«معا نتقدم» نافذة حوار وطني وشراكة تنموية
لا أخفي سعادتي مع كل نسخة من نسخ الملتقى الحواري الوطني السنوي «معا نتقدم»، ليس لما يقدم من محاور حيوية تحظى بالنقاش المباشر والتداول التفصيلي وحسب، بل لكل تلك المساحات الهائلة التي يمنحها الملتقى للمشاركين في جلساته وبين جنباته، ثم للمنظمين والمسؤولين والمشاركين، وبين كل أولئك والمتابعين عبر شبكات التواصل الاجتماعي (من الإعلامين التقليدي وغير التقليدي).. كلها مساحات تواصل وتفاعل وتكامل. ولا أحسب الأمر غريبا مستهجنا مع افتراض سعينا جميعا للاحتفاء بنوافذ الحوار والتواصل والمشاركة التكاملية بين الأفراد ممثلين لمجتمع كامل، مع الحكومة ممثلة في مساراتها التنموية ومؤسساتها المختلفة. لا يمكن ألا نحتفي بتنوع الأصوات المشاركة ممثلة قطاعات مختلفة، وفئات عمرية متنوعة، تجارب شتى وخبرات تخصصية، إبداعات تتلمس طريقها للتقييم والتقدير والتبني إن حالفها الحظ، كما لا يمكن إنكار تطور نسخ الملتقى عاما بعد آخر تطورا نوعيا يجاري تطوره الكمي حضورا وتفاعلا.
ومن إيجابيات الملتقى لهذه النسخة تعزيز فكرة اللامركزية بتفعيل نشاط المحافظات تنمويا مع تصريح معالي الشيخ الفضل بن محمد الحارثي، الأمين العام لمجلس الوزراء -في كلمته- بمباركة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - لمقترح عقد الملتقى في المحافظات بالتناوب، إلى جانب عقد الملتقى الرئيسي في محافظة مسقط لمناقشة القضايا الاستراتيجية الوطنية؛ استجابة لمطالب المشاركين في النسخ السابقة انعكاسا للاستجابة بعد الدراسة. كل هذا يتيح المجال لاستقطاب أعداد أكبر من المواطنين وموضوعات أكثر خصوصية تتعلق بكل المحافظات، لتتحول فكرة الملتقى من المكان المركزي الواحد إلى المنطلق التنظيمي الإشرافي على لقاءات موازية في المحافظات المختلفة تقريبا للواقع واختبارا لتحديات التنظيم وعدالة التوزيع.
ومع تركيز محاور هذه النسخة من الملتقى على تحقيق أهداف «رؤية عمان 2040»، إضافة إلى جلسات أخرى تدور حول الاقتصاد والتنمية، أردت التركيز على جلسة تجويد الخدمات الحكومية لتعزيز الإنتاجية والتنافسية، متضمنة المنصَّات الوطنية وأثرها في تجويد الخدمات الحكومية (بوابة الخدمات الحكومية، منصَّة «تجاوب»، منصة «صادرات عُمان»، وغيرها من المنصات)، الحديث هنا لن يتجاوز فكرتي المشاركة والحوكمة، إذ احتفت النسخة السابقة من الملتقى بإطلاق هذه المنصات الوطنية، خصوصا منصة «تجاوب» التي تمثل قناة تواصل تفاعلية تُعزز الشفافية وتجعل صوت المواطن مسموعًا، بهدف بناء خدمات حكومية أكثر كفاءة وتلبية لاحتياجات المجتمع (وفقا لأهداف تدشينها) ومن نافلة القول إن تجد هذه القناة المتابعة اللازمة، والحوكمة المستدامة حرصا على تفعيلها للاستفادة منها في تجويد الخدمات، وفي قياس أداء المؤسسات معا، ولعل من اللافت أن ثناء الجمهور المكثف على هذه المنصة في الأشهر الأولى بعد تدشينها قد بدأ فعليا بالانحسار، بل تحوّل في بعض ردود الفعل إلى تأكيد فكرة «التجاوب الآلي» مع المقترحات والشكاوى؛ تنصلا وهروبا من العناية بالمشاركات، وتسجيلا وظيفيا بحتا للرد دون عناية بمضمونه تحققا ودراسة، ولأن «تجاوب» وغيرها من المنصات قنوات تواصلية تكاملية فلا ينبغي تهميشها بالتعامل الآلي والتجاوب الشكلي، الذي يعيد المواطن لدائرة سابقة من ضعف الثقة في المؤسسة وقدرتها على استيعاب المختلف من الآراء والجديد من الأفكار والتطلعات.
ومن المختلف البديع من الأفكار لا ننسى الإشارة إلى مجاميع الشباب المترقبين نسخ «معا نتقدم» لعرض أفكار مشاريعهم، والالتقاء بغيرهم من أصحاب المشاريع نقاشا استقصائيا يصل بهم إلى مسارات تنافسية وأخرى تكاملية، وربما جمعت بعضها الحسنيين فتنافست وفازت وتكاملت مع غيرها من المشاريع نهوضا بالتنمية، وخدمة للوطن ضمن مبادرة «صُنّاع الأفكار» الساعية لاحتضان الأفكار المتميزة بتطويرها وتحويلها إلى مشروعات ذات جدوى اقتصادية، كما لا ينبغي نسيان تلك الأصوات الشابة التي تثبت دائما أنها مسكونة بالوطن وقضاياه وتحدياته المستقبلية رغم نشاط آلة التشتيت الرقمي، واعية بأولويات وطنها، مساهمة في وضع تصورات استشرافية لحلول واقعية لأبرز تحدياته، وليس صوت اليقين ببعيد عن هذا.
ختاما: مع تأكيد صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية -هذا العام- على استمرار ملتقى «معا نتقدم»منصة مفتوحة لتبادل الآراء والرؤى والأفكار، لا بد من رعاية المُنجَز المستخلص من مخرجات هذا الملتقى الوطني في أعوامه السابقة، والسعي للمشاركة في وضع محاور نسخته القادمة بما يضمن تفعيل المشاركات الحوارية نهوضا بالملتقى وجلساته ومتلقيه وصولا لأسمى الغايات عبر أسمى الوسائل حتى نتقدم معا.
حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية
