عصر جديد يهدد التفوق العسكري الأمريكي
13 يوليو 2026
13 يوليو 2026
ترجمة: نهى مصطفى
في حملتها الأخيرة ضد إيران سيطرت الولايات المتحدة على الأجواء بفضل تفوقها الجوي، ونفذت أكثر من 13 ألف غارة على أهداف إيرانية، لكن هذا التفوق لم يمنع طهران من الرد؛ إذ أطلقت خلال الحرب التي استمرت 39 يومًا بين 28 فبراير و8 أبريل أكثر من 2200 صاروخ و4400 طائرة مسيرة على دول في المنطقة. وأسفرت الهجمات عن تدمير أو إلحاق أضرار بثماني طائرات أمريكية على الأقل، وإصابة عدة رادارات، ومقتل سبعة جنود أمريكيين. كما بقيت إيران مسيطرة على مضيق هرمز، ولم تحقق واشنطن أهدافها رغم تفوقها العسكري الكبير.
يكشف هذا الصراع تراجع الميزة التكنولوجية التي اعتمد عليها الجيش الأمريكي لعقود؛ فبعدما احتكرت الولايات المتحدة تقنيات مثل التخفي والأسلحة الدقيقة بات انتشار الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي يتيح للدول الأصغر والجهات غير الحكومية امتلاك قدرات عسكرية مؤثرة، واستهداف القواعد الأمريكية، وإلحاق خسائر بالأفراد والمعدات عالية الكلفة.
خلال هذه الحرب، دمرت الصواريخ الإيرانية طائرة إنذار مبكر من طراز E-3 Sentry، وهي خسارة كبيرة، حيث لم يعد الأسطول الأمريكي يضم سوى 15 طائرة من هذا الطراز، فيما لا يزال برنامج استبدالها بعيدًا عن التنفيذ. كما استهدفت خمس طائرات للتزود بالوقود من طراز KC-135 Stratotanker وعددًا من الرادارات الأرضية.
لم تغير الطائرات المسيرة طبيعة الحرب فحسب، بل غيرت أيضًا اقتصادياتها، إذ باتت أسلحة منخفضة التكلفة، مثل الطائرات والزوارق المسيرة والصواريخ، قادرة على تدمير معدات باهظة الثمن.
ففي أوكرانيا، تمكنت زوارق مسيرة وصواريخ مضادة للسفن من إغراق 13 سفينة من أسطول البحر الأسود الروسي خلال عامين، وإلحاق أضرار بعشرات السفن الأخرى؛ حيث يستطيع زورق مسير لا تتجاوز قيمته 300 ألف دولار تعطيل سفينة حربية تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، لكنها لم تتكيف بعد مع حقبة جديدة من الحروب تقودها الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي؛ فهي بحاجة إلى إنتاج مزيد من الطائرات المسيرة والطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة، والاستفادة من البيانات والقدرات الحاسوبية ونماذج الذكاء الاصطناعي. يتطلب الحفاظ على التفوق العسكري تجاوز العقبات البيروقراطية والثقافية داخل المؤسسة العسكرية، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص، وإعادة تقييم معايير القوة العسكرية.
اعتمدت الولايات المتحدة طويلًا على الابتكار التكنولوجي لتعويض نقاط ضعفها العسكرية بدءًا من الردع النووي في الحرب الباردة، مرورًا بثورة المعلومات في سبعينيات القرن الماضي التي أفرزت تقنيات التخفي والأسلحة الدقيقة ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وصولًا إلى تفوقها في حرب الخليج وغزو العراق عام 2003. وفي عام 2014 أطلقت وزارة الدفاع الأمريكية استراتيجية «التعويض الثالث» التي راهنت على الروبوتات والذكاء الاصطناعي للحفاظ على التفوق العسكري على الصين وروسيا.
لكن هذه المرة تبدو المعادلة مختلفة؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بميزة حاسمة في التقنيات الناشئة. فالطائرات المسيرة منخفضة التكلفة أصبحت متاحة على نطاق واسع، وأصبحت إيران من أبرز منتجيها، كما زودت روسيا بآلاف الطائرات المسيرة في حرب أوكرانيا قبل أن تنتج موسكو عشرات الآلاف منها محليًا استنادًا إلى التصاميم الإيرانية.
ورغم أن هذه الطائرات لا تعتمد على تقنيات معقدة فإن الجيش الأمريكي يواجه صعوبة في إنتاجها ونشرها بأعداد كبيرة. فبينما تنتج أوكرانيا نحو أربعة ملايين طائرة مسيرة سنويًا لا يحصل الجيش الأمريكي إلا على نحو 50 ألف طائرة.
أولت إدارتا بايدن وترامب أولوية لإنتاج طائرات مسيرة منخفضة التكلفة، لكن عقبات هيكلية أعاقت هذا المسار؛ فالطائرات الصغيرة تعتمد على تقنيات طُورت أساسًا لسوق الهواة الذي تهيمن عليه شركة DJI الصينية فيما يرفض الجيش الأمريكي الاعتماد على معدات صينية، ما يضطره إلى شراء بدائل أمريكية أعلى تكلفة، وتحتوي غالبًا على مكونات صينية.
تعكس هذه المشكلة خللًا أعمق في الصناعة الدفاعية الأمريكية التي ركزت لعقود على إنتاج أسلحة متطورة مرتفعة التكلفة وبكميات محدودة في حين تتجه الحروب الحديثة نحو أسلحة منخفضة التكلفة، يمكن إنتاجها واستهلاكها بأعداد كبيرة. رغم إطلاق وزارة الدفاع مبادرة «ريبليكيتور» عام 2023 لإنتاج آلاف الأنظمة الذاتية منخفضة التكلفة؛ فإنها لم تحقق سوى نتائج محدودة. وتسعى الإدارة الحالية إلى إنتاج 340 ألف طائرة مسيّرة بحلول 2027 بينما يستهدف الجيش إنتاج مليون طائرة بحلول 2028، وهو هدف يتطلب استثمارات كبيرة لبناء قاعدة صناعية متخصصة.
في الوقت نفسه، تتطور الطائرات المسيرة بسرعة نحو قدر أكبر من الاستقلالية؛ فقد أصبحت أوكرانيا مختبرًا لهذه التقنيات، إذ تستخدم طائرات قادرة على مواصلة الهجوم حتى عند انقطاع الاتصال بمشغليها، وأخرى تتنقل دون الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) عبر مطابقة الصور مع صور الأقمار الصناعية. ومن المتوقع أن تنتشر هذه القدرات على نطاق واسع، بما يتيح للدول والجماعات المسلحة تنفيذ هجمات حتى في ظل التشويش على الاتصالات وأنظمة الملاحة.
ستقود هذه التطورات إلى ظهور أسراب من الطائرات المسيرة تعمل بصورة منسقة وذاتية، قادرة على تنفيذ هجمات متزامنة، ومطاردة الأهداف المتحركة، والحفاظ على شبكات اتصال ولوجستيات مرنة تتكيف مع ظروف القتال. وسيؤدي ذلك إلى تغيير جذري في مفاهيم القيادة والسيطرة؛ إذ سينتقل القادة من توجيه طائرات منفردة إلى إدارة أسراب تضم مئات أو آلاف الطائرات، ما يستدعي هياكل قيادة أكثر مرونة وغير مركزية.
غيرت الطائرات المسيرة بالفعل طبيعة القتال بطرق لم تستوعبها الولايات المتحدة بالكامل؛ ففي الحرب الأوكرانية جعلت المراقبة المستمرة من الصعب على الطرفين حشد القوات، وأصبحت الطائرات المسيرة مسؤولة عن معظم الخسائر الروسية متجاوزة المدفعية. كما أظهرت الحرب مع إيران أن القواعد البعيدة عن خطوط المواجهة لم تعد بمنأى عن الهجمات، ما يفرض على الجيش الأمريكي تعزيز إجراءات التمويه والخداع، وتوزيع قواته لتقليل المخاطر.
وفي المقابل؛ تواجه الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا في الدفاع ضد الأعداد الكبيرة من الصواريخ والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة. فرغم تطور أنظمة الدفاع الصاروخي منذ حرب الخليج؛ فإن تكلفة اعتراض الطائرات المسيرة الرخيصة بصواريخ باهظة الثمن تجعل هذا النهج غير مستدام اقتصاديًا، كما أسهمت الحرب مع إيران في استنزاف جزء كبير من مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت وثاد بما قد يضعف جاهزيتها في مناطق أخرى مثل آسيا وأوروبا.
رغم امتلاك الولايات المتحدة أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم؛ فهذه التكنولوجيا تسهم في تقليص تفوقها العسكري بدلًا من تعزيزه. بينما تنظر واشنطن إلى المنافسة مع الصين باعتبارها «سباقًا في الذكاء الاصطناعي» تشير التطورات الحالية إلى اقتراب الطرفين من مستوى متكافئ من القدرات التكنولوجية.
لا تتأخر نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية عن نظيراتها الأمريكية سوى ببضعة أشهر؛ إذ تستفيد شركات مثل DeepSeek و Moonshot و MiniMax من النماذج الأمريكية لتطوير نماذجها الخاصة بتكلفة منخفضة مستخدمة تقنية تعرف بـ«التقطير».
حتى وقت قريب احتفظت واشنطن بتفوق في توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم الاستخبارات والتخطيط العسكري.
دمج الجيش الأمريكي نماذج اللغة الضخمة في أنظمة تحليل البيانات لتجميع المعلومات من مصادر متعددة، وتحديد أولويات الأهداف، ودعم التخطيط للضربات. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل استخدمت تقنيات مشابهة في غزة بينما يُرجح أن تكون الحرب مع إيران أول استخدام واسع لهذه النماذج من قبل الجيش الأمريكي في إدارة العمليات القتالية. لكن هذا التفوق لن يدوم طويلًا، إذ ستصبح القدرات نفسها متاحة قريبًا للصين، ثم لدول أخرى حتى لجماعات غير حكومية؛ لأن الذكاء الاصطناعي نتاج للقطاع التجاري، وينتشر بسرعة عالمية. والعامل الحاسم لن يكون لمن يطور التكنولوجيا أولًا، بل من ينجح في دمجها داخل قواته واستخدامها بفعالية.
يظهر التاريخ أن امتلاك التكنولوجيا لا يكفي وحده لتحقيق التفوق العسكري. ففي الفترة بين الحربين العالميتين، امتلكت القوى الكبرى الدبابات والطائرات والغواصات، لكن الفارق الحقيقي كان في تطوير العقائد العسكرية والهياكل التنظيمية وأساليب استخدامها. فالمملكة المتحدة رغم ريادتها في بعض التقنيات تأخرت عن الولايات المتحدة واليابان بسبب عقبات تنظيمية داخل جيشها.
تعد القدرة الحاسوبية عنصرًا حاسمًا في سباق الذكاء الاصطناعي؛ إذ تحدد قدرة الدول على تطوير هذه التكنولوجيا وتوظيفها عسكريًا واقتصاديًا تمامًا كما كانت القدرة التصنيعية أساس القوة في العصر الصناعي.
تستند الاستراتيجية الأمريكية إلى تقييد وصول الصين إلى الرقائق المتطورة ومعدات تصنيعها عبر ضوابط التصدير مستفيدة من الموقع المحوري للشركات الأمريكية في سلسلة توريد أشباه الموصلات. لكن قرار إدارة ترامب في عام 2026 بالسماح بتصدير بعض رقائق إنفيديا المتقدمة إلى الصين أثار مخاوف من تقليص الفجوة التكنولوجية بين البلدين. كما تعمل واشنطن مع اليابان وهولندا على تشديد القيود على تصدير معدات تصنيع الرقائق في محاولة لإبطاء تطوير الصين لقدراتها المحلية رغم استمرار بكين في تحقيق تقدم باستخدام تقنيات تصنيع أقدم.
وإلى جانب القيود التجارية تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من استغلال الشركات الصينية لنماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية عبر تعزيز التعاون بين الحكومة وشركات التكنولوجيا، وتبادل المعلومات حول التهديدات، وسن تشريعات تسهل هذا التعاون إلى جانب فرض عقوبات على الكيانات التي تستغل هذه النماذج بصورة غير قانونية.
تؤخر بعض شركات الذكاء الاصطناعي نشر أحدث نماذجها خشية استغلالها في هجمات إلكترونية، كما تطلق مبادرات تتيح لخبراء الأمن السيبراني اختبار هذه النماذج واكتشاف الثغرات قبل انتشارها على نطاق واسع. غير أن هذا النهج لا يوفر سوى مهلة مؤقتة؛ إذ إن النماذج مفتوحة المصدر لا تتأخر عن أحدث النماذج سوى بضعة أشهر، ومن المتوقع أن تصبح القدرات الأكثر تقدمًا متاحة للجميع خلال فترة قصيرة.
رغم أن الولايات المتحدة لا تستطيع وقف انتشار الذكاء الاصطناعي؛ فإن إبطاء وتيرته يمنح الجيش وخبراء الأمن السيبراني وقتًا إضافيًا لتبني التقنيات الجديدة. ويتطلب ذلك تسريع الابتكار وتطوير العقائد العسكرية، والانتقال من إجراءات التطوير البطيئة إلى نهج أكثر مرونة يعتمد على التجريب والتكيف السريع، كما حدث خلال حربي العراق وأفغانستان.
في هذا الإطار توسعت وزارة الدفاع الأمريكية في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي داخل شبكاتها، وأتاحت الوصول إليها لملايين العسكريين والموظفين مع العمل على زيادة عدد المنصات المتاحة، وتشجيع استخدامها. كما تضمنت استراتيجية الذكاء الاصطناعي الجديدة إجراءات لتسريع تبني هذه التقنيات، من بينها إزالة العقبات الإدارية، وتسهيل مشاركة البيانات، وتسريع إجراءات الموافقة، بهدف دمج الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع في المؤسسة العسكرية.
لا تقتصر معوقات الاستفادة من التقنيات الحديثة على الجوانب التقنية، بل تشمل أيضًا الثقافة المؤسسية داخل الجيوش؛ فالتطورات التكنولوجية تفرض أساليب جديدة للقتال، وغالبًا ما تصطدم بالعادات الراسخة والهويات المهنية. تؤثر هذه النزعة المحافظة في تبني الطائرات المسيرة. فقد تعاملت أفرع القوات المسلحة معها بطرق مختلفة تبعًا لثقافتها التنظيمية؛ فبينما تبنت بعض الابتكارات في التشغيل والتحكم عن بعد فضلت جهات أخرى الإبقاء على الأساليب التقليدية، وإن كانت أقل كفاءة.
اختلفت مواقف البحرية من المسيرات؛ إذ رحبت بالمركبات الروبوتية تحت الماء، لكنها حدت من استخدام الطائرات المسيرة على حاملات الطائرات حفاظًا على الدور التقليدي للطائرات التقليدية، وهو ما جاء على حساب توسيع قدراتها القتالية.
يطرح الذكاء الاصطناعي تحديًا أكبر، لأنه يعيد تعريف أدوار البشر والآلات داخل المؤسسة العسكرية. فالهويات المهنية الراسخة كثيرًا ما تستمر حتى بعد أن تصبح وظائفها التقليدية غير مطلوبة بفعل التكنولوجيا، وهو ما قد يبطئ تبني الابتكارات الجديدة. ويظهر تاريخ تطور الجيوش أن الثقافة المؤسسية والهوية المهنية قد تكونان من أبرز العوامل التي تعرقل الاستفادة الكاملة من التقنيات العسكرية الحديثة.
يعتمد الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في عصر الذكاء الاصطناعي على شراكة وثيقة بين وزارة الدفاع والقطاع الخاص، ولا سيما شركات تطوير الذكاء الاصطناعي. إلا أن هذه العلاقة شهدت توترات بسبب الخلافات حول شروط استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأغراض العسكرية، ما أثار اعتراضات داخل شركات التكنولوجيا، وزاد من تردد كثير من المهندسين في التعاون مع الجيش.
يتطلب تجاوز هذه الأزمة بناء الثقة مع شركات التكنولوجيا، وضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي بما يحقق التوازن بين احتياجات الأمن القومي ومخاوف الشركات والمطورين. كما أن التعاون مع القطاع الخاص ضروري لفهم حدود هذه التقنية، ووضع معايير وآليات اختبار تضمن استخدامها بفاعلية وأمان داخل القوات المسلحة. في الوقت نفسه، تحتاج المؤسسة العسكرية إلى ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي؛ نظرًا لما قد ينتج عنه من أخطاء أو معلومات مضللة إذا استخدم دون رقابة أو تدريب مناسب.
يستلزم العصر الجديد تحديث أساليب قياس القوة العسكرية؛ بحيث لا تقتصر على عدد السفن والطائرات والجنود، بل تشمل أيضًا القدرات الرقمية، مثل القدرة الحاسوبية، وأجهزة الاستشعار، والشبكات، والخوارزميات، ومستوى استخدام الذكاء الاصطناعي داخل وزارة الدفاع. ومن شأن هذه المؤشرات أن تساعد في توجيه الاستثمارات، وتقييم أثر الذكاء الاصطناعي على الكفاءة والسرعة ودقة العمليات العسكرية.
بول شار، نائب الرئيس التنفيذي في مركز الأمن الأمريكي الجديد. شغل مناصب في وزارة الدفاع الأمريكية في إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، كما خدم في الجيش الأمريكي.
الترجمة عن فورين أفيرز
