في الذكرى العاشرة لرحيله: هيكل يطل على أجيال جديدة لم تعرفه في حياته

15 فبراير 2026
15 فبراير 2026

يوافق غدا السابع عشر من فبراير الذكرى العاشرة لرحيل الأستاذ محمد حسنين هيكل أهم صحفي عربي وبين أهم عشرة صحفيين في تاريخ الصحافة في العالم. وكنت قد تنبأت قبل خمسة أعوام أن هيكل سيحضر في غيابه أكثر مما حضر في حياته وأن وصف «مالئ الدنيا وشاغل الناس سيلتصق به كما التصق بالمتنبي شاعر العربية الأكبر، وهو بالمناسبة شاعر هيكل الأثير. 

لكن ما حدث بعد طوفان الأقصى والحرب على إيران والنتائج الجيو -استراتيجية لاتفاقات التطبيع الإبراهيمية التي بدأت تتضح كوارثها مؤخرا جعلت حضور هيكل يفوق كل هذه التنبؤات. 

منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣كان عبد الناصر وهيكل وعبد الوهاب المسيري أي الزعيم الاستثنائي والمحلل الاستراتيجي والمفكر السياسي من أكثر الناس استدعاء على محركات البحث. يقود هذا الاستدعاء أغلبية من الأجيال الجديدة مثل جيل «زد» الذي لم يعرف هيكل في حياته ١٩٢٣-٢٠١٦. شاهدت عشرات الملايين من هذه الأجيال مقاطع فيديو لمقابلات تليفزيونية أو محاضرات أو سكرين شوت لمقتطفات من كتب ومقالات. 

السبب الرئيسي لاستعادة هيكل وحضور صورته وصوته كان ما أثبتته الأحداث العظام والمسار المتعرج لزلزال طوفان الأقصى من قدرة غير مسبوقة لمفكر عربي في التنبؤ بالمستقبل؛ فقد وجدت الأجيال القديمة التي تعرف هيكل والجديدة التي لم تكن تعرفه تفسيرا لما يحدث وتوقعا مبكرا لنتائجه. الفرق الوحيد أنهم وجدوا أنه تنبأ فيها بوقائع اليوم في مقابلات وكتب ومقالات كان قد أجراها أو نشرها قبل الطوفان، وأحيانا قبل خمسين عاما. 

تقديره أن غزة هي التي ستقود المقاومة وتقييمه السلوك المتوقع من السلطة الفلسطينية في ظل قيود أوسلو وتحويلها في نظر الاحتلال الإسرائيلي إلى شرطي للاحتلال والاستيطان. توقعاته بخذلان الأمة للمقاومة ووقوف أمريكا بكل ترسانتها العسكرية والتكنولوجية وراء إسرائيل ومشاركتها في إبادة الفلسطينيين كانت كلها علامات تعجب أمامهم على قراءة استشرافية للمستقبل. لهذا لم أشعر بالدهشة من العدد الكبير من المسؤولين والسياسيين العرب الذين طلبوا مني بعد ٧ أكتوبر نسخة من مقابلة لي على الجزيرة مع الأستاذ هيكل في حرب ٢٠٠٨-٢٠٠٩ على غزة والتي تنبأ فيها بما حدث في طوفان الأقصى بعدها بخمسة عشر عاما كاملة. شمل التنبؤ أيضا انخراطا أمريكيا - إسرائيليا في الإفادة من الحرب في تنفيذ هدفهم المستمر لإسقاط نظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية المعادي للغرب وإعادة إيران شرطيا قاسيا للخليج كما كانت أيام حليفهما الأقرب شاة إيران السابق. 

إسرائيل هي التهديد الحقيقي للعرب وليست إيران: تفوقت مشاهدات الناس لمقتطفات هيكل على مشاهدات مئات من المحللين العرب الحاليين لسبب آخر هو اتضاح دقة وصحة بوصلته الجيواستراتيجية وهو رجل الخريطة ورجل الوثيقة وقارئ تجارب التاريخ ليس باعتباره علم الماضي بل علم قراءة المستقبل من هذه التجارب. بح صوت هيكل منذ قيام الثورة الإيرانية ١٩٧٩ على تحذير العرب عامة وعرب الخليج خاصة من الوقوع في الفخ الأمريكي/ الإسرائيلي باعتبار طهران التهديد الأخطر على أمنهم. وشدد هيكل على مخاطر الانضمام لحلف يضم إسرائيل ودول عربية لإسقاط النظام الإيراني وتحطيم حركات المقاوم الفلسطينية واللبنانية التي يدعمها هذا النظام معترفا بأن هناك مشكلات مع إيران ولكنها مشكلات قابلة للحل مع بلد أصيل في المنطقة وشريك في الدين والثقافة الإسلامية. أكد هيكل أن العدو الحقيقي للأمة هو إسرائيل كذراع عسكري للإمبريالية الأمريكية ودولة وظيفية توسعية بطبيعتها محكوم عليها بالعدوان والحرب المستمرة بعد اعتداء إسرائيل على ٧ دول عربية والعدوان على دولة من دول مجلس التعاون هي قطر العام الماضي ينضم استراتيجي هام في الخليج هو الأمير تركي بن فيصل لمقولة هيكل معترفا في حوار مع المذيعة هادلي جامبل بأن إسرائيل هي المصدر الرئيسي للحرب، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وأنه من الضروري كبحها ولجمها. تنضم دول المجلس الآن لموقف عماني ثابت لم يتغير منذ أربعة عقود ونيف ويرفض عمل عسكري ضد إيران يهدد. المنطقة كلها خراب وفوضى قد تستمر عقودا. ويثبت مجددا - وللأسف قد يكون متأخرا - صحة بوصلة هيكل أحد أهم من عبروا وساهم في نظرة عبدالناصر لضرورة قيام نظام أمن قومي جماعي عربي يواجه الدولة الوظيفية التي زرعت خنجرا في قلبه لإبقائه منقسما وضعيفا. 

عاقبة خروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي على أمتها وعلى وجودها نفسه: وصف العبقري جمال حمدان هيكل بأنه المفكر الاستراتيجي الأهم الذي استطاع قراءة العالم بعيون مصرية وعربية وقد أثبتت تحولات الطوفان التكتونية صحة هذه القراءة. فهيكل الذي افترقت طرقه مع السادات بسبب خضوعه لكيسنجر وإخراجه الدولة الأكبر من الصراع العربي الإسرائيلي لم يتوقف دقيقة منذ عام ١٩٧٤ وحتي وفاته ٢٠١٦ من التحذير من مخاطر الصلح المنفرد وترك باقي الدول العربية للذئب الإسرائيلي يعيث في أراضيها وأجوائها أو يفرض عليها اتفاقات تسوية أو تطبيع تجعل مصر نفسها ودول عربية أخرى محاصرة ومهددة في وجودها كدولة. عندما اتضح أن التطبيع الإبراهيمي هو حلف جيوسياسي يتكفل فيه الاختراق العربي الموقع عليه بتهديد أمن السعودية واليمن وعمان والصومال وجيبوتي والسودان ومصر تأكدت أسوأ مخاوف هيكل. حذر الأستاذ القاهرة من ٧٤ من أول السادات مرورا بمبارك وحتي ما بعد ٣ يوليو من أن سياسة الانكفاء على الذات وما تسمى باستراتيجية مصر أول ستكون نتيجتها أن تصبح مصر مهددة في وجودها من جميع الاتجاهات. 

وهذا ما حدث بعد طوفان الأقصى واتضاح التآمر الإبراهيمي إذ أصبحت مصر التي تصورت أن الانكفاء على الداخل يمنحها الاستقرار والتفرغ للاقتصاد باتت مهددة من الشمال الشرقي وغزة ومن الجنوب في السودان وحربه الأهلية ومن الغرب في ليبيا ومهددة بتهجير من فلسطين لسيناء. وإذا لم تستوعب قراءته وتعود مصر لسياسة تقوم على المبادرة والانخراط في صيغة عربية وإقليمية لمواجهة التوسع الإسرائيلي والاختراق الإبراهيمي كما دعا هيكل فقد تزداد تحرشات خصومها وحدودها وأمنها المائي والجيوسياسي. تغلبت قدرة هيكل الفائقة على التنبؤ وإثبات الأحداث لصحة بوصلته للأمن القومي العربي ودفاعه عن دور قائد لمصر في أمتها يحميها قبل أن يحمي أشقائها حتى على عداء تيارات الإسلام السياسي له وتجربة التحرر العربي التي قادها عبد الناصر والتي ارتبط اسم وفكر هيكل بها. فسلام على الرجل الذي قد تحتاج الأمة عقودا كي تنجب موهبة بحجمه. 

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري