ما الذي تحقق لإسرائيل؟!

03 مايو 2026
03 مايو 2026

منذ عقود، ظلّ خطاب عدد غير قليل من العرب يتحدّث عن زوال إسرائيل كحقيقة حتمية، لكن الوقائع على الأرض تكشف الآن عن مشهد مختلف تمامًا؛ فقد استطاع الكيان الإسرائيلي أن يؤسس لما يمكن وصفه بالحقبة الإسرائيلية في المنطقة، حيث تراجعت القوى العربية الكبرى واحدة تلو الأخرى، بينما تمدّد النفوذ الإسرائيلي سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا. 

لم يكن لإسرائيل أن تصل إلى ما وصلت إليه فجأة، إلا باتباع سياسة «الخطوة خطوة»؛ إذ ضمنت في البداية حياد مصر عبر اتفاقية كامب ديفيد، التي كبّلت الدور العسكري المصري وأخرجته من معادلة الصراع المباشر، فكانت تلك الاتفاقية نقطة تحول في ميزان القوى، إذ جعلت أكبر دولة عربية خارج معادلة الحرب، وأعطت إسرائيل فرصة لتركيز جهودها على جبهات أخرى. 

ثم جاء الدور على العراق الذي اختفى كدولة محورية بعد الغزو الأمريكي، وتفككت مؤسساته وفي مقدمتها الجيش، لتفقد المنطقةُ أحد أهم مراكز الثقل العربي، الذي كان يُنظر إليه كقوة رادعة في السبعينيات والثمانينيات، وهو ما أزال تهديدًا استراتيجيًّا لإسرائيل. 

وقد تواصلت السلسلة بتدمير ليبيا واليمن، ثم ما لبثت أن تبعته سوريا، آخر القلاع العربية، التي تراجعت بفعل الحرب الأهلية الطويلة وانهيار الدولة السورية، ممّا فتح الباب أمام مشهد جديد أكثر تعقيدًا، هو اختفاء آخر قلاع المقاومة؛ إذ وجّهت إسرائيل ضربات مؤلمة على المقاومة بشقيها الفلسطيني واللبناني عبر سلسلة من الحروب، أثّرت فيها على قدراتها، وصفّت القيادات التاريخية الكبيرة التي وقفت ضد الهيمنة الإسرائيلية. صحيح أنّ المقاومة لم تُمحَ تمامًا، لكنها أُضعِفت كثيرًا، ولم تعد تشكل تهديدًا وجوديًّا كما كان يُتصور في التسعينيات. 

في هذه السلسلة الطويلة من الانتصارات التي حققها الكيان الإسرائيلي، كان لا بد من القضاء على ما تعدها إسرائيل «رأس الأفعى»، التي رفعت شعار المواجهة، وتبنّت حركات المقاومة العربية «السُنّية والشيعية»، وشكلت تهديدًا مباشرًا للكيان، ألا وهي إيران. 

ترافق ذلك مع ضعف عربي عام، جعل كثيرًا من الدول تتسابق لنيل الرضا الإسرائيلي، خاصة مع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير مرة برفع الحماية عنهم، وهو ما دفع بعض الأنظمة إلى البحث عن مظلة جديدة عبر التطبيع العلني أو غير العلني. 

يبدو من المعطيات في الأرض أنّ إسرائيل تعيش مرحلة قوة غير مسبوقة، ممّا جعل بعض التحليلات تصفها بأنها تدخل حقبة ثالثة في تاريخها بعد حقبة التأسيس بقيادة ديفيد بن غوريون، وحقبة التوسع بقيادة مناحيم بيغن، لتأتي اليوم حقبة نتنياهو الذي يُنظر إليه كمؤسس لهذه المرحلة الجديدة. 

ورغم مشاكله الداخلية الكثيرة، فإنّ التاريخ سيسجل اسم بنيامين نتنياهو ضمن رؤساء وزراء إسرائيل التاريخيين، لأنه صاحب الإنجاز الأكبر في تثبيت هذه الحقبة. 

كما كتب الباحث يوآف ليمور في صحيفة «إسرائيل هيوم» أنّ رؤية نتنياهو نحو ما يُسمّى «الشرق الأوسط الجديد» تقوم على إعادة رسم الخرائط السياسية والعسكرية بما يضمن لإسرائيل التفوق لعقود. 

وكي تستمر الحقبة الإسرائيلية الجديدة لعقود، فمن المتوقع ألا تقتصر السيطرة الإسرائيلية على المنطقة العربية فقط؛ فبعد إيران يبدو أنّ الدور سيكون على باكستان، باعتبارها دولة نووية إسلامية قد تُستهدف لإضعاف أيِّ قوة محتملة خارج العالم العربي، وذلك تماشيًا مع سياسة «الخطوة خطوة» و«دولة دولة» التي نجحت إسرائيل في تطبيقها وتنفيذها على مدى عقود. 

قد يبدو استهداف باكستان بعيدًا، لكن إسرائيل ليست مستعجلة، فإنها قد تشغلها بالهند، التي هي حليفة إستراتيجية قوية للكيان الآن، مع استغلال الأوضاع الداخلية، ثم القضاء عليها، وهذا يعكس منطقًا استراتيجيًّا يرى أنّ أيَّ قوة إسلامية نووية مستقلة تشكل تهديدًا طويل الأمد لإسرائيل. 

تبقى المشكلة الأساسية أنّ الدول العربية «هشة» ولم تستطع أن تؤسس لنفسها قوة تستطيع أن تحميها؛ لأنّ مفهوم الدولة لدى كثير منها هو بناء الأبراج والاعتماد على الخارج للحماية. والمفارقة هنا أنّ الحامي هو نفسه حامي إسرائيل، فكيف تستقيم الأمور؟! 

ما زالت الولايات المتحدة توفر الغطاء الإستراتيجي لإسرائيل، فيما تكتفي أوروبا بدور المساند السياسي للعرب. 

أما روسيا والصين، -فرغم حضورهما المتزايد- فلم يقدما حتى الآن بديلًا حقيقيًّا يُغيّر المعادلة، هذا الانكشاف العربي، مع غياب مشروع إقليمي موحد، جعل إسرائيل قادرة على فرض أجندتها دون أية مقاومة جدية. 

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا، هل نحن أمام لحظة تاريخية عابرة ستنتهي مع تغير موازين القوى، أم أننا أمام حقبة ممتدة ستعيد تشكيل المنطقة لعقود قادمة؟ ما يبدو واضحًا أنّ إسرائيل استطاعت أن تؤجل فكرة «الزوال» إلى أجل غير مسمى، وأنها تعيش اليوم مرحلة من القوة لم تعرفها من قبل. 

لكن التاريخ يعلمنا أنّ الحقب لا تدوم إلى الأبد، وأنّ التوازنات تتغيّر مع الزمن، وأنّ الخير يخرج دائمًا من بطن الشر، وكلُّ مظاهر القوة هذه التي تبدو واضحة على إسرائيل الآن، هي مقدمات لزوالها وإن طال الزمن. 

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.