مهرجان ظفار الدولي للمسرح 2026.. حالة فنية اجتماعية في عصر رقمي
19 سبتمبر 2026
19 سبتمبر 2026
كتب الممثل والفنان المسرحي الأمريكي (ويلم دافو) رسالة الهيئة الدولية للمسرح احتفاء باليوم العالمي للمسرح 2026، وهي رسالة عبَّرت عن تلك القوة التي يمثلها المسرح في ظل العديد من المتغيرات التي تحاول جر المجتمعات إلى تبني أطوار استهلاكية للثقافة؛ إذ يؤكد دافو أن القوة الحقيقية للمسرح هي الفعل الإبداعي المشترك بين الممثل والجمهور، الذي يؤثر مباشرة على الحياة الاجتماعية والسياسية، وبالتالي فإنه الأقرب إلى حياتنا والأهم والأكثر حيوية في فهمنا لذواتنا ولمجتمعاتنا وللعالم من حولنا.
إن دافو في رسالته هذه يقِّر أن فاعلية المسرح وقدرته على الولوج إلى واقع المجتمعات تزداد أهمية في ظل الانفتاح التقني وخاصة الذكاء الاصطناعي الذي عبَّر عنه بـ (الفيل الموجود في الغرفة)، لما لهذا الانفتاح من أثر في تباعد الناس وشيوع الجهل وغياب (الدهشة) التي غالبا ما يثيرها المسرح، ويبرزها ضمن الإبداع الذي يمثِّله والقدرات التعبيرية التي تجسِّد الواقع وتصنع آفاق تحولاته الثقافية؛ فبقدر ما تفيدنا التقنيات بقدر ما تسكِت في دواخلنا الدهشة وتُخفِت الإحساس بالحيوية.
ولعل هذا ما دفع ويليم دافو إلى القول بالقيمة الثقافية والاجتماعية التي يتمثلها المسرح، والدور الذي يجب أن يقوم به المسرحيون في دعم توجهاته وأهدافه الثقافية السامية؛ إذ يقول صراحة «علينا أن نغذي قوته - أي المسرح - الحقيقية: قدرته على الوصول إلى الناس، والمجتمعات، والثقافات، وقبل كل شي علينا طرح السؤال الجوهري (إلى أين نحن ذاهبون؟)».
إن هذا التساؤل يحيل إلى تلك التحديات التي تواجه المسرح والفنون في علاقتها بالمجتمعات، وصمودها في ظل التطورات الرقمية والمعرفية التي أدت إلى ما أسماه (إفساد المسرح).
إن الفنون عموما والمسرح بشكل خاص يعد من أقرب المجالات الثقافية إلى المجتمع، فقد شكَّل منذ تاريخ نشأته أبرز توجهات المجتمعات وطموحها وقدَّم ثقافتها وقدرتها الإبداعية، ولعل دوره اليوم يزداد أهمية في صراعه مع التقنيات، خاصة بما يتبناه البعض فيما يُعرف في الفنون الرقمية بـ (المسرح الرقمي)، الأمر الذي سيخرِجه من أهم ما يميِّزه وهو التجربة المشتركة المباشرة بينه وبين الجمهور في صالات العرض، مما سيُعد نوعا من أشكال (الإفساد) التي أشار إليه دافو في رسالته.
ولعل تجارب مهرجانات المسرح الإقليمية والدولية خلال هذا العام، كمهرجان المسرح العربي في مصر، ومهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، ومهرجان صدى المسرح في لبنان، ومهرجان جرش في الأردن، وكذلك مهرجان أفيغنون المسرحي في فرنسا، ومهرجان إدنبرة فرينج في اسكتلندا، إضافة إلى مهرجان الهيئة الدولية للمسرح الذي نُفِّذ في يوليو من هذا العام، كلها تشهد الزخم الكبير الذي يشهده المسرح والتفاعل اللافت الذي تشير إليه إحصائيات الجمهور ومشاركتهم في حضور المسرحيات والمؤتمرات والورش المصاحبة، الأمر الذي يعكس تأكيد الدور الثقافي الذي يقوم به المسرح اليوم في ظل المتغيرات والتحديات الكبرى التي تواجه الثقافة من ناحية، والوعي المجتمعي والجماهيري الذي ما زال يؤمن بالمشاركة المتبادلة بينه وبين المسرح باعتباره منصة ما زالت تعبِّر عن همومهم وآمالهم.
ولقد شهدنا الزخم الكبير الذي رافق مهرجان ظفار الدولي للمسرح في نسخته الثانية منذ افتتاحه في الرابع عشر من سبتمبر الحالي؛ حيث ظهر المهرجان باعتباره مشروعا ثقافيا يطوِّر من تجربته ويحاول الربط بين ما يقدمه المسرح العماني وما يتم تقديمه في العالم، من خلال التكاملية التي ظهرت ضمن تنوُّع البرنامج ومسارات التنافس (مسار عروض النخبة)، و(مسار العروض الكبرى)، و(مسار مسرح ظفار)، مما يعكس الطموح الذي يتوق إليه المهرجان نحو توظيف الابتكار والإبداع في دعم الحِراك الثقافي والاجتماعي في الدولة.
إن المهرجان يقدِّم رؤية واضحة للاستثمار في الثقافة من حيث ما يمكن أن يحقِّقه من إمكانات في تمكين المبدعين وإشراكهم في العمل المسرحي بتكامليته على مستوى الإنتاج والإخراج والكتابة والإدارة الفنية (التصميم، والموسيقى والصوت، والإضاءة، والنقل، والتسويق...) وغير ذلك مما يدعم الصناعات الإبداعية ويعزِّز مكانتها ويكشف ما يمكن أن توفِّره على المستوى الثقافي والاقتصادي، إضافة إلى ما يقدِّمه من ورش ومختبرات تُعد حاضنات لصناعة المواهب وصقلها وتفاعلها مع الخبرات والمبدعين من دول العالم ممن يُعدون صُنَّاعا للمسرح، كما أن الورش التخصصية خاصة ورشة (الممثل والجسد والمساحة والفراغ) تُعد إضافة مهمة في صناعة الممثِّل وأداة من أدوات التمكين
فهذا المهرجان يمثِّل إضافة مهمة للمهرجانات المسرحية في المنطقة العربية، لما يتميَّز به من إمكانات وما يقدمه من عروض مسرحية ذات قيمة فنية عالية ومنافسة تهدف إلى تمثيل الواقع الاجتماعي والثقافي لأممها أكثر من سعيها إلى الفوز، انطلاقا من رسالة المسرح وأهدافه الفنية والفكرية، وما يوفِّره من مساحة للتعبير والترميز والارتباط الثقافي بالمجتمع والأمة وقضاياها الكبرى، ولهذا فإن المهرجان يوفِّر إمكانا واسعا للتعالق الفني والمعرفي بين الفن والمجتمع.
إن المتابع لهذه النسخة من المهرجان يلاحظ المزج بين الخبرة الفنية والأكاديمية في اختيار أعضاء لجان التحكيم، فهم ما بين عمداء الكليات ومعاهد المسرح في العالم، ورؤساء جمعيات واتحادات المسرح، وممثلين ومخرجين من ذوي الخبرة في الميدان، حيث تمتزج هذه الخبرات لإثراء المناقشات والتعقيبات وتبادل المعارف والتجارب، إضافة إلى أهميتها في تطوير الأعمال المسرحية وتنمية قدرات الممثلين والعاملين في هذا القطاع، فهذه اللجان ليست للتقييم وحسب بل تمثِّل جوهر مختبرات صناعة العمل المسرحي وتنميته ليكون أكثر قدرة على التطوُّر والنمو بما يتناسب مع متغيرات العصر وتقنياته من ناحية، والتطورات الاجتماعية والثقافية التي تواجه المجتمعات من ناحية أخرى.
لقد كشف مهرجان ظفار الدولي للمسرح في نسختيه عن تلك الإمكانات التنظيمية التي يمكن أن تقدمها عُمان لصناعة ثقافية تقوم على تطلعات المستقبل وحاجات المجتمع، وتوفير فضاءات مناسبة لتمكين صُنَّاع المسرح وتنمية مواهبهم وقدراتهم، بإضافة إلى ما تقدمه الفرق المسرحية من مهرجانات مهمة مثل مهرجان فرقة الدن للثقافة والفن، ومهرجان فرقة الرستاق للمسرح الكوميدي، كما أن إعلان الجمعية العمانية للمسرح عن إقامة النسخة الأولى من (مهرجان مسقط المسرحي)، يَعِد بتقديم إضافة جديدة وشاهدا على ازدهار المسرح ونموه وفق معطيات قادرة على دعم الحركة الثقافية والفنية في عُمان، وتطوير آفاق الاستثمار في الثقافة وقيادتها لتنمية المجتمع.
إن تطوير المسرح ودعم المهرجانات الخاصة به، يوفِّر مساحة رحبة للتبادل والمشاركة وتغيير أنماط التفكير والتوعية لصناعة أجيال متذوقة للفنون وقادرة على المشاركة بإبداع وابتكار في مجالات هذه الصناعة؛ فالمسرح ليس تمثيلا بقدر بما هو قيادة فكر ووعي، فـ «من خلال السرد القصصي والجماليات واللغة والحركة والسينوغرافيا، يستطيع المسرح - بوصفه فنا كليا - أن يجعلنا نرى ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون عليه عالمنا» - كما يقول دافو في رسالته - لذا فإن الاستثمار في صناعة فنون المسرح، تُعد اليوم ضرورة لتنمية الوعي المجتمع والارتقاء بصناعة الترفيه إلى مستوى يليق بالذائقة الحضارية للمجتمعات.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.
