No Image
إشراقات

فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

08 يناير 2026
08 يناير 2026

- في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، ونسبها، ودينها»، قد يُطرح التساؤل: لماذا لم يُذكر الأخلاق مع أن الجميع يبحث عنها؟

الأخلاق في هذه الرواية داخلة ضمن الدين؛ لأن السياق هنا سياق إجمالي للأسباب التي تُنكَح المرأة من أجلها. فلما ذُكر الدين بالمقابل لهذه الأسباب والدواعي التي تدعو الناس إلى الزواج من النساء، فإن الدين يشمل الاستقامة، وحسن الخلق، وحسن العبادة، وكل ما يصدق عليه أنه من الدين.

صحيح أن هناك بعض الروايات التي تُبيّن خصال الدين وتذكر شعبًا من شعبه على جهة التفصيل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، حيث ذكر خصالًا مختلفة، قال: أعلاها كلمة «لا إله إلا الله»، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ثم قال: «والحياء شعبة من شعب الإيمان». هنا ذكر ما يتعلق بالتوحيد، وهو كلمة التوحيد، وذكر عملًا يسيرًا للدلالة على أن من شعب الإيمان ما يتعلق بالأعمال والأفعال، وإن كانت يسيرة في نظر الناس، وذكر الجانب الخُلُقي، واختر منها خصلة أقرب إلى السجية والطبع منها إلى التحلي والاكتساب، وهي الحياء، فقال: «والحياء شعبة من شعب الإيمان»؛ للدلالة على أن منظومة القيم والأخلاق داخلة في مفهوم الإيمان والدين لله تبارك وتعالى.

وهذا الحال نجده أيضًا في المواضع التي يكون فيها تفصيل لمعنى يُراد لفت النظر إليه. ففي المقابل، يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب ما يجب مراعاته فيمن يرغبون في الزواج، فقال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه»، حيث أراد صلى الله عليه وسلم التأكيد على جانب الخلق. أما في الأصل، فالأخلاق داخلة في الدين، ولماذا؟ لأن الدين يشمل التوحيد، والعبادة، والأخلاق. وقد يكون الرجل حسن التدين في عبادته، لكن إذا كانت لديه طباع سيئة لا تخرم دينه، فإنها قد تُدخل الضيق والعنت والمشقة على الزوجة في زواجه منها، وتحد من تحقق المودة والرحمة والسكون، وهي الغايات المنشودة من الزواج، كما ورد في قوله تعالى:

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».

ولهذا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حينما كان يُستشار، حتى حين تستشيره النساء، فإنه كان يذكر خصالًا لا تتعلق بحسن التدين الذي ينصرف إلى العبادة وطاعة الله عز وجل، وإنما يلتفت إلى جانب الخلال والأخلاق، مثل: البخل أو الكرم، الشدة أو اللين، وسرعة الغضب. هذا جانب خُلُقي لا بد أن يُلتفت إليه، وحيث لزم أن يكون هناك تفصيل، فإن هذا التفصيل لا يعني أن الأخلاق منفصلة عن الدين، ولكن أراد بها أن تُخص بالذكر لتوضيح جانب الأخلاق لهذه المعاني المتقدمة، دون أن ينفي أنها من الدين.

إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التذكير بهذا المعنى؛ لأن غالب الناس يلتفتون إلى ما يتعلق بالعبادة الظاهرة التي يعهدونها فيما يتعلق بالرجال، من ارتياد المساجد، وحسن أداء الصيام والزكاة، وأداء الفرائض، والبعد عن المنكرات والفواحش، ولا يلتفتون دومًا إلى المعاني الخُلُقية. فخصّها بالذكر، لكن هذا لا يعني أنها ليست داخلة في الدين، بل هي من الدين، والدليل على أنها من الدين أن ربنا تبارك وتعالى نصبها في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون دليلًا على صدق الوحي المنزل من عند الله عز وجل، كما قال تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ». لو وُجدت ثلمة في خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها لن تكون مجرد مطعن في خُلُقه، بل ستكون تكذيبًا للقرآن الكريم الذي زكاه وزكى خلقه. ونصب أخلاقه عليه الصلاة والسلام لتكون دليلاً على صدق الوحي، يخاطب بها المشركين في ذلك الوقت. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم».

ويتفاوت الناس في ميزان الأخلاق، وهذا ما أراد أن يرشد إليه حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».

لكن حيثما أُجمل، فإن ذلك يُفهم منه أن الخُلُق داخل في الدين، وأنه المقصود هنا المقارنة والقياس مع سائر الأسباب والدواعي التي تُنكَح المرأة من أجلها، من جمال وحسب ونسب أو مال، فيُبيِّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الأولى هو أن يُظفر بذات الدين، ولذلك قال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وهذا المعنى حينما أُجمل دل على أن المقصود الاستقامة، وحسن التدين، وجميل الأخلاق والشمائل، والله تعالى أعلم.

- نحن نذكر دائمًا أن العبادة تعمل على تعديل سلوك الإنسان وتهذيب أخلاقه، لتتحول شخصيته من سلبية إلى إيجابية، مثل الصلاة، والصيام، والحج. لكن ما ذكرتموه من الأخلاق التي هي من الطباع الثابتة في الإنسان، والتي لا تضر بالعبادة، ألا يمكن تغيير هذه الطباع، كما ذكرتم الشدة واللين أو البخل والكرم؟ هل يمكن أن تُغير أيضًا بالعبادة نفسها، أم أن هناك وسائل أخرى لذلك؟

هذه قضية بالغة الأهمية، ولا يتعرض لها إلا قليل من الناس. والصحيح أن العبادات إذا أُديت بروحها وجوهرها، فإنها مما يزكي النفوس ويرتقي بالأخلاق والآداب، شريطة أن تُؤدى بإخلاص لله تبارك وتعالى، وأن يُلتفت إلى جوهرها. ولذلك نجد أن آيات الكتاب العزيز تشير إلى أن هذه الأخلاق تفضي إلى تزكية النفوس، كما في قوله تعالى: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» وقوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا»، فلم يقل: «تطهر أموالهم»، بل قال: «وتزكيهم»، أي تزكي نفوسهم بها. وكذلك قوله عز وجل: «فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ»، وقِس على ذلك سائر العبادات والفرائض التي أمرنا الله تبارك وتعالى بها، سواء كانت فرائض أو نوافل، أو قُربات يحبها ربنا جل وعلا، فإنها جميعًا تفضي بالعبد إلى أن يرتقي في درجات الأخلاق، ويكتسب جميل الشمائل والآداب، وأن تزكو نفسه وتصفو، وأن تتهذب طباعه.

وإذا أُضيف إلى ذلك أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناصّة أيضًا على أن بعض هذه السجايا والطباع السيئة يجب أن تُصحح، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «من يستعفف يعفه الله»، وقال: «ومن يستغنِ يغنه الله»، وقال أيضًا: «إنما الحلم بالتحلم، والصبر بالتصبر». ولما رأى أشج عبد القيس قال: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»، وقال ذلك في محضر أصحابه لما أتى إليه، لما دخل عليه بعدما وصل، فأنـاخ راحلته، وأخذ في تغيير لباسه وتهيئة نفسه لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأعجب عليه الصلاة والسلام ذلك منه، فأثنى عليه.

كل هذه الأدلة تشير إلى أن هذه السجايا والطباع يمكن أن يكتسبها الإنسان، حتى وإن كان من حيث طبعه لا يتحلى بها بالقدر المطلوب. فقد يكون بعض الناس سريع الغضب، ولذلك أرشد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى وسائل معالجة هذا الغضب وإطفاء ثورته. وقد يكون الشخص ليس من أهل الحلم، فإذا بالقرآن الكريم يثني على الكاظمين الغيظ ويجعلهم في مصاف الذين يُوعَدون بجنة عرضها السماوات والأرض، كما جاء في أوائل الصفات التي يذكرها:«وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»

وقال تعالى: «الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

فهذا يدل على أن هذه الأخلاق يمكن اكتسابها، وهو معنى اكتساب هذه الخلال، وهو معنى التزكية الذي هو من صميم ما بُعث به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم:«هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ». والله تعالى أعلم.