كيف نوازن بين سيولة العالم وصلابة القيم؟
10 أغسطس 2026
10 أغسطس 2026
في زمن يشهد الإنسان تحولا في منظومة القيم التي كانت تمنح لحياته معنى الاستمرارية وتؤطر أفعاله، ويتراجع الإحساس بالمسؤولية وتتحول القيم إلى روابط مؤقتة واختيارات ظرفية في مشهد يجسد إعادة تشكيل القيم والروابط المجتمعية، فتتحلل قبل أن تترسخ وتتحول إلى أنماط استهلاكية قابلة للتفاوض عبر محتوى رقمي يتداول في المنصات الإلكترونية كأنها سلعة لا مبدأ فيها للالتزام والمسؤولية.
قبل عقدين من الزمان ظهرت نظرية الحداثة السائلة للفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي البريطاني زيغمونت باومان الذي ناقش تحولات الحداثة من الصلبة إلى السائلة، حينها أدركت المجتمعات أن عبارة القناعة كنزٌ لا يفنى لم تعد المبدأ ولا جوهر الحياة، ونوقشت المبادئ والثوابت وأصبحت أمرا قابلا للاجتهاد والتأويل والاعتبارات الأخرى.
الحداثة التي يراها البعض أنها نتيجة طبيعية للتطور والتقدم منذ أواخر القرن التاسع عشر، هي في رأيي مقدمة لعدم التقيّد بالالتزامات والمسلمات الاجتماعية من حالة الصلابة والتماسك والترابط المجتمعي، وهو ما يشير إليه زيغمونت باومان في نظريته بأن الحداثة السائلة أحالت المجتمع إلى هيكل مرن سائل، فأصبحت الحياة تتركز حول الاستهلاك لا الإنتاج في مشهد يشخص ذاتية التفكير، وأصبح ما يقوله المروجون هو النموذج الذي يتصدر المشهد، وفي المجتمع أصبح تأثير الحداثة السائلة واضحا في نموذج العلاقات بين الأفراد عبر عدم ديمومة الذكريات والأحاديث، فأصبحت اللحظات هي المشهد الاجتماعي لا الذكريات المشتركة يطغى عليها استهلاك الوقت لا حكاية يكتب لها الاستمرار، فلقاءاتهم أشبه بالغرباء في الظهور والغياب.
لقد أدت الحداثة السائلة إلى تحولات في منظومة القيم العقلانية، فأصبحت الرغبات هي التي تتصدر المجتمعات، ودخلت مفاهيم جديدة مثل المرونة في جميع مناحي الحياة والتكيف مع متطلبات الاستغلال والرضا بعقود العمل المؤقتة؛ بهدف البحث عن فرص وظيفية أخرى ربما تكون أفضل، وترمز للرأي الصائب وأن من يمتلكها هو المسيطر ومن لا يمتلكها هو المسيطر عليه، ما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار وغياب الأمن الاجتماعي لكثير من الأشخاص؛ للقدرة على الانتقال من مكان إلى آخر أو التنقل من عمل إلى عمل آخر، وبالتالي أعتقد أن مرحلة الصلابة في الحداثة لم تتحقق كاملا، ما نتج عن ذلك أن الحداثة تحولت من مرحلة الصلابة إلى الهوس بالأمور تحت مبدأ التطوير والتغيير والتحديث، وأن الثبات على المبدأ هو خسارة الفرص وتقييدها.
أرى أن هناك فرصا لتوعية المجتمع العُماني بالحداثة السائلة، فمثلا في المدارس والجامعات من خلال تنمية مهارات الطلبة في المرونة والتكيف مع الظروف المحيطة وفي بيئة العمل، وتعزيز مهارات التفكير النقدي من خلال التمييز بين الخبر الصحيح والزائف في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الإعلام أرى تبنّي الأسلوب القصصي أكثر جدوى من خلال استضافة شاب مثلا كان موظفًا وأصبح مصممًا، أو استضافة شاب يحكي قصة تكيفه مع التغيير عبر توجيه رسائل توضّح أن الثبات ليس في الوظيفة بل في المهارات، أيضا أرى أن دور الأسرة مهم في إعادة تعريف السيولة وإزالة المخاوف تجاهها من خلال تشجيع الأبناء على خوض التجارب وأن ارتكاب الأخطاء ليس عيبا، وربط التغيير الناتج عن الحداثة بالقيم العُمانية مثل التكيف مع البحر والصحراء هو في الحقيقة تكيّفنا منذ القدم.
إن أثر الحداثة السائلة التي يعاني منها المجتمع في تراخي العلاقات والروابط الإنسانية وتماسك المجتمعات، انعكست على بيئة العمل أيضا من خلال اضمحلال شغف الاستقرار في سوق العمل والتنقل من فرصة إلى أخرى لا بداعي الاستقرار والتطور بل لتأثير تحولات الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة التي ألغت مبدأ «القناعة كنز لا يفنى» في الجوانب الاقتصادية، و«ما تفرقنا الظروف والمواقف» في الحياة الاجتماعية إلى روابط هشة وعلاقات وعقود عابرة، وبالتالي هناك حاجة لدراسة أثر الحداثة السائلة على المجتمع من جميع مناحي الحياة، وأعتقد أن الحديث منذ سنوات عن حقوق الإنسان الذي يعكس الاهتمام بالفرد نفسه، يتطلب دراسة مستفيضة حول أسباب غياب الخطاب الموجه للمجتمع ككل، وبالتالي هناك نزعة في المجتمع في رأيي تجاه فصل الفرد عن الجماعة في تدبير الموارد والأمور ذات الشأن المجتمعي، أما المجتمع العُماني فيتميز عن غيره من المجتمعات بالفكر المستند على التعاون والتعاضد في إدارة شؤونه الاجتماعية اليومية، وهو ما يجعل الحداثة السائلة في حدود علوم الفلسفة لا الواقع الاجتماعي المتعارف عليه، فما زالت القيم والروابط الاجتماعية في سلطنة عُمان تتسم بالصلابة والتماسك والبعد عن الاضمحلال أو التأويل.
في الجانب الاقتصادي، أثرت الحداثة السائلة على الشكل العام للاقتصاد؛ فوفقا للحداثة السائلة فإن التركيز على تحقيق أعلى معدل للأرباح والفوائد من خلال عمليات البيع والشراء السريعة، وليس الاهتمام بالنشاط الإنتاجي، وبالتالي انتقل التفكير إلى المنظور الجزئي من المنظور الكلي.
وأرى أن نظرية الحداثة السائلة في مجملها لا تعني أمرا سيئا ولا ينبغي التفاعل معها كنوع من السلبية، وبالتالي من المهم الاستفادة منها في دراسة الظواهر المجتمعية التي يعاني منها المجتمع في الوقت الحالي مثل عدم الاستقرار الأسري والمجتمعي والوظيفي الناتج عن فلسفة التفكير في الحياة من جانب استهلاكي من خلال التوجه من الإدارة الكلية للاقتصاد إلى الإدارة الفردية للشؤون اليومية، ولذلك هناك حاجة لدراسة أسباب غياب الشكل الاقتصادي الإنتاجي الذي يتطلب عملا مرتبطا بالعملية الإنتاجية لأطول فترة ممكنة حتى نضمن عدم تراجع الإنتاج وضمان تماسك بنية الاقتصاد واستقرار الموظفين في العمل لتحقيق ديمومة أطراف الإنتاج.
