العالم يقطع علاقاته بأمريكا التي بدأت تدفع الثمن
13 يوليو 2026
13 يوليو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
في مارس من عام 2023 عرضت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين استراتيجية لإدارة سياسات الصين القسرية، فذهبت إلى أنه على أوروبا أن «تقلل مخاطر» اعتمادها على ذلك العملاق الاقتصادي من خلال توحيد القوى وإيجاد بدائل محلية.
وبعد ثلاث سنوات يظل تقليل مخاطر الاعتماد على القوى العظمى الافتراسية هو التحدي الأساسي الذي يواجه القادة الأوروبيين، لكن الصين لم تعد البلد المعني في الأساس وإنما الولايات المتحدة. ففي حين يسعى صناع السياسة الأوروبيون إلى تهدئة الرئيس الأمريكي الانتقامي فإنهم يعملون في هدوء على تقليل اعتمادهم القائم منذ عقود على الولايات المتحدة، وذلك من خلال إنماء قدراتهم الخاصة في صناعات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، وتنويع علاقاتهم مع بلاد أخرى.
ولقد كانت هذه الدينامية واضحة في قمة الناتو بالعاصمة التركية أنقرة خلال الأسبوع الماضي حيث جدد الرئيس ترامب تهديداته ضد حليفتي بلده الدنمارك وإسبانيا.
وليست أوروبا وحدها هي التي تبتعد عن الولايات المتحدة؛ فشركاء أمريكا في آسيا والشرق الأوسط يفعلون مثل ذلك في هدوء. فبسبب صراعات إدارة ترامب التجارية ومغامراتها العسكرية وتنظيمها المتقلب لقواعد الذكاء الصناعي تكونت لحظة جديدة في العلاقات الدولية: هي شبه استراتيجية عالمية كبرى لابتعاد بلاد العالم عن أقوى بلاده.
بالنسبة للولايات المتحدة التي تصف نفسها بـ«البلد الذي لا غنى عنه» منذ عقود، يمثل هذا الاتجاه تغييرا جوهريا؛ فطالما سعت بلاد إلى حماية جيش أمريكا القوي وإلى الاتصال بأسواقها وما لديها من تكنولوجيا، فأفاد هذا اقتصادنا وأمننا الوطني.
والآن في غمار منافسة محتدمة من الصين نرى أن تآكل شراكات أساسية يقوض تفوقنا العسكري وتقنياتنا الرائدة عالميا، ويحد من قدرتنا على الاستجابة لمزايا الصين الصناعية.
وتنزع الإدارة الأمريكية إلى النظر إلى ضعف الروابط الخارجية باعتباره أمرا إيجابيا بمنطق أن بذل الدول جهودا أكبر لنفسها يتيح لأمريكا أن تزداد تركيزا على مصالحها، لكن في عالم تزيد فيه البلاد الكبرى من تسليح اعتماد البلاد الصغيرة عليها، ويمثل الاكتفاء الذاتي قوة في حد ذاته؛ فإن تقليل المخاطر العالمي يلحق بالفعل أضرارا بالداخل الأمريكي.
وليس المرء مضطرا إلى النظر بعيدا لكي يرى التكاليف؛ فالحرب الخاسرة مع إيران -وهي أول حرب نخوضها دونما ترتيب دبلوماسي أو عسكري مع أقرب حلفائنا في أوروبا وآسيا- تسببت في ارتفاع كبير في أسعار الوقود والأسمدة، وأسهمت في خسارة تبلغ مائة واثنين وثلاثين مليار دولار للمستهلكين الأمريكيين وفقا لـ«موديز».
وحتى في ظل زيادة أوروبا إنفاقها العسكري بنسبة 14% ليبلغ 864 مليار دولار في عام 2025؛ تراجعت مشترياتها العسكرية من الشركات الأمريكية بمقدار النصف تقريبا.
كما أن سياسات ترامب فيما يتعلق بالهجرة تنفر البلاد عنا؛ فقد قل عدد زائري أمريكا في عام 2025 بمقدار أربعة ملايين زائر مقارنة بعام 2024، وهو ما يعني تكلفة تقدر بقرابة ثمانية مليارات دولار. وتستنزف أمريكا القوى العاملة الماهرة المستقبلية في ظل انخفاض التحاق الطلبة الدوليين بالجامعات بنسبة 17% في الخريف الماضي مقارنة بالعام السابق بما يكلف الجامعات ما لا يقل عن مليار دولار تقريبا، وبما يحتمل أن يكلف البلد مئات المليارات في العائدات المستقبلية.
وينتشر الأثر المروع؛ ففي حين يفكر الرئيس ترامب في تحويل كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين شرعت كندا في «شراكة استراتيجية جديدة» مع الصين، وفتحت أسواقها للمرة الأولى أمام خمسين ألف سيارة كهربائية صينية وانضمت إلى صندوق الدفاع الأوروبي البالغ تمويله أكثر من مائة وخمسين مليار دولار، ويرمي إلى كسر الاعتماد على صناعة الدفاع الأمريكية.
وفي شرق آسيا حيث توقف الرئيس ترامب عن بيع الأسلحة لتايوان مراعاة للرئيس شي جينبنج الصيني، وتعيد تاييبيه وعواصم متحالفة معها حسابات علاقاتها. وتعيد اليابان صياغة مفهوم الدفاع الوطني لتكوين قدرات هجومية أكبر، ويحل مقاولو كوريا الجنوبية محل تجار السلاح الأمريكيين في أرجاء العالم.
تعمق الهند روابطها التجارية مع أوروبا، ومع الشرق الأوسط، ومع الصين برغم كراهة ذلك. والهند واحدة من عدد متزايد من البلاد التي ينتابها قلق من ضمان الحصول على نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتقدمة بما يدفعها إلى إعادة النظر في البدائل الصينية أو المحلية. وقد قال لي مسئول هندي رفيع المستوى في العام الماضي: إن «الناس هنا يقولون: إن علينا أن ننظر ثانية إلى الصين، أو لعل علينا أن نقيم نماذجنا الخاصة».
والقارة التي صاغت تعبير «تقليل المخاطر» هي أكثر مكان في العالم من حيث تكلفة تقليل مخاطر الاعتماد على الولايات المتحدة بالنسبة للطرفين، وهي أكثر مكان في العالم أساء توقيت القيام بذلك؛ فالحوارات التي ما كانت لتخطر بخيال أحد جارية الآن في العواصم الأوروبية. ويقول لي مسؤولون أوروبيون: إنهم يضعون في هدوء خططا للاستجابة في حال نشوب حرب تجارية شاملة مع أمريكا تتضمن تضييق الخناق على وصول شركاتنا التكنولوجية إلى سوق القارة الشاسع أو تحديد مدخلات أساسية من قبيل معدات تصنيع أشباه الموصلات.
والحديث عن تقليل مخاطر الاعتماد على الولايات المتحدة أسبق من رجوع الرئيس ترامب إلى السلطة؛ فقد ضاق شركاء أمريكا في السنوات الأخيرة من سياسات سابقة رأوا أنها تنتهك سيادتهم ومصالحهم، ومنها العقوبات المرتبطة بمشاريع جيوسياسية أمريكية، وأجزاء من قانون تقليل التضخم لعام 2022 الذي منح الشركات الأمريكية ميزة ممولة من الحكومة، وإجراءات أخرى حدت من تصدير أشباه الموصلات المتقدمة.
وفي تقليل المخاطر جوانب تنطوي على بعض المنافع للولايات المتحدة؛ فتوسيع القدرة الدفاعية الأوروبية قد يحرر في نهاية المطاف موارد أمريكية.
ويثير انتصار إيران الأخير جدالا صحيا في واشنطن والشرق الأوسط حول تقليل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؛ إذ إن عددا متزايدا من كبار أعضاء الحزب الديمقراطي -بل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيضا- يعترفون على مضض بأن إسرائيل لا بد أن تتعلم كيف تعيش بدون مليارات الدولارات السنوية في هيئة المساعدات العسكرية الأمريكية غير المشروطة.
لكن الانقسامات التي يتسبب فيها الرئيس ترامب مختلفة؛ ففي عام 2021 على سبيل المثال وافقت أستراليا على استثمار مليارات الدولارات في صناعة الغواصات الأمريكية بناء على وعد بأن تظهر الغواصات الجديدة على مقربة من بيرث في وقت ما من أواسط ثلاثينيات القرن الحالي. ويقل الآن عدد البلاد المستعدة للرهان على أمريكا رهانا بعيد الأجل على هذا النحو، والكثير منها يخطط لعلاقاته مع الولايات المتحدة وفق دورات من أربع سنوات، وهو ما يمثل للولايات المتحدة تحديا حقيقيا قد يستمر عقودا لإدارة تهديدات.
وقد بدأت بالفعل بعض تكاليف تقليل مخاطر الاعتماد على أمريكا تظهر في الداخل، ومنها ما لن يتضح عما قريب. لقد كان الحلفاء محقين في عدم الانضمام إلى فشل ترامب غير الضروري في إيران، لكن قدرتنا على ردع الصراعات المستقبلية ضعفت بسبب تزايد عزلتنا. وفي ظل الافتقار إلى شريك بديل واضح، سوف تحتاط أغلب البلاد تدريجيا بدلا من «فك الارتباط» فوريا عن الولايات المتحدة. ومثلما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية قبل ثلاث سنوات عن الصين: «إن علاقتنا ليست علاقة الأبيض والأسود، واستجابتنا لا يمكن أن تكون كذلك».
ومثلما يعزز شركاؤنا قدرتهم على الصمود أمامنا، فلا بد أن تستعد الإدارات الأمريكية القادمة بخطط لاجتناب قطيعة أكثر جوهرية. فمن يخلف الرئيس ترامب فسوف يكون أول من يتولى السلطة ولا تتساءل بلاد العالم عما يمكن أن تفعله أمريكا لها، وإنما تسعى إلى أن تفعل كل ما في وسعها بدون أمريكا. والخطوة الأولى للتعامل مع التداعيات هي إدراك مدى ما طرأ على العالم من تغير، ومدى دوام هذا التغير.
جون فاينر زميل متميز لكلية يال للقانون ومركز التقدم ونائب مستشار الأمن الوطني الأمريكي من 2021 إلى 2025
الترجمة عن نيويورك تايمز
