مـقامرة ترامب في إيران
09 فبراير 2026
09 فبراير 2026
برغم أن إيران لا تقع في نصف الكرة الغربي، فإنها قد تكون المسرح التالي الذي يحاول فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة تشكيل الواقع بالقوة العسكرية. ولكن على عكس انتصاره السريع في فنزويلا، قد يخرج التدخل الأمريكي في إيران بسهولة عن السيطرة.
وقد عرض ترامب موقفه بوضوح: بوسع حكام إيران أن يفعلوا ذلك بالطريقة السهلة أو الصعبة. الطريقة السهلة تعني قبول اتفاق أكثر صرامة من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015) التي انسحب منها ترامب خلال ولايته الأولى. سيكون لزاما على إيران أن تتخلى عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، والموافقة على وقف التخصيب إلى أجل غير مسمى، وتفكيك ما تبقى من برنامجها النووي، وقبول قيود على الصواريخ الباليستية، فضلا عن عمليات تفتيش كاملة، وإنهاء دعمها للوكلاء الإقليميين مثل حزب الله والحوثيين. الطريقة الصعبة تعني ضربات عسكرية ــ ضخمة.
هذا ليس مجرد كلام. فقد كان ترامب على قاب قوسين أو أدنى من إصدار أوامر بشن هجمات قبل أسابيع قليلة. ما منعه من ذلك لم يكن ترددا، بل عدم قدرة الجيش الأمريكي على حماية إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة في حال قامت إيران بالرد.
منذ ذلك الحين، جرى نشر مجموعة من حاملات الطائرات، وثماني مدمرات تابعة للبحرية الأمريكية، وعشرات من طائرات F-15 وطائرات هجومية أخرى، وبطارية THAAD و Patriot (دفاع أرض-جو) في المنطقة.
الهدف هو تغطية مسرح الشرق الأوسط بالكامل بمظلة دفاعية في التصدي لخطر وقوع إصابات جماعية إذا ردت إيران.
في الوقت ذاته، تسعى قوى إقليمية جاهدة لتجنب اندلاع حرب أوسع نطاقا؛ حيث تحاول عمان، وتركيا، وقطر، ومصر التوسط في إجراء محادثات.
ويزعم ترامب أن الجهود الدبلوماسية أحرزت تقدما، ولكن تظل مشكلة أساسية قائمة: مطالب ترامب تتجاوز كثيرا ما قد يقبله المرشد الإيراني علي خامنئي. قد تكون الجمهورية الإسلامية مستعدة لتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي لتجنب الضربات وتخفيف الأزمة الاقتصادية الداخلية. لكنها لن تتنازل رسميا عن حقها في تخصيب اليورانيوم محليا، وقد استبعد المسؤولون الإيرانيون التخلي عن صواريخهم الباليستية. في النهاية، لا يفي الحد الأقصى الذي قد تقدمه طهران بالحد الأدنى الذي كانت واشنطن مستعدة لقبوله، ولن تغير الدبلوماسية العسكرية وحدها هذا الوضع.
وعلى هذا، فإما أن يتراجع ترامب ويقبل باتفاق أصغر يمكنه تصويره على أنه انتصار، أو أننا سنشهد عملا عسكريا.
وبالنظر إلى أنه ضرب إيران مرتين بالفعل دون ردة فعل انتقامية، وأنه انسحب من خطة العمل الشاملة المشتركة لأنه اعتبرها غير كافية، فيبدو من غير المرجح أن يقبل الآن بترتيب يقتصر على المسألة النووية.
صحيح أنه ربما يكون قادرا على بيع مثل هذه الصفقة إذا أراد؛ فإجبار إيران على التخلي عن اليورانيوم كفيل بتحييد التهديد الفوري باندلاع أزمة نووية. وعندما يقترن هذا بنجاح إسرائيل في إضعاف برنامج الصواريخ الإيراني ووكلائها الإقليميين العام الماضي، فقد يسمح لترامب بإعلان تمكنه من حل المشكلة النووية التي ثبطت همم الرؤساء الذين سبقوه. ولكن مع تسارع التسلح العسكري، من المرجح أن يختبر ترامب ما إذا كان الضغط الأقصى ليجبر إيران على تقديم تنازلات كبرى، بينما يجهز نفسه لضربها في حال عدم نجاح الضغوط.
قد لا يقتصر هذا السيناريو على شن ضربات على المواقع النووية أو الصاروخية، بل ربما يشمل الإطاحة بالنظام على غرار ما حدث في فنزويلا.
ففي النهاية، أكسبت التجارب الأخيرة فريق ترامب الشجاعة. لا تزال المهمة الناجحة في فنزويلا حاضرة في الأذهان، ولم يستفز اغتيال الولايات المتحدة للقائد العسكري الإيراني قاسم سليماني في عام 2020 سوى عمليات انتقامية محدودة ضد أهداف أمريكية، تماما كما كانت الحال مع الضربات المشتركة مع إسرائيل العام الماضي.
يعتمد الرهان على تولي المحافظين البرجماتيين داخل المجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري زمام الأمور وسعيهم إلى ضمان بقاء النظام. لتحقيق هذه الغاية، كانت جهود استخباراتية جارية لتنمية علاقات مع شخصيات بارزة في الحرس الثوري ودائرة خامنئي، وأفراد من داخل النظام ربما يتعاونون مع عملية الإطاحة، ثم يتولون قيادة حكومة بديلة تستطيع الولايات المتحدة التعايش معها.
لكن إيران ليست فنزويلا؛ فالنظام لديه قدرة أكبر على الرد، ويتمتع بولاء داخلي أعمق، ويمتلك قوات أمنية أكبر وأكثر قدرة.
وفي حالة وقوع خسائر أمريكية كبيرة، فقد تتفاقم الأوضاع بسهولة. وإذا استولى المتشددون على السلطة بدلا من البرجماتيين، فقد نشهد أيضا ردا انتقاميا ضخما ضد تدفقات الطاقة. وقد ارتفعت أسعار النفط بالفعل على الرغم من وفرة المعروض العالمي من الخام وضعف نمو الطلب. وإذا هاجم ترامب خامنئي، فمن المتوقع أن نشهد ارتفاعا أكبر في الأسعار في نطاق 5-10 دولارات للبرميل، أو ربما أكثر إذا تعقدت عملية الانتقال. وهذا من شأنه أن يترجم إلى تضخم في الداخل قبل أقل من تسعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي.
ثم هناك البعد المرتبط بالقوى العظمى. على عكس فنزويلا، حيث اكتفت روسيا والصين بالتذمر عندما نـصب ترامب رئيس دولة أكثر ودا، فإن تغيير النظام في إيران يتجاوز خطا يحظى باهتمام شديد من كلا البلدين.
وتزود إيران روسيا بالطائرات الـمُـسيرة آليا والصين بالنفط. والإطاحة بخامنئي تشكل سابقة لا ترغب أي من الدولتين في تطبيعها. وسوف ترغب كل منهما في فرض تكاليف على ترامب، ولو فقط لردع تحركات مماثلة في مناطق نفوذها.
الواقع أن خطر اندلاع حرب أوسع نطاقا مع عواقب حقيقية على النفط والاستقرار الإقليمي يجعل التراجع الدبلوماسي أكثر جاذبية مما كان في حالة فنزويلا، حيث كانت مخاطر الجانب السلبي ضئيلة. ربما يكون هذا كافيا لدفع ترامب نحو إبرام اتفاق محدود. لكن الرئيس أظهر أنه يؤمن إيمانا راسخا بأن الجرأة تؤتي ثمارها. تُرى هل يكون ذلك صحيحا في حالة إيران؟
الجواب مهم بما يتجاوز الشرق الأوسط. إذا نجح ترامب في مغامرته، فسوف يكون أشد اقتناعا من أي وقت مضى بأن القوة الأمريكية الخام قادرة على حل أي مشكلة وتحقيق أي هدف. وكل نجاح يرفع الرهانات في المجازفة التالية. أما إذا ساءت الأمور أو خرجت عن السيطرة ــ إذا نسق حزب الله والحوثيون هجمات في مختلف أنحاء المنطقة، إذا استولى المتشددون على السلطة وأغلقوا مضيق هرمز، إذا وصل سعر النفط إلى 90 دولارا للبرميل وظل عند هذا المستوى، إذا فرضت روسيا والصين تكاليف حقيقية فسوف نكتشف مدى خطورة هذه الرهانات.
إيان بريمر مؤسس ورئيس مجموعة أوراسيا وشركة جي زيرو ميديا، وهو عضو في الهيئة الاستشارية رفيعة المستوى التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي.
خدمة بروجيكت سنديكيت
