مصير عالمنا: إلى أين؟
21 يوليو 2026
21 يوليو 2026
كلما حاولت أن أكتب مقالًا عن قضية فكرية عامة في واقعنا الثقافي أجد أن الشأن السياسي الراهن هو ما يهيمن على أفكاري واهتمامي، وأظن أن هذا أمر طبيعي يشغل أيضًا اهتمام معظم الناس؛ لأن عالمنا الراهن يموج بالصراعات التي تهدد معيشة وأسلوب حياة كل إنسان يعيش على الأرض من دون أن يدري، فحتى أولئك الفلاحون البسطاء في قرية نائية من دولة نائية لم يكونوا يدركون أن الحرب الجارية الآن حول مضيق هرمز سوف تؤثر بقوة على حصولهم على الأسمدة الزراعية التي كانت تأتي إليهم عبر هذا المضيق.
غير أن السؤال عن مصير هذا العالم سؤال عويص؛ لأن المصير في النهاية بيد الله، وهو ما يتنبأ به الأنبياء (وفقًا للرؤية الدينية)؛ ولذلك فإن العلماء والمفكرين لا يمكن أن يقوموا بدور الأنبياء.
هكذا يمكن أن يُقَال، ولكن هذا القول يغلق الباب على الفكر والتأمل: فلا شك في أن الفكر يمكنه أن يتأمل القضايا المتعلقة بالمصير بأن يرسم سيناريوهات ممكنة أو محتملة لها من دون أن يتخذ موقفًا واحدًا قاطعًا منها (كما هو الحال في الرؤية الدينية).
ولذلك فإن الرؤية الفلسفية للمصير تكون أشبه بسيناريو يستند نظريًّا إلى تأمل ظواهر الواقع في عصره، وهذا ما فعله فيلسوف التاريخ الشهير اشبنجلر. ولكن الواقع يتغير من عصر إلى عصر، وهو يستجد عليه عبر الزمان ما لم يكن موجودًا من قبل. فما هو الموجود في عصرنا، وبماذا ينبئنا؟ ذلك هو السؤال.
الحرب الآن في كل مكان، ورحاها دائرة الآن بين روسيا وأوكرانيا، وبين أمريكا وإيران في منطقة الشرق الأوسط، وهي حروب امتد تأثيرها على حياة الناس، ليس في منطقة الشرق الأوسط وحسب، بل أيضًا في سائر أنحاء العالم. غير أن التأثير على معيشة الناس إنما هو التأثير السطحي المباشر؛ لأن هناك تأثيرًا بطيئًا أكثر عمقًا يتعلق بإعادة رسم، لا الخرائط الجغرافية وحسب، بل أيضًا الخرائط السياسية، أعني يتعلق بتشكيل القوى السياسية الأكثر قدرةً على الهيمنة على هذا العالم والتحكم في مصائره، ناهيك عن تشكيل هذه القوى باعتبارها قوى اقتصادية أيضًا.
هذا هو مناط الحروب والصراعات الجارية الآن في عالمنا.
هذه هي المعطيات الأساسية الموجودة في عصرنا الراهن، وهي ما ينبغي أن نضعه في الاعتبار دائمًا حينما ننظر في مصير عالمنا بمعناه الواسع. ولكن لنتأمل ذلك الآن بالتطبيق على ما يجري في عالمنا العربي ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا.
منذ قرابة خمس عشرة سنة اندلعت ثورات ما أسماه الغرب بثورات الربيع العربي، وهي ثورات قام بها أنبل المخلصين من الشباب العربي الحالم بتغيير مصير وطنه، ولكنها أيضًا ثورات قد اخترقتها الجماعات الإسلاموية، وذلك بدعم ومباركة من الولايات المتحدة الأمريكية التي هي القوة الوحيدة المهيمنة آنذاك.
ولقد زعمت السياسة الأمريكية قبيل هذه الثورات وفي أثنائها أنها تهدف بدعمها هذا إلى تغيير النظم السياسية في عالمنا العربي بحيث تتحول إلى نظم ديمقراطية! وليس هذا بصحيح على الإطلاق، وإنما هو مجرد الشكل المعلن الذي يُخفي الكثير وراءَه.
وليس قولي هذا من باب التفتيش في النوايا، وإنما هو مؤسس على الوقائع التي تجري على الأرض في عالمنا منذ سنوات عديدة حتى عصرنا الراهن، ولقد لاحظنا ذلك -على سبيل المثال- في أن القوى الإسلاموية (من السلفيين وجماعة الإخوان المسلمين) هي تلك التي اعتلت نظم الحكم مباشرةً بعد اندلاع الثورات في بعض دول العالم العربي.
بل إن هذا القول مؤسس أيضًا على الأقوال والتصريحات التي صدرت عن الإدارة الأمريكية آنذاك؛ ولعلنا نتذكر في هذا الصدد قول هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد أوباما) في أثناء ثورة يناير المصرية: إن مبارك عليه أن يرحل الآن، وإن كلمة الآن تعني الآن. كما يمكننا أن نتذكر أيضًا مقولة «الفوضى الخلاقة» التي أعلنتها كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، قبل بضع سنوات من اندلاع ثورات الربيع العربي، باعتبار ذلك تعبيرًا عن السياسة الأمريكية.
لم يكن هذا من أجل الشعب المصري، وإنما من أجل تغيير النظام لمصلحة كيانات أخرى أكثر تطويعًا، ويمكن أن تؤدي سياستها إلى خلق حالة من الفوضى والصراع تفضي في النهاية إلى مزيد من التخلف، وهو المطلوب تحقيقه في الواقع (ومن أراد تفصيلًا في هذا الأمر، فليرجع إلى مقالي المنشور في هذه الجريدة الرصينة بعنوان «الفوضى غير الخلاقة»).
ومثل هذا يمكن أن يُقَال أيضًا عما جرى في ثورات الشعوب العربية الأخرى. والواقع أن مقولة كوندوليزا رايس تبدو صحيحة فقط من وجهة نظر أو موقف السياسة الأمريكية؛ لأن الفوضى تسمح عندئذ بالتغيير، ولكن فقط بمعنى: إن الفوضى تسمح لنا بالتدخل وإعادة ترتيب النظم والخرائط السياسية. ذلك هو المصير الذي يُراد لنا أن نؤول إليه في العالم العربي لمصلحة الكيان الصهيوني، ولكن هذا المشروع الأمريكي الصهيوني الذي أصبح مكشوفًا في الممارسات على أرض الواقع، ومعلنًا بفجاجة بالغة على ألسنة كبار الساسة والقادة من الأمريكان والصهاينة، لم يعد ممكنًا تحقيقه بفعل إرادة شعبية وسياسية مناهضة له في معظم الدول، وبفعل صعود قوى عالمية أخرى لها تأثير في صنع القرارات السياسية.
د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة
