للولايات المتحدة والصين عدو مشترك وهو ليس الاتحاد السوفييتي !
06 مايو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
06 مايو 2026
قد تكون القمة التي تجمع الرئيسين ترامب وشي جينبنج الأسبوع القادم في بكين أهم لقاء بين رئيسين أمريكي وصيني منذ لقاء ريتشارد نيكسون وماو تسيدونج سنة 1972.
كانت تلك القمة قد خففت عقودا من العداوة الصينية الأمريكية وصاغت تحالفا ضمنيا بين الولايات المتحدة والصين ضد الاتحاد السوفييتي. وتأتي القمة الحالية في لحظة تحول مماثلة تطرأ على الشؤون العالمية؛ حيث يوجد تهديد مشترك جديد لكل من الصين وأمريكا. وهو اضطراب متزايد قد يزعزع استقرار العالم ويضر كلا البلدين ما لم يتوصلا إلى طريقة يجمعان فيها بين التنافس والتعاون في قائمة جديدة من التحديات. وليس من الممكن مواجهة تلك التحديات بنجاح إلا بعملهما المشترك الذي يبدأ بإقامة الولايات المتحدة والصين ضوابط تمنع الاستعمالات الخبيئة للذكاء الاصطناعي بعد أن أظهرت أحدث نماذجه قدرات هائلة القوة على الهجمات الإلكترونية.
لقد طرأ على العالم تحولان أساسيان منذ قمة نيكسون وماو. أولهما ليس مقدرا حق قدره على نطاق كبير حتى الآن برغم أن نواقيس الخطر تدوي، وهو ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة وغير المتكافئة القادرة على تقوية فاعلين أشرار صغار، سواء أكانوا إرهابيين أم فوضويين أم مجرمين أم جماعات سياسية أم دولا صغيرة.
فبوسع رجلين في كهف معهما جهاز كمبيوتر ولديهما اتصال بأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي وبخدمة إنترنت من شركة ستارلينك، أن يهاجما البنية الأساسية الحساسة في أي مجتمع.
والتحول الثاني يتعلق بالعولمة. لقد بدأت بقمة نيكسون وماو عملية نقل العالم من التفكك إلى المزيد من الاتصال ثم إلى الترابط. فحينما بدأ نيكسون وماو تخفيف عزلة الصين عن الاقتصاد العالمي -ثم جاء دينج شياوبنج ليزيد من وتيرة هذا الأمر بتحويله الصين إلى رأسمالية الدولة- أطلقا العنان لسلسلة من القوى الاقتصادية والتكنولوجية.
فلما حلت بدايات القرن الحادي والعشرين وفيها مزيج من انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية وارتباط العالم بالإنترنت كان معنى هذا هو أن بوسع مزيد من الناس في مزيد من الأماكن أن يتنافسوا ويتواصلوا ويتعاونوا بمزيد من الطرق وقليل من المال في مزيد من الأمور على نحو يفوق أي زمن شهده التاريخ الإنساني. فذلك ما دعاني سنة 2005 إلى تأليف كتاب عنوانه «عالم مسطح».
غير أن كل خطوة إلى الأمام في التغير التكنولوجي بطبيعته تكون أسرع من السابقة عليها؛ لأنها تعتمد على الأدوات التي استحدثتها الحقبة السابقة. لذلك، بعد سنين من قولي إن العالم مسطح، تواصل تقدم التكنولوجيا وغيرها من القوى فأخذتنا على حد تعبير دوف سيدمان -مؤسس معهد هاو للمجتمع- من الترابط إلى الاعتماد على بعضنا البعض، أو من التسطح إلى الانصهار.
ولئن كان بالإمكان نزع القوابس من العالم المسطح. فالعالم المنصهر لا مفر منه. فكلنا ننهض معا ونسقط معا.
وليس ذلك فقط لأن تطورات الإنترنت والهواتف الذكية والألياف الضوئية والأقمار الصناعية والتواصل اللاسلكي قد صهرتنا تكنولوجيا أكثر من ذي قبل. ولكن أيضا بسبب جملة تحديات جارية على نطاق الكوكب كله صهرت مصائرنا معا على نحو هو الآخر غير مسبوق. وهذه تحديات هائلة الحجم شديدة التجاهل للحدود الوطنية فليس بوسع دولة منفردة مهما بلغت قوتها أن تعالجها أو تتحاشاها.
ونحن نعرف هذه التحديات: تخفيف التغير المناخي، ومنع انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية، وإدارة الهجرات العالمية، والسيطرة على الأوبئة، والحفاظ على سلاسة عمل سلاسل الإمداد العالمية التي نعتمد عليها جميعا، ولعل الأهم والأعجل هو إدارة سلالات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي جئنا بها إلى الوجود.
ولقد تمكنا من الإرجاء أو المجاراة برغم محدودية تعاوننا في كثير من هذه القضايا ذات النطاق الكوكبي، لكن الوقت حان في ما يتعلق بقدرات الذكاء الاصطناعي في الهجمات السيبرانية. فلا مجال لإرجاء الأمر إلى وقت فراغ لاحق. ذلك أنه ما من وقت فراغ لاحق.
يلاحظ كريج موندي -الرئيس السابق للبحوث والاستراتيجية في ميكروسوفت وأستاذي وشريكي في التفكير في خطر الذكاء الاصطناعي الجديد- أن الولايات المتحدة والصين دأبتا طوال سنين على استفزاز وإثارة إحداهما الأخرى، وتبادلتا زرع برامج خبيثة في البنية الأساسية وسرقة المعلومات من خلال عمليات سيبرانية سرية. ولكنهما كانتا تعلمان أيضا حسبما كتب موندي أنه لو أضر الصينيون بشبكاتنا الكهربائية فإننا قادرون على الإضرار بشبكاتهم، وإذا أطفأوا المصابيح في واشنطن، فبوسعنا أن نفعل مثل ذلك في بكين. فالأمر مماثل للأسلحة النووية إذ كتب موندي أن البلدين «أعادا إنشاء الدمار المتبادل المؤكد».
والآن خمنوا من القادم للانضمام إلى العشاء؟ مجموعة جديدة من الفاعلين، قد يكونون بالغي الخطورة، وليسوا بدول فقط. لكن كل الفاعلين قادرون على تهديدنا.
هذه هي أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة التي كشفت عنها النقاب أخيرا شركتا أنثروبيك وأوبن آيه آي ويمكن أن توفر أدوات لصغار المهاجمين السيبرانيين فيعطلوا الاقتصاد الصيني واقتصادنا -وأي اقتصاد آخر- بقليل جدا من المال وبلا أي خبرة تقريبا. ولكم أن تكونوا على يقين من أن نموذج جيميني التابع لجوجول وعما قريب نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية سوف توفر القوى نفسها. ولأن شركات الولايات المتحدة والصين كانت أول الشركات إنتاجا لهذه الأنظمة المستقلة فـ«لابد أن تكون لكلتيهما الريادة في السيطرة على توزيعها وإقامة دفاعات لحماية نفسيهما ومن عداهما في حال حدوث تسريب» حسبما قال موندي.
تقول شركتا أنثروبيك وأوبن آيه آي: إن أحدث نماذجهما عظيمة القدرة على العثور على عيوب البرامج واستغلاها فآثرت الشركات أن يكون توزيعها محدودا في الوقت الراهن. لكنها مسألة وقت لا أكثر قبل أن تهرب إلى البرية، إن لم تكن قد هربت بالفعل.
قال موندي: إن «هذا يجب أن يكون دافعا كبيرا للبلدين كي يتقاربا، ولو في هذا الموضوع المحدد فقط، إذ بات خطرا واضحا وماثلا على كليهما».
ولست أطلب المستحيل. فالصين والولايات المتحدة استطاعتا من قبل التعاون في أيام نيكسون وماو وذلك في ما خلص إليه موندي «لأنه كانت لدينا مشكلة مشتركة هي الاتحاد السوفييتي. والآن، لدينا مشكلة أخرى مشتركة. وما هي بلد آخر، وإنما هي التكنولوجيا، والأخطار الناشئة عن تهديدات سيبرانية غير متكافئة من أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة».
على مجموعة الاثنتين القديمة، المؤلفة من الولايات المتحدة والصين، أن تعمل مع سأسميه بمجموعة الأذكياء السبعة [I7] الجدد -أي شركات أنثروبيك وجوجل/ألفابت وأوبن إيه آي وميتا ومجموعة علي بابا وديب سيك وبايت دانس- للتوصل إلى طريقة للاستفادة المثلى من هذه النماذج الجديدة من نماذج الذكاء الاصطناعي مع التخفيف من أسوأ آثارها. فليس بوسع الحكومات أن تحل هذه المشكلات بمفردها، ولا الشركات بقادرة على ذلك بمفردها.
وفي تطور لم يلق حقه من الانتباه بسبب حرب إيران، يتردد أن ترامب يفكر الآن في فرض الرقابة على نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إتاحتها للجمهور. وهذه حكمة بالغة من ترامب. فعلى الناس أن تفيق: إننا ندخل عالما تستطيع فيه الشركات الخاصة الآن أن تشطر الذرة فعليا في كل مجال. وقد قال موندي إنه «كما أن شطر الذرة يمكن أن يؤدي إلى الحصول على الكهرباء أو القنابل» فمثل ذلك يصدق على الذكاء الاصطناعي المستقل. «بوسعنا به أن نحقق خيرا لا حدود له أو أن نصنع أسلحة، أسلحة هائلة التفوق».
من المتوقع أن يكون موضوع الذكاء الاصطناعي المستقل واردا على جدول أعمال ترامب وشي. وما سيجعل هذه هي القمة الأهم بين الولايات المتحدة والصين منذ قمة ماو ونيكسون لا يقتصر على تبادل الرجلين للحديث في الأمر، وإنما أن يقررا العمل عليه معا، والآن. فالتأخير يعني فوات الأوان. لأن الأمر قادم بسرعة كبيرة.
ولأن كثيرا من القيادات في واشنطن وبكين، وحتى موسكو في ما يتعلق بهذا لأمر، لا يستوعبون ما يجري فعلا، فإنني أقول إن هذه هي الحقبة الأولى في تاريخ البشر التي لا بد فيها لسلالتنا أن تمارس الحكم والابتكار والتعاون والتعايش على نطاق كوكبي من أجل أن تزدهر. فإما أن نقيم تحالفات معقدة قادرة على التكيف من أجل القيام بذلك كله، أو نمنى جميعا بالهزيمة؛ وذلك لأن مصائرنا جميعا قد انصهرت معا.
