وهم الوفرة: مقاربات في الوعي الاستهلاكي

13 يوليو 2026
13 يوليو 2026

تشهد المجتمعات تحولات جوهرية في علاقة الفرد بالمال، ولم يعد التحدي الأساسي في ندرة الموارد بقدر في وهم وفرتها، والسبب في ذلك تغيّر ثقافة الأفراد في الاستهلاك وشعورهم بالوفرة الوهمية في عصر السيولة الرقمية.

وهنا نتساءل لماذا لا نشعر بالمال أبدا؟ حقيقة ليس التحدي في الشعور بالمال بل في انفصال الإحساس عن الإنفاق؛ بمعنى أن شراهة الشراء والاستهلاك بمبالغ بسيطة مثل احتساء قهوة بـ 3 ريالات واشتراك في لعبة إلكترونية بـ 10 ريالات، تجعل الفرد أمام مشكلة حقيقية بنهاية الشهر عبر اكتشاف أن المبالغ البسيطة استهلكت 40% من الدخل الشهري وربما أكثر.

وبالتالي، فإن استخدام البطاقة الإلكترونية في الدفع تشعر الفرد بالوفرة الوهمية؛ لأنها ببساطة تعني استهلك الآن وادفع لاحقا، أما سابقا فكان الاعتماد أكثر على الأوراق النقدية في الشراء، مما يحد من المشتريات والاستهلاك فور الشعور بنقصها من المحفظة.

المقاربة الثانية تكمن في تحوّل الاستهلاك كهوية وليس كاحتياج، فلم يعد الهاتف أداةً للاتصال والتواصل، ولم يعد لإنجاز الأعمال وإتمامها بل معيارا لمكانة الشخص في المجتمع وبيئة العمل، ولم تعد الكافيهات مكانا لاحتساء القهوة بل خلفية لصورة للاعتقاد بالاستحقاق، ولم يعد السفر رغبةً للاستكشاف والاسترخاء بعد عامٍ من العمل الجاد، بل محتوى في وسائل التواصل الاجتماعي للشعور بالأفضلية والقدرة المالية مقارنة بالآخرين.

وهنا نستخلص أن هذه المقاربة خطيرة؛ لأن الفرد تحوّل من الاستهلاك بهدف الاحتياج إلى الاستهلاك ليُرى، لكنّه ينهار فور توقف الشراء؛ لأن الهوية بُنيت على أساسٍ هشٍ وهو الإنفاق ليرى الغير لا الاحتياج.

المقاربة الثالثة تتعلق باقتصاد الإغراء أو الاقتصاد السلوكي؛ وهي مرتبطة بمدى تفضيلنا للمنتجات واختياراتنا غير العقلانية، وربما تكون نقطة الضعف التي يستفيد منها مقدمو المنتجات والسلع والخدمات والتجار عموما.

من الأمثلة على ذلك: خلال ارتياد الأسواق والمجمعات التجارية تختار سلعة واحدة لتتفاجأ بعرض مغر: اشتر سلعتين وستحصل على الثالثة مجانا؛ حتى لو كنت تحتاج سلعة واحدة، ستختار العرض المغري لسبب واحد لا غير عدم تفويت العرض وأنها فرصة ثمينة وإحساس مؤقت بالانتصار، لكن في الحقيقة لا تحتاج إلا سلعة واحدة وربما تكون غير معمرة.

مشهد آخر: تمر على محل تغريك سلعة وضِع عليها ملصق يحوي تخفيضا بنسبة 70% من سعرها لكنك لا تحتاجها وربما يكون سعرها الحقيقي بعد التخفيض فتضطر لشرائها لظنك أنك وفّرت مبلغا لكن في الحقيقة أنفقت مبلغا لست بحاجة لإنفاقه، فتندم لاحقا لكن بعد فوات الأوان.

المقاربة الأخرى هي كثرة المقارنات الواهية والإنجازات الوهمية في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تنتهي وعرض الفرص الاستثمارية الوهمية؛ مثلا الاستثمار في شراء أرض أو تأجير مركبة سيجعلك تحصل على نسبة أرباح 50% في حين أن السوق يمر بمرحلة نمو في تلك الفترة بنسبة 100%، فتبدأ المقارنات فلانٌ بنى بيتًا فخمًا لا بد أن أبني مثله، وفلانٌ سافر إلى عدة دول لا بد أن أسافر مثله حتى لو اضطررت للاقتراض وتحمل الفوائد البنكية، وفلانٌ اشترى مركبة فارهة لا بد أن أشترى مثل مركبته أو أفضل، وهنا الخطورة في هذه المقاربة أنّها تكمن في مقارنة الشخص راتبه الشهري بأفضل لحظة في حياة شخصٍ آخر، فننجر لإشباع رغبات وسد فجوات ليست مادية بل نفسية بحتة، ولا نفكر بأن ما يفعله البعض هو لغرض التصوير والمباهاة لا الاحتياج، فتبدأ مقارنة أحوالنا البائسة بأحوال الساعين لأحوال لغرض المحتوى والتصوير والمباهاة.

حقيقة، نحن بحاجة إلى كسر حاجز الوهم الذي يسود المجتمع في كثيرٍ من الأمور والعودة إلى الوعي المجتمعي وتعزيزه باستمرار.

لا نريد حلولا تقشفية أو حرمانا من الاستمتاع باللحظات أو تشويه المشهد الاجتماعي اليومي بالتقشف والحرمان، بل وعيا مجتمعيا يمنع التعرض لعجزٍ مزمن ويشجع على الادخار ويعزز الأمان، ويحرر من الالتزامات المالية الخانقة كأقساط البطاقات الائتمانية والقروض الاستهلاكية، نحن بحاجة إلى استعادة عظمة الرضا بما قسمه الله من رزق وأموال لا البحث عن الترند والمقارنات في وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي التزامات مالية أكبر.

نريد وعيا يجعلنا نقود مشروعنا الاستهلاكي وفق إمكانياتنا المتاحة وليس جزءًا من المشروع الاستهلاكي للآخرين، فالوفرة الحقيقية ليست أن نملك كل شيء، بل أن نكتفي بما نملك وأن نختار ما نشتري.

إن المعركة ليست معركة دخل، بل معركة إرادة ورفض ما يفرض علينا، وألا نسمح بتآكل قيمة الرضا لدينا، وألا نكون رهينة للاستدانة المالية لتحقيق رغباتنا النفسية ونغرق في الكماليات حتى لا نتعرض لعجزٍ مزمن. ولمعالجة وهم الوفرة، نقترح أن تتكامل الجهات الحكومية ذات الاختصاص بإعادة بناء الوعي الاستهلاكي للمجتمع عبر تعزيز التربية المالية، ومكافحة الإعلانات المضللة في وسائل التواصل الاجتماعي، والرضا بما قسمه الله للبشر من أرزاق وأموال والكف عن المقارنات الواهية التي تشجع على عدم الكفاية وطلب المزيد دائما.

راشد بن عبدالله الشيذاني باحث ومحلل اقتصادي