اقتصاد الانتباه والذكاء الاصطناعي
09 فبراير 2026
09 فبراير 2026
يعد مفهوم اقتصاد الانتباه أو اقتصاد الجذب أحد الموضوعات الرائجة في زمن الإغراق المعلوماتي في وسائل الإعلام والتواصل المختلفة. ولم يعد الحصول على المعلومات أمرا صعبا أو نادرا، لكن ما يجذب انتباه الأشخاص من هذه المعلومات هو الهدف والغاية؛ ولذلك بدأ الاهتمام باقتصاد الانتباه والعمل على توظيفه في الرسائل الإعلامية والاتصالية؛ لتثبيت المعلومة المفيدة للمتلقين، وبناء المعرفة الحقيقية من سيل المعلومات المبعثرة في وسائل التواصل الاجتماعي.
وحتى لا يتم الخلط بين مفهومي اقتصاد الانتباه والاقتصاد السلوكي؛ فإن نوعي الاقتصاد مكملان لبعضهما، وكلاهما جزء من علوم الاقتصاد الحديثة؛ حيث يدرس الاقتصاد السلوكي كيف نتخذ قراراتنا، أما اقتصاد الانتباه فيدرس مكاسب اتخاذ قراراتنا.
اقتصاد الانتباه بمفهومه الواسع هو نموذج اقتصادي يهدف إلى كسب انتباه متلقي الرسالة الإعلامية والاتصالية؛ لتحقيق مكاسب استراتيجية. فلم يعد هذا الاقتصاد ترفا فكريا، بل أصبح مهما في صناعة الرأي العام وبناء السمعة، وأيضا فاعلا في الحملات الإعلامية والتسويقية، وداعما لصنع القرار واتخاذه؛ وبالتالي فإن النجاح اليوم هو من يملك القدرة على كسب انتباه الأشخاص والحفاظ عليه في ظل تدفق المحتوى بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي.
ودائما يقال في اقتصاد الانتباه «ما هو مألوف لا يُرى، وما هو مختلف يُتداول»؛ ولذلك هو اقتصاد لا يراد به ضجيج ولا خداع، بل هو بالأحرى علم يصنع التأثير، ويختصر الطريق، وفن في القدرة على تحويل الرسائل الإعلامية إلى قوة ناعمة حقيقية؛ خصوصا أن الإحصائيات تشير إلى أن سكان العالم قضوا نحو 12.5 تريليون ساعة على الإنترنت خلال عام 2022م، وعدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم تجاوز 4 مليار مستخدم ويمثلون نحو 60% من سكان العالم.
أرى أن تخمة المحتوى في وسائل الإعلام والتواصل رغم أهميتها لن تكون مؤثرة ما لم توظف أدوات اقتصاد الانتباه وفهمها جيدا من حيث اهتمامات الجمهور. وبالتالي فإن الحاجة إلى صنع التأثير في الرسائل الإعلامية والاتصالية باتت أكثر أهمية لنكون حاضرين في المشهد العام.
وهنا نحن بحاجة إلى فهم عميق للجمهور من حيث ما يجذبه وما يحفزه وما يتطلع إليه، وأيضا القدرة على تغيير فلسفة السردية في عرض التجارب وتحويلها إلى مقطع مرئي أو قصة، وكذلك الحفاظ على الهوية الوطنية في السردية، وأخيرا قياس الأثر من تلك الرسائل والحملات الإعلامية، لا بالكم من المحتوى، بل بمعدل الوصول إلى الجمهور ومستوى التفاعل مع المنشورات، والأثر الذي أنتجته على الرأي العام.
إن أهمية اقتصاد الانتباه لا تقتصر على كسب انتباه الجمهور فحسب، بل يمتد إلى كسب الثقة بين صانع الرسالة الإعلامية ومتلقيها، وبالتالي تكون علاقة تكاملية وتشاركية بين المرسل والمتلقي.
وأعتقد أن بناء الثقة بين المرسل والمتلقي للرسالة الإعلامية سيسهم مستقبلا في تلقي الرسالة ووصولها للجمهور دون تشويش أو تناقض في محتواها في ظل كثرة المحتوى المنشور في وسائل التواصل الاجتماعي.
ولذلك فإن انتباه الأشخاص أصبح مهما؛ حيث يتنافس الجميع على كسب تركيزهم وجذبه لأطول فترة ممكنة.
وهنا نستطيع القول: إن المنصات والمواقع الإلكترونية تسعى إلى إبقاء انتباه الأشخاص أطول فترة ممكنة من خلال جذب تركيزهم. أما في الجانب الاقتصادي فإن الانتباه أصبح سلعة تتنافس الشركات لتحقيق الأرباح من خلاله عبر تقديم المنتج الذي يرضي الزبون.
أرى أن الانتباه أصبح سلعة ثمينة في ظل انتشار المنصات الرقمية، والتنافس أصبح أكبر في جذب اهتمامات الجمهور في هذه المنصات؛ وبالتالي هناك فرصة كبيرة للاستفادة من الاقتصاد الرقمي الذي سيمثل 17% من الناتج المحلي العالمي بـ16.5 تريليون دولار عام 2028م؛ وبالتالي فإن المنتج الحقيقي هو الانتباه في هذا النموذج الاقتصادي الجديد، وليس المحتوى المنشور.
ولكسب انتباه الجمهور لا بد من التحول والتركيز إلى المحتوى القصير المتجدد؛ حتى يساعد الأفراد على التفكير النقدي والاستيعاب؛ لأن تخمة المحتوى المنشور ربما يؤثر كيفية التفاعل معه، وقد يصعب عليهم التفريق بين المعلومة الصادقة والمعلومة المغلوطة المضللة.
أعتقد من المهم أن يقوم صناع المحتوى بأدوار فاعلة في البيئة المعلوماتية من خلال صنع محتوى متزن ومؤثر. وفي الجانب الآخر ينبغي للفرد أن يمتلك وعيا مجتمعيا ورقميا عبر تطوير مهارات التفكير النقدي في المحتوى المنشور، وأن يبتعد عن استهلاك المحتوى السلبي في المنصات الإلكترونية؛ حتى يتفادى سلبيات وتحديات اقتصاد الانتباه؛ لأن ما تركز عليه انتباهك اليوم سيشكل حياتك مستقبلا.
وبالتالي فإن مشاركة المقاطع المرئية والمنشورات مع الأصدقاء دليل على انجذابك وتركيز انتباهك لها. ولنستفيد أكثر من اقتصاد الانتباه علينا أن نصنع محتوى جذابا للجمهور؛ لتحقيق أهداف عدة من بينها: وعي مجتمعي أكبر، ورسائل إعلامية واتصالية متزنة ومفهومة للجمهور، وفوائد أكبر من الاقتصاد الرقمي.
