البيت العماني.. وثقافة السلام وإطفاء الحرب

09 فبراير 2026
09 فبراير 2026

الجمعة، 6 من فبراير 2026م.. يوم له ما بعده، أنظار العالم معلقة بمسقط، عما تسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية، والتي كانت الرغبة الأمريكية أن تقام في أنقرة، إلا أن طهران أصرت بأن تكون في مسقط.

إن الرغبة الإيرانية باختيار مسقط لعقد المفاوضات ليست مناكفة لأمريكا، وإنما هي ثقة منها بأن سلطنة عمان هي الأقدر على إدارة هذه المفاوضات، لا سيما أن البلدين أجريا عام 2015م مباحثاتهما في مسقط حول الملف النووي. بيد أن الدعم المعنوي الذي أدخلته سلطنة عمان إلى المفاوضات؛ هو أنها تعقد في بيت وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، وفي هذا دلالة بأن السلام في عُمان ليس سياسة فقط، وإنما أصبح ثقافة اجتماعية تسبق كل نوع من السلام، وتعلو على كل توجه سياسي.

إن جولة مفاوضات الجمعة بعثت الأمل في العالم؛ فكانت تصريحات العديد من الدول متفائلة، وفي مقدمتها إيران وعمان. غير أن هذا التفاؤل ينبغي ألا يأخذنا بعيدا، فأمريكا لم تكشف بعد صراحة عن موقفها.. بل إنها أصدرت حزمة جديدة من العقوبات تجاه إيران، ولا تزال تعزز قواتها في المنطقة، ودخلت معها بريطانيا، وأعلن الإعلام الإسرائيلي أن الوضع أقرب إلى الضربة الأمريكية على إيران منه إلى الخروج بنتائج إيجابية بينهما.

لماذا يصر الغرب على ضرب إيران؟ الأمر.. أبعد من كون إيران هي المقصودة لوحدها، فالمقصود هو الهيمنة العالمية، والسير في نهج «صراع الحضارات» الذي دشنته أمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد رضوخ الحضارة الإسلامية؛ سيأتي الدور على الحضارة الصينية، ثم الحضارة الهندية.

فيما لو فشلت المفاوضات -وهو ما لا يرجوه العالم- فإن الحرب القادمة لن تكون حرب مصالح اقتصادية فحسب، وإنما هي حرب في الجذور، هدفها ترسيخ القيم الغربية بكونها البنية الأساسية المحركة للقوى الفوقية؛ بكافة أطيافها من سياسة واقتصاد وتقنية. وهنا «المحنة الإنسانية»، فقد تكشفت القيم الغربية عن وجه قبيح لإدارة العالم، لقد أصابت مخرجات الثقافة الغربية العالم بقلق وجودي، فقد أحدثت انفصاما عميقا في تصرفات البشر، وهذا ما يفسر تصرفات إدارة الدولة الكبرى التي تقود العالم، ممثلة في رئيسها، الذي يبدو مترددا في قراراته، من جهة يحشد الجموع لضرب إيران، ومن جهة أخرى يجلس معها على طاولة المفاوضات.

وبعد؛ فقد كتبت في مقالي «إيران والثورة.. ومعضلة التغيير السياسي» المنشور في جريدة «عمان» بتاريخ: 27/ 1/ 2026م: (أما بالنسبة لإيران فقد تحدث مواجهة عسكرية، لكن لا توجد مؤشرات على تدخل عسكري مباشر قادر على إسقاط النظام، وبنظري؛ أن هذه التدخلات قد تساعد على تماسك النظام أكثر من إسقاطه، وهذا ما نلاحظه الآن من هدوء الأوضاع). ومع ذلك، فمع عدم الاتفاق والانجرار إلى الحرب فإنها لن تكون حربا عادية، إن أمريكا لن تواجه إيران كما واجهت «حزب البعث العربي» والذي كان قد ولى زمانه، وحلت محله توجهات دينية وليبرالية أخرى في المنطقة، وقد وصل به الحال إلى التشرذم الداخلي في قياداته. إن على أمريكا أن تواجه في إيران «الإسلام السياسي الشيعي»، والذي يختلف عن «الإسلام السياسي السني»، ففي حين لم يتمكن الأخير أن يصمد أمام التحديات السياسية، فقد نجح الأول في حكم دولة من أكبر دول المنطقة، ورغم رأيي بأن الإسلام السياسي بعمومه قد انتهت صلاحيته بكونه نظرية صالحة للتحولات القادمة في العالم الإسلامي، إلا أنه ـ ورغم الأزمات التي يعاني منها الإيرانيون أنفسهم- لا يزال قويا في إيران، قوة لا تضعفها التهديدات الحالية، وإنما إن حصل تحول في النظام سيكون داخليا، وهو حاصل ضرورة، فإيران الحضارة تعرف كيفية علاج أوضاعها، وهذا ما أثبتته منذ بداية القرن العشرين الميلادي.

إن الحرب -لو قامت- ستدور رحاها بما يعجز دهاقنة التحليل السياسي حساب منتهاها؛ نتيجة ووقتا. وعليه؛ فإنه لا بد من حساب أسوأ الاحتمالات، وهذا ما تفعله الدول عادة ومنها إيران.

إن وقعت حرب اكتسحت إيران وأطاحت بنظامها القائم، فإن الوضع لن يكون زيارة لمشهد أو سياحة في أصفهان، فقد أثبتت كل الحروب التأريخية أن سقوط الدول، لا سيما الكبرى كإيران، يدخل المنطقة بأسرها في فوضى، ولا أذهب كثيرا في اجتلاب تجارب التاريخ، فلا نزال نعيش مآسي انهيار الدول وأنظمتها في العراق وليبيا واليمن وسوريا، وقبلها في أفغانستان والصومال. إن ما بعد الحرب سيؤدي إلى نتائج مباشرة وغير مباشرة، منها:

- عودة العنف إلى المنطقة بقوة، فلا تزال ذئاب القاعدة وسباع داعش موجودة، تنتظر اللحظات المواتية لهجومها الشرس، ولا ننس أن «الرايات الخراسانية السود» معقودة بالعنف بما قد يتجاوز أفعال القاعدة وداعش. وقد يبدأ العنف في إيران، لكنه سينتقل إلى بلدان أخرى.

- تضرر دول الخليج بشكل مباشر، فتوجد بها جالية إيرانية كبيرة، والقضية أبعد من أن تقوم بعض المجاميع الإيرانية بممارسة العنف في دول الخليج العربية، فالتجار الإيرانيون مرتبطون بإيران، سواء بالبضائع المستورة منها، أم بمؤسسات الصيرفة والاقتصاد. والوجود الإيراني في الخليج لا يعتبر نفسه بعيدا عن بلاده، وإنما يراه امتدادا لها، ليس من الناحية السياسية، وإنما من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، فالشعب الإيراني مرتبط اجتماعيا واقتصاديا مع شعب الخليج العربي، وهو في الخليج ليس كبقية الوجود الآسيوي.

- إن البنية المذهبية الشيعية تختلف عن البنية المذهبية السنية، فالفكر السني يقوم على أساس الانتصار للفكرة، ولذلك؛ نرى كثرة الجماعات لديهم، التي لا يكاد أحد من فقهاء السنة يستطيع أن يوجهها. أما الشيعة فلديهم مرجعية التقليد، مما يسهل على مراجعهم أن يعيدوا «هيكلة اتباعهم»، وهذا مرهون بالتوجهات السياسية الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها مصلحة إيران ذاتها، فلا يظن أحد أن الحوزة الشيعية ستنظر إلى ما يحدث بأنه أمر عابر. إن إيران ما بعد الحرب لن يحددها السياسيون وحدهم، وإنما التوجه الديني في الحوزة سيكون هو المؤثر الأول وربما الأقوى.

- المسلمون عموما يرون في إسرائيل كيانا محتلا لفلسطين، أرض المسجد الأقصى، وأن كثيرا من المآسي التي حاقت بهم في العصر الحديث هي بسببها، أو أن لها ضلعا فيها. والغرب، الذي يراهن بـ«لعبة السلام» في المنطقة، وما يتلوها من تطبيع مع إسرائيل، عليه أن ينسى كل ذلك. فسقوط إيران له ما بعده، إما بحدوث فتنة مذهبية أخرى، وإما بإدراك المسلمون أن بلدانهم لن تستقر وإسرائيل موجودة، وكلا الأمرين مهددان للوجود الغربي بالمنطقة ولمصالحه فيها.

- تحول كبير في الخريطة الجيوسياسية على مستوى العالم، فسقوط إيران سوف يعيد بناء المنطقة لصالح الصين وروسيا، فالغرب -ورأس حربته أمريكا- لم يستطع أن يبني علاقات ندية بينه وبين المسلمين، بسبب الهيمنة ونهب الثروات، والحروب هي المعاملة التي وجدتها المنطقة من الغرب. إن هذا التحول لن يكون على شاكلة العلاقة القائمة الآن؛ وإنما سوف تسعى المنطقة إلى نوع من الندية التي تحترم كيانها ومصالحها وثقافاتها وأديانها.

ختاما.. إن «البيت العماني للسلام»؛ وعلى رأسه مولانا صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ أدام الله مجده ـ يعد نموذجا في فلسفة السلام في العالم، حيث أصبح يشير إلى فلسفة إنسانية؛ بأن السلام لا يحل أرضا إلا بتجذره في المجتمع، وترسخه ثقافة اجتماعية ونمط سلوك يومي. ونرجو الله لهذا البيت أن ينجح في إطفاء الحرب التي تتوهج نارها ساعة إثر ساعة، لا سيما أن عمان قد عودت العالم بنجاح مساعيها في السلام، وفي حلحلة القضايا المعقدة، والدفع بها نحو التهدئة.