سطوة الذكاء الاصطناعي ومخاطره في عصرنا الراهن

11 أغسطس 2026
11 أغسطس 2026

في مقالاتي السابقة وصفت هذا العصر بأوصاف عديدة، منها: أنه عصر البلطجة السياسية، وعصر التفاهة، وعصر ما بعد الحداثة، وعصر الصورة؛ ويبدو أننا ينبغي أن نضيف هنا صفة أخرى، وهي أنه «عصر الذكاء الاصطناعي».

ذلك أن عالمنا قد أصبح متعدد الوجوه في وقت واحد، بحيث لا يمكن النظر إليه من زاوية واحدة؛ فضلًا عن أن مَشاهد هذا العالم تتغير بشكل متسارع على نحو يشي بميلاد عالم جديد يتشكل على أنحاء شتى تقتضي النظر في منافعها ومخاطرها، وهنا بالضبط يأتي دور التأمل الفلسفي.

ولا شك في أن الذكاء الاصطناعي يمثل ذروة تطور التكنولوجيا التي أصبحت تهيمن على أسلوب معيشتنا وحياتنا اليومية، حتى إننا أصبحنا غير قادرين عن الاستغناء عنها؛ بفعل قدرتها على سرعة تدبير شؤون حياتنا، وكأنها بذلك تختصر عناء الجهد وطول الزمن.

وهذا أمر قد تبدى لنا حتى في استخدام أبسط أدوات التكنولوجيا: كالموبايل، الذي لا يتخيل معظم الناس إمكانية العيش من دونه.

فحتى إذا كنت ترغب في أن تعيش منعزلًا في غابة تشبه الغابة السوداء التي عاش فيها هايدجر، فإن التكنولوجيا سوف تخترق عالمك بحيث تجد نفسك محتاجًا إليها في تدبير شؤون حياتك؛ ببساطة لأنك جزء من هذا العالم الذي يتعامل من خلال أدوات التكنولوجيا.

لكن الذكاء الاصطناعي ليس كغيره من أشكال التكنولوجيا؛ لأنه أصبح مهيمنًا ليس على حياة البشر وحسب، وإنما أيضًا على الدول نفسها التي أصبحت تتنافس في استخدام الذكاء الاصطناعي في سائر المجالات.

ومن ثم، فلا عجب أن نجد ذلك السيل الهائل من المقالات حول قدرات الذكاء الاصطناعي وإمكانياته المستقبلية، فضلًا عن المؤتمرات العلمية الدولية التي تنعقد في هذا الصدد. ولكن من الإنصاف القول بأن بعض هذه المقالات والمؤتمرات قد تنبهت مؤخرًا إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي، وهي المخاطر التي بدأت في التكشف يومًا بعد يوم.

ولقد سبق أن تناولت في هذه الجريدة الرصينة مقالاتٍ أخرى عن مخاطر الذكاء الاصطناعي على العملية التعليمية، وعلى الفن والإبداع ذاته. كما أنني قد قرأت في العدد الفائت من هذه الجريدة مقالًا مهمًّا مترجمًا يتناول مخاطر الذكاء الاصطناعي على عملية الكتابة.

ولكن المخاطر التي تكشفت الآن قد تجاوزت تلك المخاطر التي تحدث هنا وهناك إلى نوع آخر من المخاطر أكثر عمومية؛ لأنها تتعلق بمصائر الدول والعالم بأسره.

ويكفي أن نسترجع ما حدث مؤخرًا حينما قام الذكاء الاصطناعي من خلال تدخل بشري باختراق أنظمة البرامج التي تقوم بها شركتي Anthropic و OpenAI. كما تبين أن ما تقدمه هاتان الشركتان من نماذج متقدمة من البرامج قد انطوت هي نفسها على إنشاء هويات مزيفة، وشيفرات خبيثة، مع محاولة التأثير على المتلقي لقبولها؛ وبذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخترق البيانات السرية في مؤسسات الدول وشركاتها الصناعية والاستثمارية وبنوكها.

ولكن الأخطر من ذلك كله، أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا بذاته على العمل من دون تدخل بشري: فهو يسعى إلى محاكاة العقل البشري بأن يطور قدراته ومهاراته، ويؤكد استقلاليته حتى في اتخاذ القرار، سواء في حالة الحروب أو حتى في حالة العلاقات الإنسانية بين البشر!

كل هذا جعل السؤال الأكثر إلحاحًا هو السؤال عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وضوابطه، أما السؤال الأكثر إلحاحًا عندي فهو: هل يمكن تأسيس أخلاق للذكاء الاصطناعي؟، أعني: هل يمكن تأسيس فلسفة أخلاق للذكاء الاصطناعي، تضع معاييرَ عامة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ثم تضع معايير أخص منها لكل مجال من المجالات التي يُستخدم فيها.

والمعايير العامة تكون بطبيعتها قليلة العدد، ولكنها تسبق وتوجه المعايير الأكثر خصوصية التي تتعلق بالمجالات المختلفة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ومن بين هذه المعايير الأخلاقية العامة على سبيل المثال لا الحصر: «استبعاد التحيز»، أعني استبعاد المعلومات والبيانات التي تعكس موقفًا متحيزً إزاء رؤية ما على حساب أخرى، أو إبرازها على حساب غيرها.

ومن هذه المعايير العامة أيضًا: «تجريد الذكاء الاصطناعي من القدرة على اتخاذ القرار بذاته»، وأن يقتصر دوره على العرض الأمين لكل قضية أو مشكلة، مكتفيّا بعرض السيناريوهات الممكنة للحلول في ضوء المعطيات المتاحة من خلال ذلك العرض الأمين؛ لأنه من دون ذلك الالتزام الأخلاقي المرتبط بالإرادة الإنسانية وحدها، ستصبح الآلة مسؤولة عن الفعل ونتائجه في الواقع، وهو أمر يمكن أن يكون كارثيًّا في حالة الحروب، وحتى في حالة العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الأفراد، حيث يتكفل الذكاء الاصطناعي بتقديم حلول للمشكلات التي قد تنشأ بينهم واتخاذ القرار بشأنها! غير أن الأفراد عندئذ يتخلون عن خصوصية حياتهم وأوضاعهم الاجتماعية؛ وبذلك فإنهم يتخلون عن ذواتهم الوجودية والأخلاقية حينما يتخلون عن إرادتهم وشعورهم بالمسؤولية الأخلاقية.

لكن السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن تحقيق هذه المعايير على أرض الواقع من دون قوانين مُلزمة بها؟ حقًّا إن الشركات الكبرى العاملة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي قد التفتت إلى أهمية الحاجة إلى تلك المعايير، وبدأت تستعين مؤخرًا بالفلاسفة وغيرهم؛ إلا أن هذا لا يكفي للتصدي لمخاطر الذكاء الاصطناعي؛ لأن هذه المهمة ينبغي أن تتكفل بها المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، بحيث يمكن إصدار قوانين ملزمة بما تنتهي إليه المعايير الأخلاقية.