندر عباس في عام 1871م. وتصف الموسوعة الإيرانية الفترة العُمانية في بندر عباس بأنها كانت ذات طابع مميز، وأدت إلى تغير مادي عميق في المنطقة. ومن أرد التعمق أكثر في تاريخ بندر عباس في ظل السيادة العُمانية؛ فعليه بكتاب الباحثة العُمانية منال القطيطي بعنوان: "بندر عباس في ذاكرة عُمان السياسية (1793-1875م)".
