مصادرة ناقلات النفط الفنزويلية قد تنقلب على ترامب

16 ديسمبر 2025
16 ديسمبر 2025

ترجمة: بدر بن خميس الظّفري

أصبحت إستراتيجية إدارة ترامب المتمثلة في تفجير قوارب يُشتبه في استخدامها بتهريب المخدرات ـ وهي سياسة انتقدها كثير من الخبراء القانونيين بوصفها غير قانونية ـ أكثر إثارة للجدل بعد أن كشفت صحيفة واشنطن بوست أن القوات الأمريكية، خلال أول ضربة من هذا النوع، قتلت ناجين كانوا متشبثين بحطام قاربهم. ويطالب الكونغرس الآن بالإفراج عن التسجيلات غير المحررة لوزارة الدفاع للهجوم، وهو طلب تماطل إدارة ترامب في الاستجابة له.

وربما كان من قبيل المصادفة أن وتيرة الضربات الأمريكية ضد القوارب قد تباطأت؛ إذ لم تُسجَّل سوى هجومين من هذا النوع منذ منتصف نوفمبر؛ لكن إدارة ترامب فتحت، في المقابل، جبهة جديدة في حربها ضد نظام نيكولاس مادورو، فقد صادرت القوات الأمريكية الأسبوع الماضي ناقلة نفط كبيرة قبالة سواحل فنزويلا، وتعهدت الإدارة بالاستيلاء على ناقلات أخرى.

ويرى خبراء قانونيون تحدثتُ إليهم أن مصادرة ناقلة النفط، رغم ما تثيره من جدل، تستند إلى مسوغ قانوني أقوى مقارنة بتفجير القوارب؛ فالناقلة التي جرى التحفظ عليها كانت ترفع علم غيانا، غير أن السلطات في غيانا أكدت عدم وجود سجل لتسجيلها، ما يجعلها سفينة عديمة الجنسية.

كما ارتبط اسم الناقلة بانتهاك العقوبات المفروضة على كلٍّ من فنزويلا وإيران، وهو ما قد يمنح الحكومة الأميركية حق مصادرتها بموجب القانون الأميركي.

ومن المرجح أن تُلحق مصادرة ناقلات النفط ضررًا أكبر بكثير بنظام مادورو مقارنة بتفجير قوارب تهريب المخدرات. فمادورو وأعوانه قد يستفيدون من تجارة المخدرات، لكن العائدات التي تجنيها الكارتلات ـ ومن ثم المسؤولون الفنزويليون الفاسدون ـ لن تتأثر بصورة كبيرة بخسارة عدد محدود من الزوارق السريعة.

أما الاستيلاء على ناقلات النفط فمسألة مختلفة تمامًا، نظرًا لاعتماد فنزويلا الشديد على صادرات النفط. وبحسب وول ستريت جورنال، كانت الناقلة التي صودرت الأسبوع الماضي تحمل نفطًا بقيمة تقارب 80 مليون دولار، أي نحو 5% من إنفاق فنزويلا الشهري على السلع المستوردة. وقد يدفع احتمال تكرار مثل هذه المصادرات شركات الشحن إلى قطع تعاملها مع فنزويلا، ما قد يغرق البلاد في أزمة اقتصادية جديدة. ونقلًا عن واشنطن بوست، قال فرانسيسكو رودريغيز، الخبير الاقتصادي الفنزويلي في جامعة دنفر، إن النتيجة قد تكون «ركودًا عميقًا للغاية».

تبدو إدارة ترامب وكأنها تتخيل أن أزمة من هذا النوع قد تُجبر مادورو على مغادرة السلطة. غير أن كثيرًا من الزعماء الآخرين ـ مثل فيدل كاسترو، وكيم جونغ أون، وآية الله علي خامنئي ـ نجحوا في البقاء رغم إفقار شعوبهم. وقد فعل مادورو الأمر ذاته بالفعل. فالاقتصاد الفنزويلي يعيش حالة انهيار حر منذ أكثر من عقد، وهو مسار فاقمته العقوبات الأميركية؛ إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو الثلثين منذ عام 2012.، وللمقارنة، تراجع الناتج المحلي الأمريكي خلال الكساد العظيم بأقل من الثلث. ومع ذلك، يبدو مادورو اليوم أكثر ترسخًا في السلطة من أي وقت مضى، إلى درجة أن بعض المراقبين يصفونه بأنه «محصّن ضد الانقلابات»، بفعل عمليات تطهيره للجيش وشراسة أجهزته الأمنية.

ما الذي يجعل ترامب وفريقه يعتقدون أن مزيدًا من الضغط الاقتصادي سيُسقط مادورو؟ النتيجة الأرجح هي تفاقم الأزمات نفسها التي يستشهد بها ترامب لتبرير أفعاله. وبمبالغة معتادة، زعم ترامب أن فنزويلا «أفرغت سجونها في الولايات المتحدة الأمريكية»، وأن «كمًّا هائلًا من المخدرات يتدفق من فنزويلا».

وهناك قدر من الحقيقة في هذا الكلام، ففنزويلا متورطة في تهريب المخدرات (وإن لم يكن الفنتانيل، المسؤول عن معظم وفيات الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة).

كما أن نحو ثمانية ملايين لاجئ فرّوا من فنزويلا منذ عام 2014، وصل قرابة 800 ألف منهم إلى الولايات المتحدة.

لكن التسبب في أزمة اقتصادية جديدة في فنزويلا لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلتين معًا: الهجرة والمخدرات.

فإحدى الأسباب الرئيسية التي دفعت بعض الفنزويليين إلى الانخراط في تهريب المخدرات، وأجبرت كثيرين غيرهم على مغادرة البلاد، هي غياب فرص العمل والآفاق الاقتصادية. وهذه العوامل ستزداد سوءًا في ظل حصار اقتصادي أمريكي، أو في حال تصعيد عسكري مباشر.

ويقدّر مركز «نيسكانن»، وهو مركز أبحاث وسطي في واشنطن، أنه إذا أدت ضربات عسكرية أمريكية إلى صراع داخلي، كما حدث في ليبيا بعد الإطاحة بمعمر القذافي، فقد يفرّ ما بين 1.7 و3.1 مليون لاجئ إضافي من البلاد.

ولو كانت أولوية ترامب فعلًا تقليص تدفق المخدرات واللاجئين، لكانت السياسة الأكثر منطقية هي رفع العقوبات الأميركية والسماح للاقتصاد بالتعافي.

غير أن هذا ليس ما يفعله ترامب، كما أن دوافعه تظل غير واضحة.

فعادةً، عندما يُقدم الرؤساء على استراتيجية تهدف إلى تغيير نظام حكم، فإنهم يلقون خطابًا سياسيًا كبيرًا ويطلبون دعم الكونغرس والمؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة. ترامب لم يفعل شيئًا من ذلك؛ بل يكتفي بإقحام الولايات المتحدة في مواجهة مع فنزويلا لأسباب لا يشرحها بالكامل.

ومن الصعب تصديق أن ترامب تحركه رغبة في تعزيز الديمقراطية، في ظل ما يقوم به من تقويض لها داخل بلاده، أو رغبة في محاربة تجارة المخدرات، وهو الذي أصدر عفوًا عن الرئيس السابق لهندوراس، المسجون بتهم تتعلق بتجارة المخدرات لا تختلف كثيرًا عن تلك الموجهة إلى مادورو.

يمكن فهم دوافع وزير الخارجية ماركو روبيو في السعي إلى إسقاط مادورو، باعتباره حليفًا للنظام الكوبي، لكن ما الذي يجنيه ترامب من ذلك؟

يدين الرئيس للشعب الأمريكي بتوضيح أهدافه، على سبيل المثال: هل يهمه إن كان مادورو سيُستبدل بدكتاتور آخر؟ وبشرح استراتيجيته لتحقيق هذه الأهداف، فالمسار الذي يسلكه ترامب حاليًا مرشح لأن ينقلب عليه بعواقب جسيمة.

ماكس بوت: كاتب عمود في صحيفة واشنطن بوست وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية. وهو مؤلف كتاب «ريغان: حياته وأسطورته»

الترجمة عن صحيفة واشنطن بوست.