لبنان.. متى تضع الحرب أوزارها؟

29 أبريل 2026
29 أبريل 2026

يشهد لبنان حملة عسكرية شرسة تشنها آلة الاحتلال الإسرائيلي في خضم صراع إقليمي الكبار منهم تنفسوا قليلا من الصعداء بإعلان هدنة تم الالتزام بها لوقف إطلاق النار.

وعلى الرغم من المفاوضات والاجتماعات والحديث عن تمديد وقف إطلاق النار بين الجانبين فإن الاحتلال الإسرائيلي لا يعرف الهدنة، ولا يفي بالعهود؛ وبالتالي حزب الله اللبناني الذي أصبح وحيدا في الميدان، بين نارين إما إلقاء سلاح المقاومة -وهو ما بقي من الحصن الحصين للبنان- وإما استمرار خوض المعركة ومواجهة الكيان الغادر على الرغم من ارتفاع فاتورة المقاومة في الأرواح والممتلكات، ولكن لعل نصر الله قريب.

ما يحدث في لبنان حرب شعواء لم تفرق بين الطفل والأم وبين الكهل والشاب، ولم توجه المدافع فوهاتها إلى حيثما تأتي منها الصواريخ والمسيرات لتكون ضربة مقابل كل ضربة عسكرية، ولكن في لبنان الوضع اختلف كثيرا؛ فهناك تدمير للبيوت، وهدم منهجي للمدن والمساجد، وحتى المقابر لم تسلم من المدافع والغارات.

هجوم عسكري واسع النطاق في يوم الأربعاء الحزين خلّف ما يزيد على 300 قتيل من المدنيين، وشاشات التلفاز تتقن عرض آثار التدمير وعدسات المصورين تنقل الأحداث دون تقصير، كل هذا والكيان الإسرائيلي يقول هل من مزيد.

الحرب على لبنان المكلوم خلال شهرين تجاوزت تداعياتها ألفي قتيل وسبعة آلاف جريح بينهم أطفال ونساء وعاملون في القطاع الصحي. وفي يوم واحد شن الكيان الصهيوني ما يزيد على مائة غارة جوية شملت نسف أحياء سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت، وتدمير ما يصل إلى ثمانية جسور منها القاسمية، وعزل الجنوب عن الشمال، والعالم يعمل بصمت مريب وكأن لبنان خارج الكرة الأرضية، وكأن ما يحدث لقطات من أفلام هوليوود القتالية.

لبنان في العام (2025) حقق نموا سنويا يقدر بنسبة (3.5 %)، وهو الأول منذ ما يزيد على ثمانية أعوام، ولكن ذلك النمو انطمس مع خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات في البنية التحتية مع تدمير الآلاف من المنازل السكنية، وانهيار في المورد الاقتصادي من السياحة.

كما تجاوز الدين العام نسبة (176 %) من الناتج المحلي الإجمالي مع شلل في القطاع المصرفي والمالي. وليت ذلك فحسب فهناك أضرار بالغة بالقطاع التعليمي متمثلة في انقطاع ما يزيد على مائتي ألف طالب عن مقاعد الدراسة، وظهور القلق النفسي لدى الأطفال مع هاجس علامات تفكك في المجتمع اللبناني ناتج على معدلات الهدم للمنازل وارتفاع رهيب في أعداد النازحين - وقت اشتداد الحرب - إلى ما يزيد على مليون لبناني نتيجة أوامر الإخلاء من الكيان الصهيوني.

تلك المعاناة والعالم الحر يشاهد ويسمع، ولكن أصبح الموت يخيم على مجلس الأمن الدولي، وأصبح الدم العربي بلا قيمة، وأصبح القوي العربي صامتا، والقريب متفرجا ومنددا، والداخل اللبناني كل حزب يتغنى بالويل والثبور على الاحتلال الإسرائيلي، ولكنها السياسة التائهة عن الطريق؛ فعندما تتغلغل الفتنة الداخلية تكون أشد من القتل.

لم يتبق في لبنان إلا تلك القلوب التي تمسك على الزناد، فإن عادوا عدنا؛ لأن حزب الله تعلم الدرس جيدا بأن الكيان الصهيوني لا يعرف إلا لغة السلاح؛ وبالتالي أضحى الدفاع عن الوطن واجبا مقدسا بعدما تخلى عن لبنان القريب قبل البعيد.

لهذا فالحرب التي طغى فيها الكيان الصهيوني على لبنان غير متكافئة في العدة والعتاد. وفي خضم التأثيرات الإنسانية من القتل والتهجير والنزوح حاولت بعض دول الاتحاد الأوروبي، ومنها إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا التقدم بمقترح للاتحاد للتعليق الجزئي أو الكلي لاتفاقية الشراكة الاقتصادية مع الكيان الصهيوني؛ نظرا للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في لبنان وغزة والضفة الغربية، واستجابة لحملة التوقيعات من مواطني دول الاتحاد والتي تجاوزت مليون توقيع.

وإن كان مقترح فك الشراكة لم يكتب له النجاح لمعارضة ألمانيا وإيطاليا، ولكنه أوجد انقساما حادا في دول الاتحاد الأوروبي الذين يرون بأن الكيان الصهيوني يضرب بعرض الحائط المعاهدات والمواثيق الدولية، وتجاوز الخطوط الحمراء وقت السلم ووقت الحرب.

على أقل تقدير؛ الاتحاد الأوروبي -سواء من ناحية التصريحات الرسمية أو الشعبية لبعض مواطني دوله- أسمع العالم أصواتا تنادي بمحاسبة الكيان الصهيوني، ولكن في المقابل تبقى الدول العربية وجامعتها وشعوبها لا يحركون ساكنا، ويكتفون بالتنديد الذي أصبح معروفا لدى جميع دول العالم بأن الدول العربية والإسلامية تمر بمنعطف تاريخي من التشرذم والخذلان لم يشهده العالم الإسلامي على مر التاريخ.

وبالتالي نقول بأنه لا حاجة للكيان الصهيوني بترديد مقولته الشهيرة بأنه يعمل على تغيير الشرق الأوسط؛ لأن الشرق تغير - بالفعل - دون الحاجة إلى الدخول في حروب وإطلاق نار.

هذا مُشاهَد من الانقسامات الحادة في دولة وسعي بعض الدول إلى إيجاد تحالفات تلبي تطلعاتها، واستعراض عضلات القوة والمال بديلا عن كلمة سواء بينهم تظلهم نحو الوحدة العربية والإسلامية.

الحرب على لبنان كارثية فهي لم تترك أحدا، وحتى الصحفيون اللبنانيون اغتيلوا من الكيان الصهيوني، من بينهم أمال خليل، وعلي شعيب، وفاطمة فتوني، مع اتهامات من لجان حماية الصحفيين ومن الحكومة اللبنانية بأن هناك استهدافا متعمدا، وإلا كيف لمسيرة أن تصيب سيارة بعض الصحفيين مباشرة؟ ما يعني أن هناك تتبعا لتنقل الصحفيين بهدف قتلهم وتصفيتهم. هذه الأساليب في القتل ليست غريبة على الكيان الصهيوني؛ فهو يمارسها منذ سنوات.

القانون الدولي الإنساني يمنع استهداف الصحفيين المدنيين الذين لا يشاركون في الحرب؛ وبالتالي طالما الاستهداف كان متعمدا فهو يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان.

جيش الاحتلال الإسرائيلي - كعادته - في كل مرة يقوم بالتحقيق، ولكن إن لم يكن التحقيق مستقلا ودوليا فإنه يبقى هباء منثورا وبالتالي، تستمر السياسية الممنهجة في قتل الصحفيين من أجل إسكات صوت الحقيقة عن المجتمع الدولي، إن كان هناك مجتمع دولي يهتم بمعرفة الحقيقة، ويعمل على محاسبة المعتدين.

القتل لم يطل الأبرياء من اللبنانيين فقط؛ فقد شمل موظفي القوة المؤقتة التابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان (اليونيفيل)؛ حيث تم قتل جنود من الجنسية الإندونيسية وجندي فرنسي. الحرب في لبنان يحصد كل شيء أمامه حتى جنود الدول المشاركة في حفظ السلام، مما يفتح أسئلة كثيرة على هذه الجرائم التي قد تضعف من مصداقية القوة الدولية العاملة في لبنان منذ سنوات طويلة، والتي تنتهي مهمتها بنهاية هذا العام حسب قرار مجلس الأمن الدولي.

في ظل هذا الصمت الدولي عن شتى أنواع القتل التي يمارسها الكيان الصهيوني في لبنان واللبنانيين، ليس لنا من الأمر إلا أن نقول، «تبت يدا هذا الكيان» الذي طغى وتمادى في قتل المدنيين والصحفيين، وقتل جنودا من قوة حفظ السلام وتدميره للبنية الأساسية للبنان الشقيق وتشريد وتهجير ما يزيد على مليون لبناني تركوا متاعهم وبيوتهم فرارا من آلة القتل الإسرائيلي التي عجز المجتمع الدولي أن يوقفها عند حدها وحدودها.

لا مجادلة في تشبث حزب الله بسلاحه الذي يدافع به عن تراب وطنه؛ نظرا لوجود هاجس أمني وسياسي في لبنان بأنه في حال تم تسليم السلاح للحكومة فلن يكون هناك دفاع عن لبنان، وإنما استسلام وإذعان لشروط الاحتلال الإسرائيلي الذي تآزره الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

في المقابل؛ فإن لبنان على المستوى الحكومي لم تتعاضد معه دول الجوار والدول الإسلامية، ليس من ناحية تقديم المال والعتاد، ولكن بعدم اتخاذ أية بوادر لإجراءات دبلوماسية عقابية من الدول العربية التي تربطها علاقة بالكيان الصهيوني الذي يمارس الغطرسة في لبنان.

فأنى لهذه الحرب أن تضع أوزارها؟ وأنى للمجتمع الدولي أن يفيق من سباته العميق وتحقيق العدالة ولاحتكام للقانون الدولي؟ إلى أن يتم ذلك يظل لبنان الجريح يقدم أرواحا بريئة، ويمنى بخسائر اقتصادية تحتاج إلى عشرات السنين لعودتها إلى ما كانت عليه.