حرب إيران في أعين الإعلام الغربي

15 فبراير 2026
15 فبراير 2026

إن المؤسسات الإخبارية الغربية، التي غالبًا ما تُطلق على نفسها اسم «الإعلام الدولي»، ترتدي أقنعة، ترتدي هذه الأقنعة عندما تدّعي أنها «تقول الحقيقة في وجه السلطة»، وترتديها أيضًا عندما تدّعي أنها «تُسمع صوت من لا صوت له»، كما ترتديها في طريقة تغطيتها للأحداث بين الحلفاء الغربيين وخصومهم. 

ورغم كل الجهود المبذولة، فقد انكشفت هذه الأقنعة مرارًا وتكرارًا خلال الإبادة الجماعية الإسرائيلية للشعب الفلسطيني، وهو الحدث الذي كشف بوضوح تام عن الضعف المتأصل في المراسلين الأجانب منذ أن بدأ الصحفيون البريطانيون والأمريكيون بإرسال برقياتهم إلى لندن ونيويورك عبر التلغراف في القرن التاسع عشر. 

ويتمثل هذا الضعف، من بين أمور عدة، في عدم قدرة هؤلاء الصحفيين على فصل توجه تغطيتهم للأحداث في العالم عن سياسات حكوماتهم. 

ورغم إنكارهم الشديد لذلك، فإن أكبر المؤسسات الإخبارية في العالم - مثل بي بي سي، ونيويورك تايمز، وسي إن إن، على سبيل المثال لا الحصر - تتعامل مع أصدقاء الغرب وخصومه بشكل مختلف تمامًا. فروسيا ومصر لا تُغطى الأخبار فيها وفقًا للمعايير نفسها. ويُعامل قادة دكتاتوريون في دول في الشرق الأوسط بأنهم شخصيات إصلاحية، بينما يُسخر من كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، ويُصوَّر ديكتاتورًا أخرق. 

وفي الأسابيع الأخيرة، شهدنا ازدواجية المعايير تلك في تغطية الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومة في إيران، وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بشن هجوم على البلاد. 

وللتوضيح، فأنا لا أصدر حكمًا نهائيّا هنا. لا أنكر أن المتظاهرين الإيرانيين يستحقون أن تُعامل مطالباتهم بإنسانية وأن تُروى حكاياتهم بحياديّة. 

ولا أنكر أن التقارير عن مقتل وسجن أعداد هائلة من المتظاهرين مروعة ومهمة. ولا أنكر ضرورة محاسبة السلطات الإيرانية، ولكن ليست هذه هي القضية المطروحة. القضية هي أن رواية هذه الأحداث لا تنقل بشكل عادل. ويتجلى التناقض الأبرز في كيفية تناول وسائل الإعلام للحكومة الإسرائيلية، وهجومها المتواصل على غزة، وزعيمها، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. 

لنأخذ برنامج «نيوزنايت» كمثال، وهو البرنامج الحواري الرئيسي للقضايا التي تجري على الساحة على قناة بي بي سي. في التاسع من أكتوبر 2023، دار أحد أغرب الحوارات التي شاهدتها على شاشة التلفزيون، عندما ظهر في البرنامج حسام زملط، رئيس البعثة الفلسطينية آنذاك في بريطانيا. 

في ذلك الوقت، كان أكثر من 800 شخص قد قُتلوا على يد إسرائيل في غزة، وكان زملط قد علم لتوه أن سبعة من أفراد عائلته، بينهم أطفال، كانوا من بين الضحايا. وبعد أن وصف ظروف مقتلهم، أعربت المذيعة كيرستي وارك عن تعاطفها الموجز، قبل أن تواجهه مباشرة بسؤال: «أنا آسفة لخسارتك الشخصية. لكن هل لي أن أوضح لك شيئًا؟ لا يمكنك أن تتغاضى عن قتل المدنيين في إسرائيل، أليس كذلك؟ ولا عن اختطاف العائلات؟». 

لقد أصبح هذا النمط متكررًا، فلم يكن يُسمح للفلسطينيين بالظهور على شاشات التلفزيون الغربية دون أن يواجهوا السؤال المتكرر: «هل تدينون حماس؟» ولم يكن يُسمح لهم بالتحدث عن معاناتهم، أو دق ناقوس الخطر بشأن التطهير العرقي في غزة الذي وصفوه بأنه إبادة جماعية، إلا بعد إقناع المذيع بأنهم من الفلسطينيين «الطيبين». 

أما النمط المتكرر الآخر، الذي يُستخدم غالبًا ردًا على ذكر حقائق ثابتة وموثقة من الضيوف الفلسطينيين، وممثلي منظمات الإغاثة، وأي شخص ينتقد تصرفات إسرائيل في غزة، فهو الاستدراك الدائم: «لكن إسرائيل ستقول». بالنسبة لإيران، فلم أشاهد أي مذيع أخبار يرد على ضيف بعبارة «إيران ستقول»، ولا مرة واحدة، منذ بدء الاحتجاجات. لماذا؟ لأن ذلك سيكون أمرًا لا يُتصور، ولو حدث، لثارت ثائرة المؤسسات السياسية والإعلامية. 

المسألة، مرة أخرى، ليست أن تتدخل وسائل الإعلام في حقيقة مؤكدة قد تنفيها السلطات الإيرانية، بل ألا تفعل ذلك مع إسرائيل أيضًا. 

والآن، قارن تجربة زملط في برنامج «نيوزنايت» بتجربة حلقة نقاش اجتمعت لمناقشة إيران مع اقتراب قرع طبول الحرب. كان أوميد جليلي، وهو ممثل كوميدي بريطاني المولد من أصل إيراني، الضيف النجم في قائمة المشاركين التي ضمت أيضًا رئيس جهاز الاستخبارات البريطاني السابق أليكس يونغر، والبارونة هيلينا كينيدي، والكاتب اليميني ماثيو سيد. تحدث الضيوف بجدية مع ذريعة ترامب، وهي رغبته في «مساعدة» المتظاهرين. وخلال نقاش دام 15 دقيقة، وُجهت انتقادات لاذعة لـ«النظام»، وهو مصطلح يُستخدم عادةً لوصف خصوم الغرب فقط، بسبب وحشيته، دون أي تعليق من المذيعة فيكتوريا ديربيشاير. وفي مثال واضح جدا على ازدواجية معايير الإعلام، وصف سيد، بعد هجوم مبطن على الإسلام، السلطات الإيرانية بأنها «ترتكب إبادة جماعية». 

ومرة أخرى، لم تُدلِ ديربيشاير بأي تصريح. ورغم أن جليلي لم يُطالب صراحةً بقصف الولايات المتحدة لطهران، إلا أنه أبدى رغبته في تدخل ترامب، وادعى أنه يتحدث باسم الشعب الإيراني. وقال: «يقول الشعب الإيراني... إذا كان هناك أي نوع من المساعدة الخارجية، فسنقبلها. إذا أراد ترامب أن يفعل شيئًا يُساعدنا، فلن نرفض». 

قال الممثل الكوميدي، الذي لم يزر إيران منذ أن كان في السادسة من عمره عام 1971، إن الإيرانيين يلتفّون حول رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران. 

وأضاف جليلي: «إنّ بهلوي يُمثّل الوحدة الوطنية»، دون أي اعتراض أو أسئلة توضيحية أو سياق من المذيع. ومع ذلك، ليس هناك دليل على الإطلاق أن معظم الإيرانيين الذين تظاهروا بشجاعة في الشوارع أنهم أرادوا تدخل ترامب بأي شكل من الأشكال، أو كانوا يدعمون بهلوي. 

لماذا نتحدث عن هذا الموضوع؟ لأن هذه الحوارات، وغيرها من التغطيات الإعلاميّة، كانت تحدث في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان تبرير شنّ هجوم على إيران. وكما علّمنا التاريخ الحديث، فإن المؤسسات الإعلامية الكبرى - بعضها عن تواطؤ، والبعض الآخر عن جهل وسذاجة - تُعدّ مفتاحًا لهذا المسعى. 

ورغم أن هناك تغيرا بطيئا في هذا الشأن، إلا أن أحد أهم الأسباب وراء هذه الظاهرة هو نقص التنوع في غرف الأخبار، وعجز العديد من الصحفيين الغربيين عن الخروج عن عباءة الدعاية التي تلقوها في صغرهم في الغرب. في عام 2017، كنتُ في غرفة أخبار تلفزيونية عندما أُعلن عن وفاة مارتن ماكغينيس، زعيم حزب شين فين، ونائب رئيس وزراء أيرلندا الشمالية السابق، والقائد السابق للجيش الجمهوري الأيرلندي. 

في ذلك اليوم، كان جميع الصحفيين المناوبين، بالإضافة إلى المذيع، بريطانيين تقريبًا. وسرعان ما تقرر أن تكون وفاة ماكغينيس هي الخبر الرئيسي، لكنني شاهدتُ هؤلاء الصحفيين المخضرمين وهم يُجهدون أنفسهم في التفكير والقلق بشأن كيفية وصفه. 

اقترح أحدهم وصفه بـ«إرهابي». ثم «متشدد». «شبه عسكري؟» قال آخر: ماذا عن «إرهابي مُعترف به»؟ لم تكن هناك حاجة لأي من ذلك. كانت لدينا سياسة واضحة. سواءً أكانت حركة الشباب، أو بوكو حرام، أو القوات المسلحة الثورية الكولومبية، كنا نطلق على هذه المنظمات اسم «جماعات مسلحة»، وكان كبار أعضائها يُطلق عليهم «قادة»، والجنود «مقاتلين»، لكن الصحفيين البريطانيين لم يستطيعوا التخلص من هذه الصورة النمطية عندما يتعلق الأمر بالجيش الجمهوري الأيرلندي. 

لن يتغير هذا الوضع قريبًا، لأن رؤساء التحرير في غرف الأخبار الحاليين لا يرون المشكلة، ولعل الأمل الوحيد يكمن في تغيير هذه الوجوه مستقبلًا. مع أن الاحتجاجات قد خبت حدتها مؤقتًا، إلا أنها كانت دائمًا ذريعة لترامب، ولا يزال هناك احتمال كبير أن يشن هجومًا على إيران، وإذا فعل، فتوقعوا أن تُشيد به وسائل الإعلام الغربية إلى أقصى حد. 

 باري مالون صحفي مستقل ومؤلف النشرة الإخبارية «بروكسيميتيز». 

 الترجمة عن «ميدل إيست آي».