التراث الوطني قوة استراتيجية تعزز السيادة والمكانة الدولية
29 أبريل 2026
29 أبريل 2026
للتراث الثقافي والطبيعي قيم مهمة مرتبطة بالجانب السياسي والسيادي للدول؛ فالحديث عن هذه القيم ينبثق من كون هذا التراث يمثل عنصراً من عناصر السيادة الرمزية والأمن الثقافي.
فمن حيث السيادة الرمزية تلعب الرموز الوطنية والطقوس والخطاب السياسي والتاريخي الرسمي المتضمن في التراث دوراً في إبراز أو امتلاك السلطة أو الانتماء والارتباط السياسي-الثقافي بفضاء أو مكان أو مجتمع معين.
فالتراث يعكس الهوية الوطنية، ويؤكد الخطاب والممارسات والاحتفالات الرسمية فكرة الارتباط بالمكان وتعزز السردية الوطنية داخلياً وخارجياً، وهو ما تسعى إليه الكثير من حكومات العالم بهدف تأكيد ارتباطها التاريخي والثقافي بمكان أو أرض محددة. وبهذه الطريقة تستطيع أن تعزز من وجودها السياسي والسيادي ما يجعلها قادرة على فرض سيطرتها الإدارية-السياسية على هذا المكان.
ولتأكيد هذه السيطرة تعمل الدول مع مجتمعاتها على صون وحماية تراثها الثقافي والطبيعي للحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية وما يرتبط بها من تراث وعادات وقيم ولغة ودين؛ وهي عناصر تشكل شخصية الأمة وكينونتها، وذلك ضماناً لديمومتها ونقلها إلى الأجيال القادمة.
ولتحقيق ذلك، تتبنى الدول وتقر عدداً من القوانين والسياسات والإجراءات التي تكفل الحماية والصيانة لتراثها الثقافي المادي وغير المادي؛ وبذلك تصل إلى الأمن الثقافي الذي يعتبر أداة سياسية واستراتيجية تحافظ الدولة به على مصالحها السيادية، وتقدم لها آليات وأدوات تمكنها من تقوية الأمن الرمزي والثقافي، الذي يسهم في تأكيد الهوية والسيادة الوطنية والاستقلال الثقافي للدولة وأمن واستقرار المجتمع.
من هنا، يمثل التراث بشقيه الثقافي والطبيعي أصلاً استراتيجياً للدولة وهويتها وسيادتها الوطنية، ويعزز أمنها الرمزي والسياسي فهو ليس فقط مجرد تاريخ وموروث ثقافي وحضاري بل عنصراً رئيسياً من عناصر تشكّل الهوية الوطنية والوعي السياسي، وسجلاً حيًا لخبرات الدولة في إدارة الأرض، والموارد، والمجتمع عبر الزمن، وهي خبرات تشكل أساسا لفهم السيادة وتأصيل الهوية.
ويتمثل هذا السجل في عناصر تراثية مختلفة ما بين مواقع وشواهد أثرية في عصور ما قبل التاريخ وفترات ما قبيل الإسلام إلى المعالم التاريخية من قلاع وحصون وأبراج وحارات ومدن تاريخية، وأسواق تقليدية، ومساجد قديمة وغيرها؛ فأي تلف وضياع لعناصر التراث هو فقدان لأدوات الدولة الخاصة بالهوية الثقافية والسيادة الوطنية.
من الناحية السياسية-الدولية، يعتبر التراث أداة قوة (رمزية) ناعمة تساعد في تعزيز مكانة الدولة في جميع المحافل التي تقدم فيها تراثها الثقافي والطبيعي للعالم من خلال مشاريع المتاحف والمعارض والمهرجانات الثقافية، وغيرها من المشاريع السياحية التي يتم الترويج لها عالمياً. وبذلك، فهي لا تقدم فقط جمالية الماضي وأصالته بل تبين قدرتها على حماية هويتها، وتؤكد مكانتها ومشاركتها الدولية واستقرارها وتماسكها من الناحية الثقافية والسياسية.
ومن هنا تتحول هذه القوة الناعمة إلى أداة قادرة على التأثير ليس فقط من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بل والسياسية-الدبلوماسية؛ فهي تمكن الدولة من إدارة مواردها الثقافية والطبيعية بشكل فعال، ومن حماية مصالحها السيادية الوطنية بطرق وأدوات سلمية.
وينطبق الأمر على المستوى الداخلي للدولة حيث يعتبر التراث عاملاً رئيسياً في تأكيد الهوية الوطنية والسيادة الداخلية؛ فكلما كان المجتمع المحلي ملماً بثقافة وتراث بلده، كان أكثر تمسكاً وارتباطاً بالمكان والوطن، وأكثر وعياً ليس فقط بالحدود الجغرافية لبلده، بل بالحدود الثقافية، مما يقوي الإحساس بالأمن الثقافي الذي يدفعه إلى المحافظة على تراثه الثقافي وهويته الوطنية، ومقاومة أي تأثيرات خارجية قد تؤثر على هذا التراث والهوية.
ولكن قد تواجه الدول تحديات في إدارة التراث بالطريقة التي تحقق هذا البعد السياسي-السيادي، ولعل أهم تحدي هو التركيز على إدارته بشكل رمزي بمعزل عن الاستراتيجيات الوطنية الشاملة؛ ولذلك من المهم أن تتم إدارة التراث بوعي واستراتيجية وبشكلٍ فعال ليس فقط من خلال وضع تشريعات وقوانين لحمايته بل لابد من عملية دمج التراث في مناهج وبرامج التعليم الوطنية من أجل ترسيخ الإحساس بالانتماء والهوية، إضافةً إلى عدم الفصل بين السياسات الثقافية وتلك المرتبطة بالتنمية المستدامة والتخطيط العمراني، بل يجب المزاوجة بينها، والعمل على زيادة مشاركة المجتمع المحلي ورفع وعيه بأهمية المحافظة على التراث الثقافي من أجل ديمومته كعنصر سيادي.
لقد أدركت سلطنة عمان أهمية هذا البعد السياسي والسيادي للتراث الثقافي وعملت على تشريع القوانين المنظمة له والتي تكفل حمايته وصونه وإبرازه للعالم، وهو ما تعكسه «رؤية عُمان 2040» التي كان من محاورها «الإنسان والمجتمع» والذي يركز على المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية، وترسيخ هذه المفاهيم في المجتمع بحيث يخلق لديه وعيا بأهمية تراثه ويعزز لديه مفهوم المواطنة والهوية.
ولعل من أهم ما قامت به في هذا المجال، على سبيل المثال لا الحصر، أنها وقعت على عدد من الاتفاقيات الدولية وأهمها اتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، والاتفاقية الدولية الخاصة بالتدابير الواجب اتخاذها لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي.
وقد دعمت انضمامها لهذه الاتفاقيات بسن القوانين والتشريعات، وأهمها قانون التراث الثقافي (2019)، وتشكيل اللجان المختلفة، والترويج الثقافي والسياحي لمواقع التراث الثقافي والطبيعي، وإنشاء المتاحف المختلفة.
كما أنها عقدت شراكات استراتيجية مع أشهر المتاحف الدولية ومنها بعض المتاحف الروسية كمتحف الإرميتاج الحكومي ومتاحف كرملين موسكو، ومتحف الفنون الجميلة في ليون بفرنسا، ومتاحف قطر؛ وذلك بهدف تأكيد حضور سلطنة عمان ثقافياً وسياسياً على المستوى الدولي.
كما أقامت المعارض والمهرجانات المحلية والإقليمية والدولية؛ حيث كان التراث الثقافي والطبيعي العماني حاضراً فيها، ومنها معارض التراث الأثري الخارجية، ومعرض الحضارة العُمانية، والمواسم الثقافية الروسية، إضافة إلى معارض التراث الجيولوجي والبحري.
من ناحية أخرى، تم تسجيل عدد من عناصر التراث الثقافي المادي وغير المادي في قوائم التراث العالمي لدى اليونسكو، ولعل من أهم مواقع التراث المادي هي بات والخطم والعين، وبهلاء، وأرض اللبان (البليد، وشصر، وسمهرم، ووادي دوكه)، وقلهات، ونظام الأفلاج، أما من حيث التراث اللامادي فسجلت فنون البرعة، والتغرود، والعازي، والعيالة والرزفة، والعرضة، وغيرها.
من هنا، يتبين بأن التراث الثقافي والطبيعي، متى ما تمت حمايته وتقديمه بطريقة علمية وسياسية فعالة، يلعب دوراً حيوياً في تشكيل هوية الدولة وسيادتها، فهو عنصر سيادي واستراتيجي يؤسس لهوية وطنية قوية، ويكفل الأمن الثقافي والسياسي للدولة، ويمكن أن يقدم لها أدوات قوة ناعمة تؤكد حضورها وتحمي مصالحها على المستويين الداخلي والخارجي، وبالتالي يتحول التراث إلى مساهم في عملية اتخاذ القرار وصناعة السياسة والسيادة الوطنية، كما أنه يعطي الدولة معرفة ومداخل لرسم سياسات تنموية واقتصادية مستدامة، توازن بين التنمية وحماية التراث والهوية؛ وعليه، من المهم توظيف التراث بشكل فعال كإحدى أدوات السياسة الخارجية الثقافية.
