العودة للحل الصفري والافتراضات الخاطئة
عاد التصعيد العسكري في الخليج إلى مستوى شديد الخطورة ساحبا المنطقة معصوبة العينين إلى حافة حرب شاملة لا تبقي ولا تذر. مع الانهيار العملي لمذكرة التفاهم الإيرانية- الأمريكية، تبدو شبه الجزيرة العربية والخليج وبلاد الشام مرشحة لصراع متعدد الجبهات واسع النطاق قد يدمر كل ما أنجزته عملية التنمية الخليجية خلال ٦ عقود.
كنت قد كتبت وتوقعت قبل نحو شهر أن «شيطنة» مذكرة التفاهم من إسرائيل واللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد سيقود إلى خدمة منطق الحرب الدائمة، ويحرم الإقليم من فرصة بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة تعتمد على المصالح المشتركة وهذا ما حدث بالفعل ولكن كيف؟
يجادل هذا المقال بأن إحباط تفاؤل دول المنطقة بانتهاء الحرب بعد اتفاق مذكرة التفاهم وعودة التشاؤم إليها إنما تم عبر ٣ مسارات.
المسار الأول، هو العودة مرة أخرى لوهم الحل الصفري التي يتوقع فيها طرف نصرا مطلقا واستسلاما تاما من الخصم. لماذا عودة؟ لأن المعنى الحقيقي لاتفاق مذكرة التفاهم كان وصول الطرفين معا بنفس القدر -بعد ٤٠ يوما من الحرب إلى أن الحسم العسكري مستعصٍ وأن كلا منهما لديه ضغوط ثقيلة تجبره للتوجه نحو حل تفاوضي يقوم على مبادلة كل منهما الآخر بأزواج من التنازلات. الطرف الأمريكي كان يحتاج لوقف «الارتفاع الكبير في أسعار النفط نتيجة إغلاق المضيق وارتفاع أسعار المستهلكين مقرونة بارتفاع نسبة المناهضين للحرب لثلثي الناخبين الأمريكيين وبالتالي تهديد فرص حزب ترامب بالفوز ونقل أغلبية الكونجرس لخصومه الديمقراطيين». واجهت واشنطن أيضا نقصا في الذخائر من الصواريخ الاعتراضية والهجومية وحاجاتها إلى شهور للتعويض. الطرف الإيراني كان يريد أيضا لحظة لالتقاط الأنفاس لاقتصاده المنهك من عقوبات قاسية زادها التدمير الذي سببه القصف الجوي غير المسبوق إضافة إلى الحصار البحري الأمريكي الجديد لموانئه والحاجة إلى تخفيف معاناة شعبه مع تزايد التضخم والسقوط الحر للعملة.
كشف جي دي فانس نائب الرئيس الأثر السام «لشيطنة» مذكرة التفاهم عبر حملة مخيفة لإسرائيل والهاسبارا الصهيونية. وأتت هذه الحملة أكلها، إذ حولت المذكرة من مكاسب أو مصالح متبادلة حققها كل طرف إلى أنها مثلت استسلاما أمريكيا لإيران وحولتها بالتالي إلى قضية إهانة شخصية لترامب كقائد سياسي شديد الاعتداد بنفسه. مذكرة التفاهم التي جرى تهميش الإسرائيليين في مداولاتها حولوها إلى قضية إهانة للهيبة الأمريكية وضربة قاصمة لمكانتها يزعزع هيمنتها العالمية كقطب أحادي أعظم. يعلمنا التاريخ أنه لطالما كان إشعار القائد السياسي بالهزيمة الشخصية أو إلحاق أذى بالكرامة الوطنية أحد أسباب الحروب أو العودة إليها بجولة جديدة وهذا ما حدث بكل أسف.
المسار الثاني، هو العودة إلى الافتراضات المشكوك في صحتها بل في الحقيقة التي أثبتت حرب الـ٤٠ يوما خطأها الفظيع. لقد أوحي نتنياهو وبرنياع بأن تحقيق نصر حاسم وسريع على إيران هو أمر في متناول اليد وفي هذا اعتقدوا أن قتل المرشد والصف الأول للقادة سيؤدي لانهيار النظام واندلاع انتفاضة شعبية ضده -يمكن من خلال عسكرتها بتزويد الأكراد بالسلاح - التخلص من النظام الإيراني الذي ظل العقبة الوحيدة أمام هيمنة أمريكا الكاملة على المنطقة بعد انتقال مصر من مرحلة محاربة الاستعمار القديم والجديد إلى المعسكر الأمريكي بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد. خبرة التاريخ تشير إلى أن تجريب المجرب الفاشل لن يقود إلا إلى فشل جديد.
القناعة هنا تعود لحقيقة أن صمود إيران في حرب ٤٠ يوما يشير بوضوح إلى أنها لن تستسلم في أي وقت من الأوقات حتى لو تراجعت أو هزمت عسكريا. وما لم ينتبه إليه الكثيرون هو أن الحرب على إيران هذا العام واغتيال رأس الدولة أعادت بقوة الشعور العميق لدى الأمة الفارسية بالكرامة القومية. بعبارة ما صار الأمريكيون يواجهونه الآن - في حال شن حرب شاملة كما ألمح ترامب - ليس فقط أيديولوجية النظام الإسلامي المعادية «للشيطان الأكبر» بل وحدة الشعب تحت راية القومية الإيرانية المجروحة من قتل بناتها البريئات ورئيسها السياسي الأعلى حتى لو كانت مختلفة معه. وبينما تكمن قوة أيديولوجية الخميني عند أنصار الحكم فإن قوة القومية الإيرانية تشمل حتى معارضي النظام طالما استمرت المواجهة مع عدو خارجي وهي هوية وقوة متوارثة من آلاف السنين في الجينات الحضارية للإيرانيين. سبب آخر هو أن تحقيق انتصار مطلق لواشنطن يفتقر كثيرا من الشروط، أشير هنا فقط لشرطين منهما. عادت أمريكا للتصعيد العسكري بسرعة قبل استكمال تعويض ما فقدته من صواريخ دفاعية وهجومية مكلفة ويجعل هذا القوات الأمريكي مكشوفة في مناطق صراع محتملة مثل مسرح آسيا والباسيفيك الصيني ومعرضة لخطر نقص كبير في الجاهزية القتالية. الشرط الآخر الناقص هو عدم إعلان ترامب على استعداده لغزو بري لإيران وما يتضمنه من احتمالات كبيرة لخسائر مخيفة في الأمريكيين بل على العكس فإن نائبه فانس قال إن بلاده ليست مستعدة للدفع بـ١٥٠ ألف جندي أمريكي في حرب بالخليج. وإذا لم يكن تصريح فانس خداعا استراتيجيا يحدث أحيانا في زمن الحروب، فإن ما أثبته ٤٠ يوما من أن القصف الجوي دون قوات على الأرض لا يحقق أبدا نصرا حاسما سيظل كما هو حتى لو تمت تجربته ١٠٠ مرة.
المسار الخاطئ الثالث، الذي استؤنف التصعيد في ظله هو الدفع المضاد Pushing back لمسار الاعتدال والسعي المتعمد لتنحية المعتدلين عن طريق حل النزاع في مرحلة الـ٤٠ يوما وحتى الوصول للمذكرة بدا أنه ما يمكن وصفه بالتوجه العماني المعتدل الرافض للحرب والداعي إلى وقفها لأنها لا تخدم مصالح أمريكا ولا مصالح حلفائها في الخليج قد استطاع كسب التأييد من معظم دول مجلس التعاون والإقليم. وبغض النظر عن استثناءات محدودة رفضت دول المجلس السقوط في الفخ الذي نصبته إسرائيل من هذه الحرب وتحولها لحرب عربية/إيرانية. وأبلغت واشنطن استياءها لأنها المتضرر الحقيقي من حرب لم تستشر فيها. هذا الاتجاه جرت وقائع كثيرة بدا أنها تستهدف عزله وتنحيته عن الطريق.
أبرز هذه الوقائع كانت زيارة وزير الخارجية روبيو للمنطقة والتي اعتبرها محللون أمريكيون «انقلابا» على مسار ڤانس نائب الرئيس الذي قاد مفاوضات مذكرة التفاهم. في هذه الزيارة وبعد اجتماعه مع دول المجلس صدر بيان اعتبره الإيرانيون نقضا صريحا لمذكرة إسلام آباد وتفاهمات سويسرا. وعندما قام روبيو نفسه برعاية اتفاق لبناني - إسرائيلي يمحو كلية ما اتفق ووقع عليه بشأن لبنان في إسلام آباد وسويسرا، بدا لإيران أنها تتأكد من أسوأ مخاوفها وعادت لإغلاق المضيق والرد بهجمات لكن لماذا يهدد التصعيد الحالي بالانفلات لجحيم قد يحرق الإقليم ولن تقتصر على إيران وأمريكا ومنطقة الخليج فذلك يعود إلى أفخاخ سياسية تم نصبها في مرحلة التراجع عن مذكرة التفاهم في أكثر من جبهة قابلة كلها للاشتعال المتزامن في حال انفلات التصعيد.
وهذا ما سنناقشه في الجزء الثاني من هذا المقال.
حسين عبد الغني كاتب ومحلل سياسي مصري
