هل من طريقة صحيحة للخسارة في إيران؟
ترجمة -أحمد شافعي
يذهب منتقدو إدارة ترامب محقين إلى أن قرار خوض الحرب مع إيران كان خطأ، فهدفا الصراع الأساسيان المعلنان ـ أي منع طهران من امتلاك سلاح نووي وتقويض قدرتها على استعراض القوة خارج حدودها ـ لم يتحققا. فلم يلحق ضرر إضافي ذو شأن ببرنامج إيران النووي في هذه الجولة من القتال، ولا تزال طهران تحتفظ بـ70% من قدرتها الصاروخية التي كانت لها قبل الحرب.
أما ما تحقق، من قبيل تقليل قوة طهران البحرية والجوية البشرية، فيهون كثيرا أمام النفوذ الجديد الذي أصبح لإيران على أسواق الطاقة العالمية واستنزاف مخزون واشنطن من الذخيرة العسكرية المتطورة. والسؤال المطروح الآن هو السؤال عن المسار الأمثل للمضي قدما: أهو تصعيد الولايات المتحدة من أجل إتمام المهمة ـ حسبما أشار الرئيس دونالد ترامب حديثا، أم التراجع من أجل تحجيم الضرر؟
غالبا ما ينزع القادة إلى مضاعفة الجهود أمام فشل الصراع بسبب ألم خسارة الحرب الشديد. وثمة على المستوى الاستراتيجي قلق واسع الانتشار من أن يقوض التراجع مصداقية واشنطن في المستقبل، فيجترئ خصومها من قبيل الصين وروسيا. وعلى المستوى السياسي، غالبا ما يضر الاعتراف بالهزيمة معدلات استحسان أي رئيس. وهذا ما اكتشفه الرئيس جو بايدن بالطريقة الصعبة بعد انسحاب الولايات المتحدة عسكريا من أفغانستان وما أدى إليه من انهيار الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة فيها. وعلى المستوى النفسي هناك مغالطة «تكاليف الغرق» التي تؤثر على البشر، فبعد بذلهم الدم والمال في صراع ـ وقد فقدت الولايات المتحدة ثمانية عشر جنديا في قتال إيران ـ ثمة نزوع طبيعي إلى إطالة أمد حرب فاشلة احتراما لتلك التضحيات.
لأي من هذه الأسباب، قد يقرر ترامب تصعيد الصراع بدلا من القبول باتفاق دبلوماسي أقل من المثالي يتضمن تنازلات كبيرة لإيران. غير أن هذا سوف يكون خطأ. فكلما طال أمد صراع منذور بالفشل، ازداد هذا الصراع استنزافا لمزيد من الأرواح والأسلحة والإرادة السياسية. وبدلا من تعزيز المصداقية والردع، فإن استمرار القتل يأتي على كليهما. فالولايات المتحدة لم تخرج من الحربين الطويلتين باهظتي التكلفة في فيتنام والعراق وقد تعززت مصداقيتها.
بل خرجت منهكة، وأشد حذرا في استعمال القوة، وأوهن عزما على احتمال تكاليفها المستقبلية. ومن شأن تصعيد ضد إيران، يتخذ مثلا شكل عملية برية كبيرة، أن يؤدي بالمثل إلى هذا النوع من الإنهاك الحربي الذي يجعل بكين وموسكو تشككان في إقبال واشنطن على تدخلات مستقبلية مكلفة. كما أن فيه مزيدا من الاستنزاف لموارد أمريكا العسكرية النادرة، ويقوض قدرتها على الردع. في حين أن التراجع يحتفظ لواشنطن في المستقبل بكل من القدرة على التصرف والعزيمة على التصرف.
لماذا لن ينجح التصعيد مع إيران؟
الرئيس ترامب مغرم بتذكير الجميع بأن «لدى الولايات المتحدة أقوى جيوش العالم وأصلبها». وقد سبق أن وبخ أوكرانيا قائلا: «لا تخوضوا حربا ضد من يفوقكم حجما خمس عشرة مرة [شأن روسيا]». ومثل هذه الأقوال تنم عن إيمان بأن القوي يغلب الضعيف. في حين أن التاريخ يبين لنا أن العكس كثيرا ما يحدث.
ومن أجل هزيمة خصم ذي قدرات عسكرية أكبر، لا بد أن يكون لدى الضعيف شيء يفتقر إليه خصومه، وهو قوة العزيمة. وبكونه أشد استعدادا لاحتمال تكاليف عالية لفترة طويلة، يستطيع الضعيف أن يبز القوي. والسبب الذي جعل الضعاف ينتصرون في الحرب الثورية -من أجل استقلال أمريكا- وحرب إيران وحرب أفغانستان لم يكن أنهم ألحقوا هزائم مباشرة بخصومهم الأقوى منهم في ميدان القتال على غرار ما فعل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وإنما انتصروا بفرضهم تكاليف على الخصوم لأمد طويل فقرر الأقوى أن يستسلموا بدلا من أن يستمروا في القتال.
والسبب الرئيسي في أن استمرار الحملة الجوية أو تصعيدها ضد إيران لن يفلحا على الأرجح هو أن توازن العزيمة يميل ناحية الجمهورية الإسلامية. فالمخاطر بالنسبة للحكومة الإيرانية تتعلق بأمور جسام تتعلق بالسلطة والثورة ولعلها تتعلق بالحياة نفسها. أما بالنسبة لواشنطن فالمخاطر محدودة وإن تكن حقيقية. لقد كانت أنشطة إيران الإقليمية قبل الحرب خبيثة، لكنها لم تكن تفرض إلا تكاليف اقتصادية وأمنية بسيطة على الأمريكيين. وبرنامج طهران النووي يمثل خطرا كامنا كبيرا، لكن يمكن التعامل معه بطرق أخرى، منها التفاوض أو الردع النووي.
يرجح أن تكون الحكومة الإيرانية أشد استعدادا لاحتمال تكاليف الحرب لفترة أطول من الولايات المتحدة. فالدعم الشعبي لحرب إيران منخفض على نحو غير مسبوق في التاريخ مقارنة بصراعات سابقة، والأمريكيون عازفون عن دفع أموال إضافية في جالون الوقود من أجل إدامة الحرب. وقد يكون بوسع غزو بري كبير أن يحقق تغيير النظام، لكن ما من أدلة تذكر على أن الشعب الأمريكي وأعضاء الكونجرس مستعدون لاحتمال التكاليف الباهظة لتصعيد كهذا.
وبرغم نجاحات تكتيكية ملحوظة، فالولايات المتحدة هي الخاسرة استراتيجيا في الصراع، وخير لها أن تدرك هذا الواقع عاجلا لا آجلا.
فضائل الهزائم السريعة
غالبا ما يعزف القادة عن إنهاء حرب، وإن وضح أنها تجاوزت تاريخ صلاحيتها. فقد أطالت إدارتا جونسن ونيكسن حرب فيتنام بلا داع، وبقي السوفييت في أفغانستان لوقت أطول مما ينبغي، ولعل الرئيس فلاديمير بوتين يرتكب الخطأ نفسه في أوكرانيا. أما رجل الدولة الحكيم فهو الذي يدرك أهمية سرعة الهزيمة، إذ أن للخسارة السريعة ثلاث مزايا:
المنفعة الأولى في خسران الحرب بسرعة هي إنقاذ الأنفس والحفاظ على الموارد المالية. ففي السنوات التي أعقبت وعد ريتشارد نيكسن بالسعي إلى «السلام المصحوب بالشرف» في فيتنام، لقي أكثر من واحد وعشرين ألف جندي أمريكي مصرعهم، وماتت أعداد أكبر كثيرا من الفيتناميين. وفي النهاية لم تغير تلك التضحيات شيئا. إذ وقعت سيجون في يد الشيوعية عام 1975. وكان إنهاء الحرب سنة 1969 عند انتخاب نيكسن لا في عام 1973 لينقذ كل هذه الأنفس ويؤدي جوهريا إلى النتيجة نفسها أيضا.
وشأن نيكسن في فيتنام، ضاعف الرئيس باراك أوباما جهوده وزاد حجم قواته في أفغانستان، وتكلف هذا مليارات الدولارات والمزيد من أرواح الجنود الأمريكيين ومن الشعب الأفغاني، ومع ذلك سقطت كابول في يد طالبان سنة 2021. وفي أوكرانيا، تستمر الحكومة الروسية بالمثل في احتمال خسائر رهيبة في الأرواح ـ تصل إلى ثلاثين ألفا في الشهر ـ للاستمرار في هجوم متجمد بوضوح. وكان من شأن الاعتراف بالهزيمة وإيقاف الخسائر مبكرا لا متأخرا أن يعفي واشنطن وموسكو من هذه التكاليف الإضافية.
المنفعة الثانية للخسارة السريعة لا البطيئة هي الحفاظ على القدرات العسكرية لصراعات في المستقبل. فالحملة العسكرية الكارثية التي نفذتها أثينا في صقلية خلال الحرب البيلوبونيسية استنزفت ما لديها من سفن وجنود، وأسهمت في الهزيمة النهائية أمام اسبرطة، بعد أن أهدرت أثينا فرصا كثيرة لتقليل خسائرها والحفاظ على قوتها العسكرية لصراع أكبر ضد اسبرطة.
ولقد أنفقت الولايات المتحدة بالفعل نسبا ضخمة ـ تبلغ النصف ـ من ذخائرها المتطورة من صواريخ باتريوت الاعتراضية وصواريخ توماهوك في الشهور القليلة الأولى فقط من الحرب. والسنوات التي سوف يستغرقها على الأرجح تعويض هذا المخزون سوف تقوض الردع في المدى القريب والمتوسط، فليس بوسع أمريكا أن تردع الخصوم في آسيا وأوروبا بأسلحة لم تعد تملك استعمالها بنفسها أو تمد بها حلفاءها. والحق أن واشنطون أوقفت صفقة أسلحة بقيمة أربعة عشر مليار دولار لتايبيه لكي تضمن أن لديها من الذخائر ما يكفي في حال الاستمرار في حرب إيران. والاستمرار في الصراع مع إيران وتصعيده كفيلان بمزيد من مفاقمة المشكلة.
وثالثا وأخيرا، بوسع الخروج السريع أن يحفظ للبلد كلا من عزيمته على العمل في المستقبل ومصداقيته في أعين الخصوم. ومن خلال التراجع الواضح، قد تتلقى البلاد ضربة ما لمصداقيتها في المدى القريب، إذ يمكن أن يفسر الخصوم الانسحاب باعتباره إشارة إلى خوار العزيمة. غير أن هذا التراجع غالبا ما يكون أقل من منافع مصداقية المحافظة على القدرات العسكرية، و اجتناب الإنهاك الحربي وهو الأهم.
فبعد الحربين الطويلتين المكلفتين في فيتنام والعراق، ظهرت أعراض أو أمراض في النفس الأمريكية تشير إلى أن واشنطن تجتنب التورط في حروب خارجية جديدة. واستنزف هذا الاعتقاد مصداقية أمريكا وأضار بقدرتها على الردع.
تبين حرب فيتنام أخطار الاستمرار في صراع لأطول مما ينبغي. فمن منظور الحكمة التقليدية، كان ينبغي أن يبدو قرار القتال لقرابة عشر سنين بتكلفة هائلة على مكان قبل الأهمية الاستراتيجية المباشرة إشارة بالغة القوة على العزيمة الأمريكية، لكن، في عشية حرب الخليج، كان صدام حسين يؤمن أن الولايات المتحدة تجتنب خسائر الأرواح أشد الاجتناب ولا تعتزم احتمال القدر الضئيل منها لتحقيق أهدافها. وفي ظل خسائر في الأنفس بلغت ثمانية وخمسين ألفا من الجنود الأمريكيين في فيتنام، قال صدام لمستشاريه إن واشنطن لن تحتمل حتى خمس أو عشر ذلك الرقم من أجل تحرير الكويت وحماية المملكة العربية السعودية.
بدا أن صدام يؤمن بأن حرب فيتنام قد أوهنت عزم الولايات المتحدة على احتمال التكاليف. وقال اللواء الركن وفيق السامرائي رئيس المخابرات العسكرية العراقي خلال حرب الخليج إن «صدام كان يرى أن اشتراك أمريكا في فيتنام ألحق بعزمها على استعمال القوة العسكرية ضررا شديدا». ويتفق مع هذه الرؤية أن صدام حسين وعد في خطبة عامة موجهة إلى الشعب الأمريكي في 26 سبتمبر 1990 بأن خوض حرب مع العراق سيكون أشبه بـ«تكرار التجربة الفيتنامية، مع فارق هذه المرة يتمثل في مزيد من العنف ومن الخسائر في الأرواح». فلم تقنع فيتنام خصوم أمريكا ببأسها، بل جعلتهم يستبعدون عليها أن تدفع الثمن من جديد.
ولو كانت غلطة فيتنام هي البقاء أطول مما ينبغي، ففضيلة تدخل أمريكا في الثمانينيات في لبنان هي قصرها. فبرغم كثرة الانتقاد له، كان قرار الرئيس رونالد ريجان بسحب قوات الولايات المتحدة من لبنان عقب قصف السفارة في بيروت سنة 1983 الذي أسفر عن مقتل سبعة عشر أمريكيا هو القرار السليم. فلم تكن نتيجة الحرب الأهلية اللبنانية حيوية للمصالح الأمريكية. واستراتيجية واشنطن في دعم الحكومة اللبنانية أصبحت أيضا غير قابلة للتنفيذ بعد انهيار الجيش الوطني سنة 1984. فلعل التراجع أضر قليلا بسمعة أمريكا، لكن تكاليف المصداقية ـ ناهيكم بالأنفس والموارد العسكرية ـ ربما كانت لتزداد كثيرا لو عمد ريجان إلى التصعيد وانجرف إلى صراع أشد عمقا وتعقيدا ودموية دام ست سنوات إضافية.
لقد أجريت بحثا استطلاعيا على مائة من البرلمانيين في المملكة المتحدة، وهو يوفر دليلا إضافيا على المنافع الاستراتيجية الثلاثة للتراجع. تم تقسيم المشاركين في الاستطلاع إلى مجموعتين. قرأت المجموعة الأولى عن وضع يتراجع فيه بلد افتراضي عن صراع سابق. وقرأت المجموعة الثانية عن بلد افتراضي وقف بحزم في صراع سابق، وظهرت عليه دلائل الإنهاك العسكري أو الأعراض التي ظهرت عقب حربي فيتنام والعراق.
ثم طولب المشاركون بتقدير احتمالية أن يقف هذا البلد وقفة حازمة أو يتراجع في نزاع راهن مع لندن. رأى المشاركون من أعضاء البرلمان أن البلد الذي سبق له التراجع في نزاع سابق سيكون أشد عزما. وتبين هذه التجربة أن الاعتراف السريع بالهزيمة، كما في لبنان، قد يعزز في بعض الأحيان المصداقية مقارنة بالوقوف بحزم لفترة مطولة كما في فيتنام.
باتجاه سلام واقعي مع إيران
بسوقه الولايات المتحدة إلى الحرب على إيران، وقع ترامب ضحية ما وصفه لورنس فريدمان بـ«مغالطة الحرب القصيرة: أي الاعتقاد بأن المزايا العسكرية والتكنولوجية قد تسمح لبلد بأن يهزم عدوا بهجوم أوليّ قاس موجَّه سريع». يصيب فريدمان في أن هذا كان خطأ فادحا في الحسابات وأن قرار خوض الحرب كان قائما على تصور خاطئ. والأسوأ من ذلك هو مضاعفة الخطأ بمضاعفة الجهود في حرب فاشلة بدلا من إيقافها في مهدها.
ولتقليل الخسائر الأمريكية ينبغي للأسف على ترامب أن يقدم بعض التنازلات الأليمة لإيران. ويرجح أن يكون من هذه التنازلات السماح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة (تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية) كما كان الحال في الاتفاقية النووية الموقعة في عهد أوباما، والقبول بأن تستمر إيران في إنتاج الصواريخ، والارتباط بحزب الله، وسوف تحافظ على درجة ما من السيطرة على مضيق هرمز.
لقد وصف المنتقدون مذكرة التفاهم المنتهية بين واشنطن وطهران بـ«الاستسلام الأمريكي»إذ قال مايك بنس نائب ترامب السابق إنها «تنضح بالاسترضاء». غير أنها عكست واقعا جيوسياسيا جديدا، هو أن إيران عززت موقعها التفاوضي. ولترامب الآن أن يمتلك أو لا يمتلك الشجاعة السياسية للقبول بهذا الواقع والوفاء بوعد قطعه في خطاب تنصيبه للولاية الثانية: «لن نقيس نجاحنا فقط بالمعارك التي ننتصر فيها ولكن سنقيسه أيضا بالحروب التي ننهيها».
جوشوا شوارتز أستاذ مساعد العلاقات الدولية بمعهد كارنيجي ميلون للاستراتيجية والتكنولوجيا.
عن ذي ناشونال إنتريست
