الديمقراطية تموت في وضح النهار

07 فبراير 2026
07 فبراير 2026

كارلا نورّلوف 

أصبح شعار «الديمقراطية تموت في الظلام» شعارًا لصحيفة واشنطن بوست عام 2017، بعد أربعة أعوام من شراء جيف بيزوس، مؤسس أمازون وأحد أغنى رجال العالم، للصحيفة. 

غير أن بيزوس اليوم ـ بعد أن كبّل صفحة الرأي في البوست ثم مضى إلى تقليص طاقمها ـ يبدو مصمّمًا على تقديم برهان عملي على أن الصحافة الحرة، بوصفها ركنًا أساسيًا من أركان الديمقراطية، يمكن القضاء عليها في وضح النهار. 

إن الديمقراطية تحتضر في أمريكا لأن من هم في مواقع السلطة ـ ابتداء بالرئيس دونالد ترامب، مرورا بمالكي الإعلام والتكنولوجيا مثل لاري إليسون صاحب «أوراكل»، الذي يفعل بـ«سي بي إس نيوز» ما فعله بيزوس بالبوست ـ قد تعلّموا كيف يجعلون الحقائق غير مؤذية. ما بدأ حملة تضليل نضج إلى مشروع منهجي لا يهدف إلى التحكم في ما يفكر فيه الناس، بل إلى تفكيك البُنى التي تُحوّل الحقائق إلى تبعات.لسنوات، جرى توصيف أزمة الصحافة في الغالب بوصفها مسألة انحياز واستقطاب وتراجع في الثقة. وهذه المشكلات حقيقية، وقد وفّرت غطاء للتعامل مع ما يُسمّى «التحيّز الليبرالي» للإعلام السائد باعتباره مبررا لإضعاف المعايير المهنية. لكن ثمة أزمة أعمق الآن: الذين كانوا يعملون على هذا الإضعاف المؤسسي لم يعودوا بحاجة إلى عناء كسب جدال مع الصحافة. لقد انتقصوا، بدلا من ذلك، قدرة الصحافة على فرض المساءلة من الأساس. 

بعد انتخاب ترامب الأول عام 2016، رأى كثير من المعلّقين أن الجامعات وغرف الأخبار والمؤسسات الثقافية فقدت صلتها بالجمهور، وأن لذلك أثرا سياسيا. لكن بناء بدائل ذات مصداقية لتلك المؤسسات يحتاج سنوات، ويتطلب المال والموهبة وقنوات توزيع، والأهم: الثقة. 

لذا، بدلا من محاولة التفوق على اللاعبين الراسخين في «سوق الأفكار»، لماذا لا تُقلص قدرتهم على وضع الأجندات، والتحقق من الحقائق، وإحداث تبعات؟ لماذا لا تُضعف قدرة المؤسسات الصحفية على إنجاز تحقيقات عميقة، وتُجرد من سلطتها كلما فعلت ذلك؟ قد يستمر تداول التقارير الأصلية، لكن الأمر ببساطة لن يعود مهما. 

هذه الاستراتيجية لا تحتاج إلى حظر أو رقابة، لأن الصمت ليس الهدف. المقصود ليس احتكار الإعلام على الورق، بل احتكار آثاره. وبينما احتاج جوزيف غوبلز إلى الرقابة والرعب لفرض «واقع رسمي» واحد للنازيين، فإن ما يحدث هنا ليس فاشية كلاسيكية. الاستراتيجية التي تتكشف في الولايات المتحدة تعتمد وسائل مختلفة: نزع الوصول والمصداقية والنتائج عن القصص غير المرغوب فيها، إلى أن تهيمن رواية واحدة دون أن تضطر الدولة إلى تجريم سواها. الآلية الفاعلة ليست السيطرة على الكلام، بل الحصانة من الحقائق. 

الصحافة الاستقصائية مكلفة؛ فهي تحتاج إلى وقت، وإسناد قانوني، وعمق تحريري، ومراسلين قادرين على قضاء أشهر في قصة واحدة. وعندما تُفرغ غرف الأخبار الكبرى من محتواها عبر التسريحات وخفض النفقات ـ كما يوضح تقليص طاقم واشنطن بوست المُعلن للتو بنسبة 30% ـ تفقد هذه المؤسسات قدرتها على أن تكون ذات أثر. فالسبق الصحفي المنفرد يسهل التقليل من شأنه أو انتظار انطفائه. أما التغطية المتكررة، الصارمة التوثيق، الممتدة زمنا، فهي أصعب على التجاهل. تقليص غرفة الأخبار يخفض الضغط الذي تستطيع الصحافة الجادة أن تمارسه. 

ويطال جزء آخر من الاستراتيجية الإعلام العام، حيث لا يُستهدف فقط القدرة الاستقصائية، بل أيضا الخدمات التي تعبر حدود الولايات، والفئات الديموغرافية، والانقسامات الأيديولوجية. إن وقف تمويل «الإذاعة الوطنية العامة (NPR)» و«خدمة البث العام» (PBS)، كما فعل ترامب، ليس مجرد تعبير عن تذمر ثقافي. المقصود هو فرض ضغط بنيوي يفتت «الحقائق المشتركة» التي تقوم عليها المجادلة الديمقراطية. 

لكن التوزيع ربما هو الجبهة الأقل تقديرا. 

فعلى مدى أكثر من عقد، أدّت «تويتر» وظيفة جهاز الدوران المركزي في الخطاب العام الأمريكي. كان الصحفيون والأكاديميون والمسؤولون العموميون وقادة الأعمال والمواطنون المنخرطون يتجادلون جميعا في المكان نفسه. وكان يمكن للتقارير والبحوث أن تنتقل بسرعة، وأن تتعرض للنقد والتصحيح، وأن تتحول مباشرة ـ وأحيانا فورا ـ إلى ضغط يضع القضايا على جدول الأعمال. 

ثم اشترى إيلون ماسك المنصة، وأفرغها من موظفيها، وأعاد تسميتها «إكس». ولم يمض وقت طويل حتى توقفت عن أداء دورها بوصفها نظام توزيع مدنيا مشتركا للمعلومات المتحقق منها. فهي الآن تفضّل «التفاعل» على «التحقق»، وتُضعف إشارات المصداقية، وتجعل الوصول أقل قابلية للتنبؤ. 

اليوم، بات عدد أقل من الصحفيين والأكاديميين يكلّفون أنفسهم النشر على «إكس»، وحتى حين يفعلون، لم تعد المعلومات المتحقَّق منها تتحول بثقة إلى قدرة على وضع الأجندات أو تُفضي إلى أي تبعات تُذكر. والنتائج واسعة الأثر: فعندما لا تعود البنية التحتية لتبادل المعلومات بين النخب تكافئ الدقة أو الشرح المتواصل بشكل يمكن الاعتماد عليه، يبدأ نظام المساءلة بأكمله في التصدع. 

ويمتدّ المنطق نفسه إلى ما وراء المنصّات ليبلغ الملكية. فعندما تقع غرفة أخبار كبرى داخل تكتّل تجاري يخوض صفقات اندماج، ويواجه تدقيقا تنظيميا، ويتحسس مكاشفة سياسية، يمكن أن تضيق مساحة الاستقلال من دون حاجة إلى أمر صريح من الأعلى. ولهذا تكتسب أهمية خاصة حقيقة أن «سكاي دانس» ـ التي يرأسها ديفيد إليسون، نجل لاري إليسون ـ استحوذت على «باراماونت»، المالكة لـ«سي بي إس». فالرقابة المباشرة ليست لازمة حين يكون الجميع قادرًا على رؤية أي القصص ستكلّف الشركة الأمّ أموالًا، أو تُعرِّض صفقاتها للخطر. 

في مثل هذه الشروط، تصبح الرقابة الذاتية خيارًا عقلانيًا. وهي تظهر ضمنا في القصص التي لا تُنشر أصلا، وفي التحقيقات التي تُسقَط لأنّها قد تفتح باب الدعاوى أو الانتقام التنظيمي، وفي التغطية «الناعمة» للسياسيين أو الشخصيات الاقتصادية الذين يستطيعون تعقيد حياة الشركة الأمّ. وما إن يفهم المحررون أن بعض المعارك صار عبئًا مؤسسيًا، حتى يغدو تجنّب المخاطر هو القاعدة الجديدة. 

وعندما تُجمع هذه التحركات معًا، يتكوّن نظامٌ كامل. ما تزال الصحافة والحقائق موجودة، لكن السلسلة التي كانت تمتد من التقارير إلى «واقعٍ مشترك» إلى استجابة مؤسسية تبدأ في الانفراط. لم تعد التقارير الدقيقة تُجبر أحدًا على الفعل، لأن الحقائق يمكن أن تُنشر وتُثبت وتظلّ عاجزة عن إطلاق أي استجابة. وعندما تفقد المعلومات قوّتها، تتقدم الحصانة. كانت حملات التضليل تستهدف دفع الناس إلى تصديق الأكاذيب. أما الهدف الجديد فهو جعل أصحاب السلطة محصّنين ضد حقائق كانت ـ في السابق ـ ستضرّ مصالحهم أو تُجبرهم على تعديل سلوكهم. نحن نشهد هجومًا منهجيًا على المؤسسات الأمريكية وعلى قدرة الجمهور الأمريكي على محاسبة السلطة. فالديمقراطية لا تموت فقط حين يُحظر الكلام. إنها تموت أيضًا حين يتوقف الكلام الصادق عن أن يكون ذا معنى. 

 كارلا نورّلوف أستاذة العلوم السياسية في جامعة تورونتو. 

 خدمة بروجيكت سنديكيت